الحويّك… وحكاية العشب الّذي لا ينبت على طريق بكركي

مدة القراءة 11 د

لمناسبة إعلان البطريرك إلياس الحويّك، الأب الأوّل للبنان الكبير، طوباويّاً، ننشر جزءاً من فصل عن علاقته بالمتصرّفين العثمانيّين في جبل لبنان الصغير، وصدام الكنيسة المارونيّة بهم بصفتها المرجعيّة السياسيّة والروحية في شؤون المتصرفيّة كلّها، علاوة على صلابة الموقف وعناده اللذين اتّصف بهما. هذا الفصل من كتاب يصدر قريباً للزميل نقولا ناصيف عن نائب جبل لبنان القديم جورج زوين (1872 ـ 1953) بعنوان “عِزَتْلُو جورج بك زوين”.

 

بين سلطة المتصرّف ومرجعيّة البطريرك

حملت علاقة المتصرّفين بالكنيسة المارونيّة أسباباً شتّى لجدليّة راحت تتأرجح بين الاستقرار والتوتّر. بدا من الطبيعيّ أنّ كليْهما يمثّل مرجعيّة مناقضة للأخرى في المهمّات المنوطة بهما على أرض واحدة: يمثّل المتصرّف العثمانيّ غير اللبنانيّ السلطة الزمنيّة باسم الدولة العثمانيّة في حيّز جغرافيّ لا يختلف عن الولايات العثمانيّة الأخرى، وإن تمتّع باستقلال ضمنته الدول الستّ.

هو بذلك، وبفعل هذا المنصب المستمدّ من تلك الدول والمُؤتمَر من الباب العالي، يريد خضوع السلطات الزمنيّة والدينيّة الأخرى له، وإن لم يفُت أيّاً من المتصرّفين بمَن فيهم أكثرهم عداء للبطريرك المارونيّ واجب الاحترام. هو موقف في صلب صلاحيّات الحاكم تناقضه الكنيسة المارونيّة التي ترى استقلال المتصرفيّة على أساس أنّها كيان في ذاته لا يتطابق والولايات العثمانيّة الأخرى. ليس دين المتصرّفية الإسلام، ولا تخضع لوزارات السلطنة العثمانيّة في إسطنبول شأن الولايات الأخرى المنصاعة لوزارة الداخليّة. أضف المرجعيّة الدينيّة التي تجعل البطريرك مرجع أبناء طائفته في كيان على مرّ عقود من وجود الجيش العثمانيّ في الشرق نشأ كإمارة مؤسِّسة للبنان.

حملت علاقة المتصرّفين بالكنيسة المارونيّة أسباباً شتّى لجدليّة راحت تتأرجح بين الاستقرار والتوتّر. بدا من الطبيعيّ أنّ كليْهما يمثّل مرجعيّة مناقضة للأخرى في المهمّات المنوطة بهما على أرض واحدة

عاند البطاركة الموارنة المتعاقبون المتصرّفين المتوالين، من غير أن يخرجوا على طاعتهم للدولة العثمانيّة. زاروا السلطنة مراراً وحظوا بكثير من امتيازات استقبالهم هناك واعتراف بدورهم المرجعيّ، وحملوا منها أوسمة رفيعة وكلّ مظاهر التكريم. لذا مرّت بمراحل متناقضة متنافرة علاقةُ المتصرّفين بالبطريرك المُلازم موقعه في مُدد أطول ممّا أُعطي أولئك، غير القابلة للتجديد سوى مرّة واحدة،.

لم تكن كاثوليكيّة معظم المتصرّفين عاملاً كافياً ومساعداً دائماً كي تتّسم علاقته بالكنيسة المارونيّة بودّ وصداقة وتعاون متواصلة. في المقابل لم يكن المتصرّفون جميعاً على طرف نقيض منها، وإن في ظلّ طاعتهم العمياء الموجّهة إلى الباب العالي وإبراز حرصهم على السيطرة على حكم لبنان. أتيح نشوء صداقات وطيدة كما خصومات فجّة بينهم وبين أساقفة موارنة.

بين القانون والسّياسة: علاقة المتصرّفين بالكنيسة

بيد أنّ بروتوكول عام 1868 لحظ مادّتين حيال مكانة الكنيسة المارونيّة بإزاء النظام العامّ بما لا يمنحها امتيازاً مضاعفاً لنطاق تقيّدها في الشأن العامّ بالقانون النافذ، وأطلق لها معالجة شؤونها الداخليّة بمراجعها ما لم ينشأ عن تلك تعرّض للنظام. في المادة 17 يناط بهيئات الكنيسة دعاويها في نزاعات الكهنة والرهبان ما لم تطلب الأسقفيّات إحالة الدعاوى إلى القضاء المدنيّ. في المادّة 18، بما تعنيه فصلاً كاملاً بين دورَيْ الكنيسة وحكومة المتصرفيّة، يُمنع على أديرة الرهبان أن تُلجىء إليها مطلوبين تتعقّبهم السلطات، سواء كانوا رهباناً او مدنيّين.

