الزيدي إلى ترامب.. أربعة مفاتيح من السلاح إلى “أنبوب” بانياس

مدة القراءة 5 د

لم يحتَج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب إلى كثير من الوقت لكسر جليد اللقاء مع رئيس الوزراء العراقيّ عليّ الزيديّ. استقبله في البيت الأبيض بعبارات إعجاب لافتة، واصفاً إيّاه بأنّه “شابّ ووسيم”، قبل أن يمزح بأنّ ذلك “لا يجعله سعيداً”. ثمّ انتقل سريعاً إلى الأهمّ، متحدّثاً عن “كيمياء هائلة” تجمعهما، وعن دور طويل يمكن أن يلعبه الزيديّ في المنطقة.

 لم يصل الزيديّ إلى واشنطن بحثاً عن الإطراء. حمل معه حقيبة واحدة، وفي داخلها أربعة مفاتيح: مفتاح السلاح، مفتاح الدولار، مفتاح الشركات الأميركيّة، ومفتاح سوريا. أربعة ملفّات متشابكة لا يمكن فتح أحدها بمعزل عن الآخر لأنّ الصفقة التي تبحث عنها بغداد لا تنفصل عن الصفقة التي تريدها واشنطن: عراق أقلّ التصاقاً بإيران وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الأميركيّ.

 

بحسب معلومات “أساس”، حضرت المفاتيح الأربعة في المحادثات بوصفها أجزاء من مسار واحد لإعادة صياغة العلاقة العراقيّة – الأميركيّة، بعد انتهاء المهمّة العسكريّة للتحالف.

المفتاح الأوّل: السّلاح

بدأ الزيديّ من الملفّ الأصعب: حصر السلاح بيد الدولة. في كلمته أمام ترامب، وصف هذا القرار بأنّه ركيزة أساسيّة في برنامجه الحكوميّ ولا تراجع عنه، وكشف عن تسلّم كمّيّات كبيرة من الأسلحة من فصائل أبدت استعداداً للانتقال إلى العمل السياسيّ والمدنيّ. وربط سقوط أيّ مبرّر لاستمرار السلاح خارج الدولة بموعد الثلاثين من أيلول، تاريخ انتهاء وجود القوّات الأميركيّة في العراق.

شرح مصدر لـ”أساس” أنّ هذه المعادلة تخدم الطرفين. تقول بغداد إنّ انسحاب القوّات الأجنبيّة يسقط الذريعة التي تستخدمها الفصائل للاحتفاظ بسلاحها، فيما تريد واشنطن ضمان ألّا يتحوّل الانسحاب إلى فراغ تملؤه الجماعات المرتبطة بطهران.

بحسب معلومات “أساس”، حضرت المفاتيح الأربعة في المحادثات بوصفها أجزاء من مسار واحد لإعادة صياغة العلاقة العراقيّة – الأميركيّة، بعد انتهاء المهمّة العسكريّة للتحالف

قبل سفره، كتب الزيدي في صحيفة “واشنطن بوست” أنّ حكومته حقّقت تقدّماً في حصر سلاح عدد من الفصائل، وأنّه يريد نقل العلاقة مع الولايات المتّحدة من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.

رأى المصدر أنّ المقال شكّل رسالة مبكرة إلى ترامب مفادها أنّ الحكومة العراقيّة مستعدّة للانتقال من الوعود إلى التنفيذ.

المفتاح الثّاني: الدّولار

في الحقيبة أيضاً رزم لا تقلّ حساسيّة عن السلاح: شحنات الدولار النقديّ إلى العراق.

كانت واشنطن قد أوقفت شحنة تقارب خمسمئة مليون دولار، قبل أن تستأنف تدفّقات محدودة بعد موافقة بغداد على ضوابط إضافيّة تمنع وصول العملة الأميركيّة إلى إيران والفصائل. واعتبر الزيدي استئناف الشحنات “بادرة حسن نيّة”، فيما طلب الجانب العراقيّ شحنة إضافيّة بالتزامن مع لقاء البيت الأبيض.

هنا لا يعود الدولار تفصيلاً ماليّاً. إنّه أداة ضغط أميركيّة مباشرة على العراق، الذي تمرّ عائداته النفطيّة عبر النظام الماليّ الأميركيّ. تريد بغداد حماية السيولة واستقرار السوق، بينما تريد إدارة ترامب إغلاق منافذ تهريب الأموال إلى إيران.

بكلام أوضح: يريد الزيدي من ترامب فتح خزنة الدولار للعراق، مقابل إغلاق الخزنة العراقيّة أمام طهران.

المفتاح الثّالث: النّفط والشّركات الأميركيّة

أعلن ترامب أنّ الولايات المتّحدة ستبرم “الكثير من الصفقات” مع العراق، وأنّ شركات أميركيّة ستستخرج كمّيّات كبيرة من النفط. بدوره، قال الزيدي إنّ الشركات الأميركيّة ستدخل السوق العراقيّة، وإنّ بلاده تحتاج إلى حصّة عادلة داخل “أوبك” لتمويل إعادة البناء.

