يا غيرة الدين.. فَقَدنا حقّنا بالتصويت!!!

مدة القراءة 5 د

وماذا لو فقد لبنان حقّه بالتصويت* في الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة؟ فعلاً مضحكة مبكية تلك النخوة السيادية التي ملأت فضاء الإعلام والسياسة ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى يخال المرء أن لا قضيّة من قضايا الكوكب تتقدّم قيد أنملة نحو الحلّ أو الحصانة بغير صوت الجمهورية اللبنانية. أتفهّم أن يغرق شطر من اللبنانيين في موجة حزن على ما آلت إليه أوضاع بلدهم، أو أن تندلع، كما تندلع دوماً، نوبات نوستالجيا الزمن الجميل، من شارل مالك، وعبره دور لبنان المؤسّس في الأمم المتّحدة، إلى آخر علامة مضيئة من علامات الماضي الذي مضى. أمّا أن يُستنفر السياسيون بتلك النخوة لضمان حقّ لبنان في التصويت في الجمعية العامّة فهذا ممّا يستدعي، لدراسته، الإحالة على اختصاصيّي الطب النفسي لِما فيه من سلوكيّات انفصام خطيرة.

يحدث في نفس اليوم، الذي ثار فيه خبر فقدان حقّ التصويت، أن يُصادَر في مجلس النواب اللبناني حقّ النواب بالتصويت لاختيار رئيس للجمهورية، عبر “نصبة” نصاب الثلثين، المفترض لجلسة الانتخاب في الدورات التي تلي الدورة الأولى، وعبر تفسير دستوري يُبقي مصير جلسات مجلس النواب معلّقاً بيد رئيسه إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.

إنّما بعيداً عن الفقه الدستوري، فإنّ من بالغ السخف والادّعاء، الحرص على تصويت لبنان في الجمعية العامّة للأمم المتحدة، لإيجاد مخارج لمئات القضايا الأممية التي يُطرح شأنها على التصويت، بالتوازي مع إفقاد اللبنانيين، عبر إفقاد نوّابهم، الحقّ في التصويت لانتخاب رئيس للجمهورية، لإيجاد مخارج للبلد، تخرجه من قعر الجحيم إلى جحيم أقلّ سعيراً.

حقيقة الأمر أنّ لبنان، وهو مجرّد بقعة جغرافية تحتلّها ميليشيا مسلّحة من بابها إلى محرابها، فَقَدَ مسمّاه كدولة قبل أن يفقد حقوقه ووظائفه على المستوى الأمميّ

ثمّ كيف لبلد اعتاد العيش في ظلّ فراغات دستورية متتالية، يفوق مجموعها سبع سنوات، ووصل إلى ذروة الفراغ الآن، عبر خلوّ الرئاسة وحكومة تصريف أعمال معاً، ويخطو سريعاً نحو فراغات إضافية محتملة في حاكمية مصرف لبنان، ولاحقاً قيادة الجيش، لو طال أمد التعطيل، أن يذكِّر الأمم المتحدة بعضويّته فيها؟ إذا بُليتم باللادولة فاستتروا! فقبل الحديث عن حقّ لبنان بالتصويت في الجمعية العامّة للأمم المتحدة، يجوز طرح عضويّة لبنان برمّتها في الهيئة الدولية من باب عدم مطابقته لمواصفات الدول الأعضاء.

 

مسرحية نواب التغيير

حقيقة الأمر أنّ لبنان، وهو مجرّد بقعة جغرافية تحتلّها ميليشيا مسلّحة من بابها إلى محرابها، فَقَدَ مسمّاه كدولة قبل أن يفقد حقوقه ووظائفه على المستوى الأمميّ. أمّا من يتذرّعون اليوم بأنّ لميليشيا حزب الله حدوداً، فهي الحدود التي لا تريد الميليشيا تخطّيها عمداً، بما تتمتّع به من هيمنة رشيدة. فهي تعرف تماماً حجم اللقمة التي تقضمها، وتعرف كيف توحي، إلى من ينبغي الإيحاء إليه، بأنّها لا تمسك زمام الأمور تماماً.