ثلاثة متصرّفين أنسباء هم فرنكو باشا وصهره نعّوم باشا وابنه يوسف باشا التصقوا بالكنيسة ودافعوا عنها في مواجهة خصومها. جمعت مطران صيدا وصور بطرس البستانيّ علاقة عميقة بنعوم باشا حملته على القول عندما زاره للمرّة الاولى في دار المطرانيّة في أعالي بيت الدين: “مركزك العالي في هذه الدار يا سيادة المطران يمكّنك من الإشراف على السراي”.

في تلك العبارة مغزى التعالي الذي يتّصف به الكرسي الأسقفيّ من موقع أعلى من مقرّ المتصرّف في القصر الشهابيّ التاريخيّ. في المقابل لم تمنع صداقة رستم باشا لبكركي والإكليروس المارونيّ من اتّخاذ إجراء لم يسعهما الوقوف ضدّه، وقد يكون أرضاهما، وهو أنّه أمر بسجن 18 راهباً في دير بعدما عصوا أوامر البطريرك إلياس الحويّك مؤيّدين يوسف بك كرم.

موقف العداء المتّخذ من رجال الدين سيحمل رستم باشا يوماً على القول: “لو كانت لي سلطة مطلقة في لبنان لكنت منعت ثلاثة أشياء: أوّلاً الماعز لأنّ ضررها أكثر من منفعتها ويكفي أنّها تضرّ بالأحراج، وثانياً الأمرية ]الأمراء[ والمشيخة لأنّها تقوم بالكسل، وهي صفة لازمة لهم يُعرفون بها، وثالثاً الإكليروس لأنّهم لا يدركون مصلحة بلادهم وإن أدركوها لا ينظرون إليها من وجهها النافع بل من الوجوه التي توافق غرضهم ومنافعهم الخاصّة”.

ثلاثة بطاركة عبروا حقبة المتصرفية. أولهم سبقها إلى كرسيه، وثالثهم استمر إلى ما بعد تفككها والغائها قبل أن يُمسي الأب الأول للكيان الذي خَلَفَها وهو لبنان الكبير. ثالث البطاركة الياس الحويك، بعد بولس مسعد ويوحنا الحاج، المنتخب على رأس الكنيسة عام 1898، فحضر حقبة أربعة متصرفين بدءاً بالسنوات الأربع من الولاية الثانية لنعوم باشا ثم مظفر باشا ويوسف باشا وأوهانس باشا، إلى موعد إرغام آخرهم على التنحي عام 1915 بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى (…).

ثلاثة بطاركة عبروا حقبة المتصرفية. أولهم سبقها إلى كرسيه، وثالثهم استمر إلى ما بعد تفككها والغائها قبل أن يُمسي الأب الأول للكيان الذي خَلَفَها وهو لبنان الكبير. ثالث البطاركة الياس الحويك

صراع المرجعيّتين: مظفّر باشا والبطريركيّة

على طرف نقيض من كلّ من أولئك الذين سبقوه، مترجّحين في العلاقة بين التفاهم والتعاون والخلاف والتباعد، فإنّ لسابع المتصرّفين مظفّر باشا تجربة مختلفة تماماً، مغرقة في العداء للكنيسة والبطريركيّة المارونيّة. وجد نفسه لا يجبه عدوّاً واحداً وفرداً، بل مؤسّسة برمّتها من رأسها البطريرك إلى كلّ منضوٍ فيها. هو بذلك أعتى المتصرّفين الذين واجهوا الكنيسة المارونيّة. لم يكن الاقتصاص منها سياسيّاً بمقدار ما كان اجتماعيّاً. لا يلبث أن يتغلغل أكثر ويدعم مناهضيها جميعاً وهو يحظى ـ شأن أسلافه ـ بدعم القناصل.