إذاً لم تكن الزيارة قمّة سياسيّة وحسب. وصل الزيديّ طالباً استثمارات واسعة في النفط والغاز والكهرباء. وشملت الملفّات محادثات مع “شيفرون”، وتعاوناً مع “HKN Energy” في حقل حمرين، ومشاريع للغاز الطبيعيّ المسال، واتّفاقاً أوسع مع “جنرال إلكتريك”، إلى جانب تسهيلات وضمانات أمنيّة للشركات الأميركيّة.

المعادلة الجديدة واضحة: يخرج الجنود الأميركيّون في نهاية أيلول، لكنّ الشركات الأميركيّة تبقى. تستبدل واشنطن الوجود العسكريّ بحضور اقتصاديّ قويّ وطويل الأمد، فيما تستبدل بغداد صورة ساحة الحرب التي اتّصفت بها بصورة سوق مفتوحة للاستثمار.

أربعة مفاتيح حملها الزيدي إلى ترامب، لكنّها تفتح باباً واحداً: نقل العراق من زمن الوجود العسكريّ الأميركيّ والنفوذ الإيرانيّ المتداخل، إلى زمن الشراكة الاقتصاديّة بقيادة واشنطن

المفتاح الرّابع: سوريا

أمّا المفتاح الأخير فقد يكون الأكثر أهمّيّة إقليميّاً: سوريا وخطّ كركوك – بانياس.

بحسب معلومات “أساس”، يُطرح إحياء الخطّ بوصفه جزءاً من البحث عن طريق عراقيّ بديل إلى البحر المتوسّط، بعدما كشفت أزمة مضيق هرمز حجم المخاطر التي تهدّد صادرات العراق.

تحدّث المصدر عن عمل المبعوث الأميركيّ توم بارّاك على تفاصيل المشروع، وعن مذكّرة تفاهم مع شركة “TI Capital” لإعادة تأهيل الخطّ، باعتباره نموذجاً لمشاريع تجاريّة أميركيّة في العراق وبلاد الشام.

إقرأ أيضاً: ترامب يحمل “التزامات” الشّرع إلى نتنياهو وعون

بهذا المفتاح لا تدخل سوريا الحقيبة من الباب السياسيّ فقط، بل ومن بوّابة الطاقة. تتّصل كركوك ببانياس، ويحصل العراق على منفذ إلى المتوسّط، وتستعيد سوريا موقعها على خريطة العبور، فيما تضع واشنطن الشركات الأميركيّة على الطريق الممتدّة من حقول العراق إلى الساحل السوريّ.

أربعة مفاتيح حملها الزيدي إلى ترامب، لكنّها تفتح باباً واحداً: نقل العراق من زمن الوجود العسكريّ الأميركيّ والنفوذ الإيرانيّ المتداخل، إلى زمن الشراكة الاقتصاديّة بقيادة واشنطن.

لن يُقاس نجاح الزيارة بابتسامة ترامب أو إعجابه بوسامة ضيفه، بل بقدرة الزيديّ، بعد عودته، على استخدام المفاتيح الأربعة داخل بغداد.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@LaraMounif

مواضيع ذات صلة

أحمدي نجاد من “مُبيد إسرائيل” إلى “يلتسين الموساد”؟

مِنْ منصَّةِ الخطابةِ في طهران متوعِّداً بشطبِ إسرائيلَ، إلى كواليسِ الاستخبارات الدوليَّةِ كـ”رهانٍ سريٍّ” لجاهز الموساد الإسرائيليّ، تُعادُ اليومَ كتابةُ الروايةِ السياسيَّةِ للرئيسِ الإيرانيِّ الأسبقِ…

روما: حسابات صنعاء لم تطابق حسابات عين التينه

ليست الأنظار وحدها إلى روما، ولا الرهان الحقيقي على عودة المفاوضات الأميركية – الإيرانية. ففي الكواليس الدبلوماسية، يتردد حديث مختلف تماماً: المساران القائمان قد يمنعان…

بدأ العدّ العكسيّ: الجنوب من دون “غطاء أمميّ”

يخفي  مسار التفاوض المباشر مع إسرائيل منذ الجلسة الأولى في 14 نيسان الماضي، وصولاً إلى جولة روما المرتقبة، ثمّ زيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون للولايات…

روما… رحلة عبور اتّفاق الإطار إلى التّنفيذ

مطلع الأسبوع المقبل ينتقل السفير اللبنانيّ السابق سيمون كرم والسفيرة اللبنانيّة في واشنطن ندى معوّض حمادة إلى روما للمشاركة في الاجتماعات التفاوضيّة مع الوفد الإسرائيليّ…