عندما يطوَّب وطنٌ بتطويب بطريرك

مدة القراءة 4 د

“بيدبّرها الله”، هي العباره المفتاح التي استند إليها البطريرك إلياس الحويّك لمواجهة التحدّيات والانتصار عليها. كيف لا واسمه العائليّ “منصور”.

 

قضى البطريرك الحويّك حياته بين الترميم والبناء. بدأ ذلك في 8 أيّار 1890 في روما بالإشراف على ترميم وإعادة افتتاح المدرسة المارونيّة التي دمّرها نابليون الأوّل، ثمّ انتقل إلى باريس عام 1891 حيث أسّس الكنيسة المارونيّة، قبل أن يحطّ في إسطنبول ليبني جسر الحوار بين موارنة لبنان والسلطنة العثمانيّة فالتقى الباب العالي السلطان عبدالحميد الثاني الذي منحه الوسام المجيديّ لتكون محطّة البناء الأخيرة في إعلان دولة  لبنان الكبير 1920.

بعد 106 أعوام يمثّل إعلان تطويب البطريرك إلياس الحويّك في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان حدثاً روحيّاً ووطنيّاً يتجاوز الأبعاد الدينيّة ليشكّل بوصلة بناء إنقاذيّة لدولة تناضل من أجل استعادة سيادتها وتحرير أرضها. ففي ظلّ الأزمات الوجوديّة التي تعصف بالبلاد، يعود طيف “بطريرك الاستقلال والكيان” ليوجّه رسالة صلبة عن مفهوم السيادة الحقيقيّة والوحدة الوطنيّة التي تفتقر إليها الساحة السياسيّة اليوم. تكمن الأهميّة الأولى لهذا التطويب في التوقيت، إذ يمرّ لبنان بمرحلة من التفكّك المؤسّساتيّ والتهديد المستمرّ لسيادته وقراره الحرّ.

البطريرك الحويّك هو الرجل الذي قاد الوفد اللبنانيّ إلى مؤتمر الصلح في باريس عام 1919، وانتزع الاعتراف بـ”لبنان الكبير” بحدوده التاريخيّة الحاليّة. إنّ استحضار شخصيّته اليوم يذكّر اللبنانيّين بأنّ حدود هذا الوطن وسيادته ليستا محلّ مساومة أو تفاوض، وأنّ الدفاع عن الأرض والهويّة هو واجب وطنيّ جامع لا ينفصل عن التمسّك بالشرعيّة الدوليّة والمؤسّسات الرسميّة للدولة.

“بيدبّرها الله”، هي العباره المفتاح التي استند إليها البطريرك إلياس الحويّك لمواجهة التحدّيات والانتصار عليها. كيف لا واسمه العائليّ “منصور”

من جهة أخرى، يحمل هذا الحدث دلالة عميقة في ما يخصّ التماسك الداخليّ. ففيما يعاني لبنان الانقسامات الطائفيّة والسياسيّة التي تضعف موقفه أمام التحدّيات الخارجيّة، يبرز الحويّك رمزاً وطنيّاً عابراً للطوائف. اشتهر بمقولته التاريخيّة: “طائفتي هي لبنان”، التي يرفض من خلالها حصر دوره في إطار الدفاع عن المسيحيّين فقط، فهو يناضل من أجل وطن يتّسع لجميع أبنائه على قاعدة المواطنة والشراكة الكاملة.

هذا النموذج هو ما يحتاج إليه لبنان اليوم لإعادة بناء جبهته الداخليّة، إذ لا يمكن للدولة أن تحرّر أرضها أو تحمي سيادتها ما دام نسيجها الوطنيّ ممزّقاً بالولاءات الضيّقة والارتهان للخارج.

علاوة على ذلك، يمنح التطويب أملاً متجدّداً للشعب اللبنانيّ الذي يعيش تحت وطأة الإحباط والانهيار الاقتصاديّ والأمنيّ. إنّ الاعتراف بالبطريرك الحويّك على مذابح الكنيسة يذكّر اللبنانيّين بأنّ بلدهم، على الرغم من صغر مساحته وكثرة محنه، يمتلك مخزوناً أخلاقيّاً وتاريخيّاً قادراً على الصمود بوجه أعتى العواصف. هو دعوة صريحة إلى التمسّك بالأرض وعدم الاستسلام للهجرة أو اليأس.

إقرأ أيضاً: المسيحيّون يبحثون عن “حويّك مؤسّس” جديد؟

في الختام، ليس تطويب البطريرك إلياس الحويّك في هذا الوقت بالذات احتفالاً بالماضي وحسب، بل هو خارطة طريق للمستقبل. إنّه نداء صارخ لإعلاء مصلحة الدولة فوق كلّ اعتبار، والتأكيد أنّ سيادة لبنان وتحرير أرضه يبدآن من وحدة شعبه وإيمانهم بوطن حرّ، سيّد، ومستقلّ.

أُسّس موقع “أساس ميديا” من أجل الدفاع عن الدولة والدستور، إذ قال ناشر الموقع نهاد المشنوق يوم التأسيس إنّ “أساس الوطن ثلاثة: دستور وشعب وأرض، وهذه الأسس الثلاثة يجري هدمها. الدستور بتجاوزه والشعب بتخديره وكرامة الأرض بانتهاكها. من هنا أردنا “أساس” منبراً للدفاع عن تلك الأسس التي انهارت”. من أجل ذلك كلّه يقدّم “أساس” ملحقاً في ذكرى تطويب البطريرك الحويّك الذي نراه تطويباً لنهائيّة لبنان الدولة والكيان.

مواضيع ذات صلة

الحويّك… وحكاية العشب الّذي لا ينبت على طريق بكركي

لمناسبة إعلان البطريرك إلياس الحويّك، الأب الأوّل للبنان الكبير، طوباويّاً، ننشر جزءاً من فصل عن علاقته بالمتصرّفين العثمانيّين في جبل لبنان الصغير، وصدام الكنيسة المارونيّة…

العفو العامّ… تعديلات “السُّنّة” تحسم المصير؟

يدخل مجلس النوّاب، في اليوم الثاني من جلسته التشريعيّة المنعقدة اليوم الخميس، واحداً من أكثر الملفّات حساسيّة وإثارة للجدل، مع إدراج مشروع قانون العفو العامّ…

حمد بن خليفة: أمير الصورة والصوت والدور

مهما اختلف كثيرون على سياسات الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وعلى الخيارات التي اتّخذها خلال سنوات حكمه، إلّا أنّ الاختلاف لا يلغي…

زيكو… حكاية الفقير الّذي انتصر على القدر

قصّته كقصّة أبناء كلّ قرية وصعيد، قصص شباب الحواري وأزقّة الفقر وأحزمة البؤس. لا يختلف عن أيّ واحد منهم. عاش الفقر والعوز، وتذوّق الجوع، وسعى…