من أوجه التسالي التي تسمح الميليشيا وحلفاؤها بممارستها، مسرحية اعتصام نواب التغيير في مجلس النواب، بشكل بائس، خالٍ من أيّ أفق سياسي، أو عصب نضالي، أو رؤية رزينة لإدارة مصالح اللبنانيين. كان الأحرى بهؤلاء أن يقاطعوا جلسات مجلس النواب منذ أن انتهت الدورة الأولى، أي المرّة الأولى التي اجتمعوا فيها لانتخاب رئيس للجمهورية، وأن لا يقبلوا المشاركة في الدورات التي تلت، وفق تفسير رئيس المجلس للدستور، بما يناسبه وبما يخدم قدرته على الإمساك التامّ بمجلس النواب. وكان الأجدر بهم خوض معركة سياسية دستورية تحترم الدستور ومصالح اللبنانيين بدل أن تتحوّل الجلسات إلى مناسبة لمزايدة بعضهم على البعض الآخر، كما تحوّل اعتصامهم مادّة للاستعراض التافه.

من سوء حظّ العاملين في الشأن السياسي في لبنان أن تأتيهم المثالات المحرجة لهم، والفاضحة لرداءة أدائهم السياسي، من كلّ حدب وصوب. آخر وجوه المقارنة استدعته استقالة رئيسة وزراء نيوزيلندا جاسيندا أرديرن، وقرارها عدم خوض الانتخابات العامّة المقرّرة العام الجاري.

وسط دموع غالبتها، قالت هذه السيّدة البالغة من العمر 42 عاماً والتي قادت بلادها في ظروف حالكة شملت الكوارث الطبيعية، وجائحة كوفيد وأسوأ هجوم إرهابي في بلادها على الإطلاق، قالت إنّها لم يعد لديها “ما يكفي في جعبتها للقيام بعملها بإنصاف”. وفي تصريحات أخرى قالت جاسيندا، وكأنّها تُفشي سرّاً عظيماً: “السياسيون بشر أيضاً”، في إشارة إلى حدود القدرة البشرية على دوام النجاح ودوام القدرة على فعل الصواب.

إقرأ أيضاً: فراغ وأسيران.. الحزب وجبران

بتواضع شديد أضافت: أترك منصبي لأنّني أدرك تماماً أنّه مع مثل هذا الدور المميّز، تأتي المسؤولية. مسؤولية أن تعرف متى تكون الشخص المناسب للقيادة، ومتى لا تكون أيضاً.

كم من السياسيّين الجدد والقدماء عليهم التعلُّم من دروس جاسيندا أنّ السياسة مسؤوليّة هائلة قبل أن تكون أيّ شيء آخر.

تماماً كما أنّ عضويّة الأمم المتحدة مسؤوليّة وليست امتيازاً. والادّعاء أنّنا نعيش في دولة هو مسؤوليّة وليس معطىً ثابتاً لا يقبل التغيير.

 

بتاريخ 17 كانون الثاني 2023 فقد لبنان حقه في التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة المكونة من 193 عضواً، ومعه 6 دول، من بينها فنزويلا وجنوب السودان، بسبب عدم سدادها المستحقات المترتبة عليهم. وقد بلغت المتأخرات على لبنان عن العامين الماضيين: مليون و835 ألف و303 دولارات.

 

لمتابعة الكاتب على تويتر: NadimKoteich@

مواضيع ذات صلة

مرجع لبنانيّ لـ”أساس”: ترامب وروبيو متفهّمان لموقفنا

البيان الصادر عن الولايات المتّحدة ولبنان وإسرائيل بعد جولة التفاوض الأخيرة في واشنطن يربط تنفيذ الاتّفاق على وقف النار بـ”إخلاء جميع عناصر “الحزب” من جنوب…

“الصلابة” الكويتية تهدم “الغدر” الإيراني

أثبتت الاعتداءات الإيرانية الممنهجة والمتكررة على الكويت والعديد من دول الخليج، وجود مخطط ممنهج لدى “الحرس الثوري”، بخلاف الرواية المستهلكة عن الرد على هجمات أميركية…

مصر وتركيا: الكابوس الجديد لإسرائيل

عندما حذّر الجاسوس الإسرائيليّ الأميركيّ السابق جوناثان بولارد من أنّ “العاصفة آتية”، ودعا إسرائيل إلى الاستعداد لحرب مستقبليّة قد تكون مع تركيا ومصر بعد إيران،…

سلام: التفاوض المباشر أقصر الطرق وأقلّها كلفة

يتمهّل رئيس الحكومة نوّاف سلام في الحكم على الجولتين الأخيرتين، الخامسة والسادسة، من المفاوضات المباشرة اللبنانيّة ـ الإسرائيليّة في واشنطن، من دون أن يقلّل من…