لم تكن العلاقة بين المسيحيّين اللبنانيّين والمملكة العربيّة السعوديّة علاقة عاطفيّة، إنّما كانت، في معظم مراحلها، علاقة مصالح واستقرار، تتبدّل مع تبدّل المنطقة، لكنّها بقيت محكومة بسؤال واحد: أيّ دور يمكن أن تؤدّيه المملكة في الحفاظ على توازن لبنان؟
خلال العقود الماضية، نظر كثير من المسيحيّين إلى المملكة السعوديّة باعتبارها الراعي العربيّ لاتّفاق الطائف، وصاحبة التأثير الأكبر داخل البيئة السنّيّة اللبنانيّة. أمّا المملكة فكانت ترى في المسيحيّين ركناً أساسيّاً في هويّة لبنان العربيّة، وعنصراً لا غنى عنه في استقرار نظامه السياسيّ. لكنّ السنوات الأخيرة غيّرت الطرفين معاً.
أهمّيّة العلاقة مع السّعوديّة
لم تعد المملكة السعوديّة الدولة التي تُقاس سياستها الخارجيّة فقط بموازين الصراع الإقليميّ، بل أصبحت دولة تعيد تعريف نفسها من خلال الاقتصاد، الاستثمار، الانفتاح، وبناء النفوذ عبر التنمية قبل السياسة. ومن هنا، لم تعد علاقتها بلبنان تُبنى على إدارة الانقسامات، بل على سؤال بسيط: هل توجد دولة لبنانيّة يمكن الاستثمار فيها؟
المصلحة المسيحيّة لا تكمن في الانخراط في محاور عربيّة أو غير عربيّة متقابلة، كما حصل في عهد الرئيس السابق ميشال عون، بل في إقامة أفضل العلاقات مع كلّ العواصم العربيّة، وفي مقدَّمها الرياض
في المقابل، بدأ قسم واسع من المسيحيّين اللبنانيّين يراجع نظرته إلى العالم العربيّ. فبعد عقود من الشعور بأنّ الشرق يضيق بهم، اكتشفوا أنّ التحوّلات العربيّة الكبرى قد تفتح أمامهم فضاءً جديداً للمشاركة، ليس كأقلّيّة تبحث عن ضمانات، بل كشركاء في نهضة ثقافيّة واقتصاديّة وإنسانيّة.
وهنا تكمن أهميّة العلاقة مع المملكة السعوديّة. فهي ليست علاقة دعم ماليّ، ولا انتظار مبادرة سياسيّة، بل علاقة تقاطع بين مشروعين: مشروع دولة تسعى إلى تحديث نفسها، ومجتمع لبنانيّ يبحث عن استعادة دولته.
لقد أثبتت التجارب أنّ الدول لا تُبنى بالأموال وحدها، لكنّها أيضاً لا تنهض من دون اقتصاد. وإذا كانت المملكة اليوم تستثمر في المستقبل، فإنّ لبنان لا يستطيع أن يكون جزءاً من هذا المستقبل إلّا إذا استعاد مؤسّساته، واحترم قوانينه، واحتكر قراره السياديّ.
المسيحيّون صلة وصل
إنّ المصلحة المسيحيّة لا تكمن في الانخراط في محاور عربيّة أو غير عربيّة متقابلة، كما حصل في عهد الرئيس السابق ميشال عون، بل في إقامة أفضل العلاقات مع كلّ العواصم العربيّة، وفي مقدَّمها الرياض، على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. إنّ الجسر لا يتّصل بضفّة واحدة بل بضفّتين. وقيمة الجسر ليست في بقائه ثابتاً، بل في قدرته على وصل ما انقطع.
ربّما هذا هو الموقع الطبيعيّ للمسيحيّين اللبنانيّين في علاقتهم مع المملكة السعوديّة. ليسوا جبهة متقدّمة في مواجهة أحد، ولا امتداداً سياسيّاً لأيّ محور، بل جسر حضاريّ بين العرب والعالم، يحمل معه إرثاً من التعليم والثقافة والانفتاح والاقتصاد.
الشّراكة تبني الدّولة لا محاور الصّراع
إنّ المملكة الجديدة تبحث عن شركاء في التنمية أكثر ممّا تبحث عن حلفاء في الصراع، ولبنان لا يستطيع أن يكون شريكاً إلّا إذا عاد دولة تحكمها المؤسّسات الدستوريّة لا أهواء الجماعات الأهليّة فيه.
الدول لا تُبنى بالأموال وحدها، لكنّها أيضاً لا تنهض من دون اقتصاد. وإذا كانت المملكة اليوم تستثمر في المستقبل، فإنّ لبنان لا يستطيع أن يكون جزءاً من هذا المستقبل إلّا إذا استعاد مؤسّساته، واحترم قوانينه
لهذا لا يُقاس مستقبل العلاقة بعدد الزيارات الرسميّة، ولا بحجم المساعدات، إنّما يقاس بحجم التاريخ المشترك، وبقدرة اللبنانيّين على بناء دولة تجعل من التعاون مع المملكة السعوديّة خياراً استراتيجيّاً دائماً، لا محطّة عابرة تفرضها الأزمات.
إنّ المسيحيّين اللبنانيّين، بحكم تاريخهم وانتمائهم وانفتاحهم على العالم، قادرون على أن يكونوا أحد أعمدة هذه الشراكة الجديدة، لأنّ نهضة المشرق لا يمكن أن تقوم إلّا على تعاون بين دول مستقرّة ومجتمعات حرّة.
السياسة تبني التحالفات، وأمّا الحضارة فتبني الشراكات. وإذا كان القرن الماضي قرن التحالفات، فالقرن الجديد هو قرن الشراكات الكبرى، حيث تصبح العلاقة بين لبنان والمملكة السعوديّة جزءاً من مشروع عربيّ أوسع، قوامه الدولة، والتنمية، والاعتدال… واحترام التعدّديّة.
لا بد أن تكون مرحلة العلاقات المسيحيّة السعوديّة، التي امتدّت ردحاً طويلاً، ضمانة لثلاث ركائز: أولاها الأمن المشترك، وثانيتها اتّفاق الطائف، وثالثتها توازن القوى مع إيران لرعاية موازين داخليّة مختلّة في الأصل بين طائف سنّيّ ـ مارونيّ مهتزّ، وبين حضور شيعيّ قويّ قد يبدأ بالبحث الجدّيّ عن أثمان تسليم سلاحه.
إقرأ أيضاً: المسيحيّون في لبنان: أيّ مستقبل؟! (1/4)
غداً الحلقة الثالثة: مسيحيّو لبنان: أحزابهم والمستقبل.