مع مظفّر باشا غدا التحوّل أخطر ممّا كان متوقّعاً. تحدّى الكنيسة نفسها وبطريركها وافتعل الخلافات والنزاعات من حولها في محاولة لاستعداء أبنائها بعضهم لبعض متوسّلاً التعسّف الذي تمنحه إيّاه صلاحيّاته. أبعد من ذلك، نقل المواجهة إلى أرض كسروان بالذات، حيث مقرّ البطريرك، كي تكون المواجهة وجهاً لوجه على نحو ما ستشهده فيما بعد، عام 1907، أشهراً قليلة قبل نهاية ولاية المتصرّف، انتخابات دوريّة لمجلس الإدارة الكبير بطلها هذه المرّة جورج زوين. كانت واحداً من أهمّ فصول المواجهة التي تشهدها علاقة المتصرّف بالكنيسة المارونيّة، تمحو ما لم يكن قد زال تماماً من الأذهان صدام رستم باشا مع المطران بطرس البستاني. ها هي المواجهة التالية أكثر احتداماً.

يختصر صراع مظفّر باشا مع الكنيسة المارونيّة قوساً لا يقترب أيّ من قابَيْه من الآخر. يريد الرجل حصر المرجعيّة به وحده ما دام ممثّلاً للسلطان في لبنان، فيما الكنيسة تعدّ نفسها مرجعيّة الطائفة وشؤونها وخياراتها. وعلى نحو يتعذّر معه افتراض اقتراب أحدهما من الآخر، أضحى الاشتباك حتميّاً.

راح الباشا يؤلّب عليها السياسيّين وأبناء الطائفة وسواهم، بدعمه تيّارات وُصفت حينذاك بإصلاحيّة وتحرّريّة أبصرتها البطريركيّة على أنّها عدوّ للكنيسة ليس إلّا. راحت التيّارات الجديدة هذه، في السنوات الأخيرة، تتنامى في مواجهة الإقطاع المارونيّ التقليديّ المتمثّل بالمشايخ النافذين الذين حظوا تاريخيّاً، لعقود انقضت، بتأييد الكنيسة المارونيّة.

العشب نبت على طريق بكركي

لم تشفع كاثوليكيّة مظفّر باشا لعلاقة ودّيّة ببكركي. كانت بدأت بمبادرة البطريرك إلياس الحويّك إلى تكليف المطران يوسف نجم على رأس وفد يمثّله أن يكون في استقباله لدى وصوله إلى بيروت، إيذاناً ببدء مهمّته عام 1902. زوّده رسالة خطّيّة عبّرت عن ترحيبه بالحاكم الجديد. لم ينقضِ وقت طويل حتّى بدأت علاقات الرجلين تتعثّر تارة من جرّاء فرضه رسوماً إضافيّة على أهالي الجبل، وطوراً من إقدامه على عزل موظّفين وتعيين سواهم محدثاً وظائف ومفتّشيّات أحلّ فيها قريبين منه، ونزاعاته المتواترة، وأحدها مع عضو مجلس الإدارة الكبير سعدالله الحويّك شقيق البطريرك، إلى أن قُطعت العلاقة بينهما. على مرّ ولايته بالكاد انقضت سنواتها الخمس ما خلا ثلاثة أشهر قبل وفاته في المنصب، لم يزُر يوماً البطريرك في بكركي أو الديمان. جال في قرى مجاورة للمقرّ الصيفيّ كحدث الجبّة من دون أن يعرّج عليه.

لم تتأخّر بكركي في إعلان ولائها للسلطنة العثمانيّة التي استقبلت البطريرك بحفاوة في الآستانة في 17 تشرين الأوّل 1905، وقابل السلطان عبدالحميد خان وحاز منه السلطان العثمانيّ المرصّع، من غير أن ينجح كلا البطريرك والمتصرّف في وقف خلافاتهما وتباعدهما الآخذ في التوسّع.

سرعان ما استعان إلياس الحويّك بمستشار نظارة التجارة والنافعة في الآستانة، الوثيق الصلة بالباب العالي، نجيب ملحمة يشكو تذمّره من الباشا. في 22 كانون الثاني 1906 كتب إلى نجيب باشا ملحمة رسالة أورد فيها أنّ “الجميع يعرفون الآن مظفّر باشا وسعاياته وتشكّياته التي لا أساس لها. مع ذلك لم أُخلّ معه في ما تقتضيه اللياقة منّي لدن بلغت بيروت. فزرت الوالي ممثّل السلطان وأرسلت من قبلي مطرانين يزوران مظفّر باشا الذي كان قد أرسل من قبله ولده لاستقبالي على الباخرة. فهل كان له حقّ أن ينتظر منّي أكثر من ذلك بعدما كان عمل ما عمله ضدّي وضدّ الموارنة. الجواب لا. وبما أنّني معتقد حقّ الاعتقاد بأنّني لم أُخلّ بواجباتي، فأراني ملتزماً أن أتمسّك بالخطّة التي قرّرتها بالاتّفاق معك. أقول لك إنّ الاختبار الطويل مع هذا الباشا قد دلّنا على وجوب الامتناع عن إبداء شيء من التنازل عن حقوقنا معه، فإنّ دأبه تأويل حسن نيّاتنا بصورة مذمومة، وهو دائب أبداً في السعي إلى ما يضرّنا ويسقط حيثيّتنا”.

