أنا بتنفّس “ممانعة”… لا تقطع عنّي الهوا

مدة القراءة 4 د

لا “قطبة مخفيّة” مثلما يُشاع في زيارة وزير الصحّة حمد حسن المفاجئة والطارئة إلى دمشق العروبة والممانعة. ليس صحيحاً أنّ “وراء الأكمة ما وراءها” أو هناك “إنّ” في مضامين الزيارة. فأسبابها واضحة وضوح الشمس ولا لُبس فيها، لا تحمل أيّ تأويلات ولا تسييس ولا تدليس ولا تكبيس ولا حتّى تنفيس. جلّ ما في الأمر أنّ البعض منّا امتهن “الحرتقة” على حساب صحّة الناس، وما عاد هذا البعض يقدّر مواهب ولا قدرات ولا عراضات ولا رقصات دبكة ولا قوالب حلوى.

أن ينفّذ وزيرٌ زيارةً خارج البلاد من دون مشورةٍ أو إذنٍ من مجلس الوزراء وتنفيذاً لتعليمات حزبه معرّضاً البلاد كلّها للعقوبات الأميركيّة، أمرٌ لا يخلو من التفوّق على الذات ومن الشجاعة والمروءة.

وماذا يعني ألاّ يكون العلم اللبنانيّ حاضراً خلف وزيرنا المقاوم الصنديد في وزارة الصحّة السوريّة؟ هل فعلاً نحن نعشق السخافة إلى هذا الحدّ؟ ما هذه الصغائر؟… ارتقوا.

جلّ ما في الأمر أنّ البعض منّا امتهن “الحرتقة” على حساب صحّة الناس، وما عاد هذا البعض يقدّر مواهب ولا قدرات ولا عراضات ولا رقصات دبكة ولا قوالب حلوى

وزيرنا الرعديد قال من دمشق إنّه “على الرغم من زيادة الطلب على الأوكسيجين في سوريا جاءنا الردّ بالإيجاب”، وهذا يثبت في نظر الوزير أنّ “الرهان على الأشقّاء في الأزمات رهانٌ صائب”.

إذاً بات لزاماً علينا، من وجهة نظر الوزير حسن طبعاً، أن نشكر سيادة الرئيس الدكتور الفريق بشّار الأسد على هبته الكريمة، أن نكنّ الاحترام والتقدير لمن خنق شعبه بالغاز الكيميائيّ ووهبنا غاز الأوكسيجين للتنفّس، فأطنان الأسد الـ75 (طنّ ينطح طنّاً) تعادل 90% من استهلاكنا اليوميّ، وهي ستسدّ حاجاتنا من مادّة الأوكسيجين لمدّة يوم واحد… وكأنّ “الرئيس البراميليّ” يقول لمرضانا: تنفّسوا اليوم فقط… وهذا طبعاً إذا اعتبرنا أنّ “الهبة الأسديّة” ستصل إلى كل مستشفيات لبنان وليس إلى مستشفيات محدّدة.

لأنّ المعلومات تشير إلى أنّ تحرّك الوزير جاء بعدما أوقف النظام توريد الأوكسيجين من سوريا إلى لبنان، ومن شركة يقال إنّ أغلبية أسهمها يملكها لّبنانيّون. وكان المالكون في سوريا يقبضون ثمن هذا الأوكسيجين ولم يُعطوه لنا مجّاناً… وهنا ينطبق المثل الشعبيّ “من دهنو سقّيلو”.

بات لزاماً علينا، من وجهة نظر الوزير حسن طبعاً، أن نشكر سيادة الرئيس الدكتور الفريق بشّار الأسد على هبته الكريمة، أن نكنّ الاحترام والتقدير لمن خنق شعبه بالغاز الكيميائيّ ووهبنا غاز الأوكسيجين للتنفّس

قصد حمد حسن النظام السوريّ بعد شحٍّ في هذه المادّة أصاب مستشفيات البقاع الشماليّ، أي المستشفيات المحسوبة على “حزب الله”. وما غياب العلم اللبنانيّ عن صور الزيارة في وزارة الصحّة السوريّة، إلاّ مؤشّر إلى أنّ الزيارة لم تكن رسميّة كفايةً لزرع العلم خلف الوزير.

لعلّ “حزب الله” الذي يقوِّم المواقفَ والأزمات من المنظور العسكريّ والأمنيّ، استدرك أنّ الشحّ خطرٌ داهمٌ، وخصوصاً أن لا شركة أوكسيجين “ممانِعة” في لبنان، طالما أنّ الشركتيْن اللبنانيّتيْن غير ممانعتيْن (واحدة يملكها سنّيّ والثانية يملكها مسيحي).

لعلّ المشهديّة لم يتنبّه لها أحد، لكنّها أعادتنا في الذاكرة إلى الجدل الباسيليّ حول محطّات التغويز، الذي أثاره “وزير الصدفة” و”صهر الوجاهة” جبران باسيل. آنئذٍ طالب بإنشاء محطة غاز في سلعاتا خالصة “للمسيحيّين”، طالما أنّ للسنّة واحدة في مناطق الشمال، وأخرى للشيعة في مناطق الجنوب.

إقرأ أيضاً: أمّ زهير دمها فاير: “قوم بوس تيريز” أو نسحب التكليف

بات الأوكسيجين، بدوره، يُطيَّف اليوم في لبنان، لكن هذه المرة بلا جلبة وعَ السكت… هسسسسسس.

وقد أخبرني أحد الأطبّاء أنّ الأوكسيجين الطبّيّ ليس كما يظن أغلب الناس، فهو ليس أوكسيجيناً “حاف”، بل هواء مثل ذلك الموجود في الجوّ، منقّى ومضغوط،، لكنّه معبّأ بقوارير… إلا أنّ دولتنا لا تجيد ضغط الغازات ولا حتى كتمها، بل تجيد إطلاقها فقط، وغالباً على شكل “تصاريح بريحة”.

في الظاهر الوزير حمد حسن يريدنا نحن اللبنانيّين أن نشكر الأسد، لكن يبدو أنّه في الباطن ذهب إلى الشام ليقول لسيادة الرئيس: أنا بتنفّس “ممانعة”… لا تقطع عنّي الهوا.

 

*هذا المقال من نسج خيال الكاتب

مواضيع ذات صلة

المنطقة دخلت “عالم الحريري” ولبنان الغائب الوحيد

تمتدّ على واجهة بيروت البحريّة بضعة كيلومترات مربّعة هي بين الأغلى في الشرق الأوسط. أراد الرئيس الراحل رفيق الحريري، الذي رهن حياته وإرثه للنهوض بلبنان،…

رفيق الحريري: وصفة سعوديّة لاستقرار لبنان

21 عاماً مرّت على اغتيال الرئيس رفيق الحريري. تغيّر العالم، تغيّرت المنطقة، وتغيّر لبنان. تعود الذكرى مرّة أخرى لتعيد للّبنانيّين حنيناً إلى دولة ما يزالون…

ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرّئيس؟

لا تسألنا ماذا فعلنا من بعدك يا دولة الرئيس. الحقيقة أنّنا لم نفعل شيئاً. ما زلنا نحن والوطن كما تركتنا منذ 21 عاماً. لم نُضِف…

أثقل النعوش فوق أكتاف ترتجف

لم نتشائم بما فيه الكفاية حين قتلوه. لم نكن ندرك أي فاجعة هي تلك التي حفرت عميقًا في خاصرتنا وفي ناصية البلاد. عرفنا متأخرين أن…