حدّة خلافه مع إلياس الحويّك حملته على مناوأته علناً والإيعاز بمقاطعة بكركي، وهو ما حمل كثيرين خائفين أو تزلّفاً له على تفادي زيارة البطريرك والانقطاع عنه، فشاعت عبارة أطلقها
أنصار المتصرّف حينذاك هي أنّ “العشب نبت على طريق بكركي”. في نهاية المطاف أمكن البطريرك الانتقام من مظفّر باشا.

الحويّك وخصومه… نهاية الصّراع

في الساعة التي لفظ المتصرّف أنفاسه الأخيرة في 29 حزيران 1907، كان أحد أبرز أعدائه بين الأساقفة المطران يوسف دريان، أكثر المحرّضين عليه، يركب الباخرة من الإسكندريّة إلى لبنان كي يصطاف. ما إن وطأت قدماه رصيف المرفأ استقبله كاهن مزوّد كتاباً من البطريرك إلياس الحويك يبلغ إليه خبر وفاة الباشا، وينيبه هو بالذات رئاسة الصلاة باسمه عليه وتقديم التعازي إلى أسرته.

إقرأ أيضاً: المسيحيّون يبحثون عن “حويّك مؤسّس” جديد؟

قيّض للبطريرك الانتقام من متصرّفَيْن اثنين. قبل مظفّر باشا اصطدم بسلفه واصا باشا الذي ساءه أن يعلم على أثر انتخاب فرعيّ لعضويّة مجلس الإدارة الكبير على المقعد المارونيّ في البترون في آذار 1887، أنّ كاهناً مارونيّاً هو إلياس الحويّك حرّض على إسقاط المرشّح الذي كان المتصرّف يدعمه، وهو كنعان الضاهر في مواجهة مرشح البطريركية عساف البيطار. على الرغم من أنّ مرشّحه فاز، لم يغفر واصا باشا للكاهن الشابّ دوره في منافسة ضارية ألقى الحاكم بثقله كلّه من أجل إنجاح كنعان الضاهر.

بانقضاء سنتين، عزمت بكركي على رسم ثلاثة مطارنة، وأحد المرشّحين لهذه الرتبة هو الخوري إلياس الحويّك. أوفد واصا باشا إلى البطريرك بولس مسعد يرجوه أن لا يُعيَّن أسقفاً، فأجابه مرّة تلو أخرى أنّ “هذا إلهام من الروح القدس، فلا نعرف مَن تصيبه القرعة”.

في 14 كانون الأوّل 1889 سيم إلياس الحويّك مطراناً فغضب المتصرّف وقاطع بكركي تماماً. كذلك فعل عند وفاة البطريرك بولس مسعد للتعزية، ثمّ عند انتخاب خلفه البطريرك يوحنّا الحاج للتهنئة. بوفاة واصا باشا في 29 حزيران 1892 أناب البطريرك يوحنّا الحاج المطران إلياس الحويّك عنه في الصلاة عليه

مواضيع ذات صلة

عندما يطوَّب وطنٌ بتطويب بطريرك

“بيدبّرها الله”، هي العباره المفتاح التي استند إليها البطريرك إلياس الحويّك لمواجهة التحدّيات والانتصار عليها. كيف لا واسمه العائليّ “منصور”.   قضى البطريرك الحويّك حياته…

العفو العامّ… تعديلات “السُّنّة” تحسم المصير؟

يدخل مجلس النوّاب، في اليوم الثاني من جلسته التشريعيّة المنعقدة اليوم الخميس، واحداً من أكثر الملفّات حساسيّة وإثارة للجدل، مع إدراج مشروع قانون العفو العامّ…

حمد بن خليفة: أمير الصورة والصوت والدور

مهما اختلف كثيرون على سياسات الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وعلى الخيارات التي اتّخذها خلال سنوات حكمه، إلّا أنّ الاختلاف لا يلغي…

زيكو… حكاية الفقير الّذي انتصر على القدر

قصّته كقصّة أبناء كلّ قرية وصعيد، قصص شباب الحواري وأزقّة الفقر وأحزمة البؤس. لا يختلف عن أيّ واحد منهم. عاش الفقر والعوز، وتذوّق الجوع، وسعى…