لماذا تراجع “الحزب” عن اجتياح برّي بعد 7 أكتوبر؟ (3/1)

مدة القراءة 6 د

تقّدم وثائق داخليّة مسرّبة لحركة “حماس”، نشرت منصّة استخباريّة إسرائيليّة تفاصيلها، معطيات تقول إنّها “غير معروفة” عن سنوات من التنسيق بين “الحركة” و”الحزب” وإيران، شملت تبادل المعلومات الاستخباريّة، والاجتماعات الاستراتيجيّة، ووضع سيناريوات لحرب واسعة متعدّدة الجبهات ضدّ إسرائيل.

 

تكشف الوثائق أنّ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل لم يكن عمليّة منفصلة، بل جاء ثمرة سنوات من التنسيق العسكريّ والاستخباريّ والسياسيّ بين “حماس” و”الحزب” وإيران، وأنّ “الحركة” عملت بصورة متواصلة على إقناع الأمين العامّ لـ”الحزب” حسن نصرالله بالمشاركة في هجوم متزامن على شماليّ إسرائيل، في إطار حرب متعدّدة الجبهات. وكانت تراهن على مشاركة “الحزب” في اجتياح برّيّ متزامن انطلاقاً من جنوبيّ لبنان، لكنّها اصطدمت، في اللحظة الحاسمة، بقرار “الحزب” الاكتفاء بفتح جبهة إسناد، الأمر الذي غيّر مسار المواجهة.

وفقاً لمنصّة “أوبن سورس إنتل” الاستخباريّة، التي أسّسها في أعقاب هجمات 7 أكتوبر 2023 محلّل استخبارات المصادر المفتوحة الأميركيّ المولد والمقيم في إسرائيل جاي ليتني، تقدّم هذه الوثائق، التي تُنشر للمرّة الأولى صورة واضحة عن نظرة “حماس” إلى علاقتها مع “الحزب” في السنوات التي سبقت الهجوم.

تساعد هذه الوثائق في الإجابة عن أحد أهمّ الأسئلة التي لم تتمّ الإجابة عنها حتّى الآن بشأن هجوم 7 أكتوبر: لماذا توقّف “الحزب”، على الرغم من سنوات من الاستعدادات والتنسيق الوثيق مع “حماس”، عن شنّ هجوم برّيّ واسع النطاق على الجليل الذي كانت تتوقّعه “حماس”؟

ردّ خليل حرب بأنّه لم يكن يعلم أنّ “حماس” ترغب في مستوى أعلى من التصعيد، واصفاً الطلب بأنّه “مشروع”

البداية في 2019

بحسب تقرير المنصّة، بدأت العلاقة بين “الحزب” و”حماس” تتعمّق قبل سنوات من الهجوم. ففي عام 2019، وبينما كانت “حماس” تسرّع استعداداتها لما سمّته داخليّاً “خطّة هزيمة فرقة غزّة”، بعث رئيس المكتب السياسيّ للحركة إسماعيل هنيّة برسالة إلى نصرالله يطلب فيها تعزيز التنسيق العسكريّ بين الجانبين. وكتب هنيّة: “إخوانكم وأهلكم في فلسطين واثقون ومطمئنّون إلى أنّكم لن تخيّبوا آمالهم في نضالهم ضدّ عدوّهم، وهم على ثقة بأنّكم ستجدون دائماً السبيل إلى الانضمام إليهم في صمودهم حتّى يتحقّق النصر”.

أرسلت “حماس” أيضاً رسالة مماثلة إلى المرشد الإيرانيّ عليّ خامنئي، في خطوة تعكس سعي الحركة، قبل سنوات من الهجوم، إلى ضمان دعم كلّ من إيران و”الحزب” لأيّ مواجهة مقبلة مع إسرائيل.

تفيد الوثائق بأنّ مستوى التعاون بين الأطراف الثلاثة تطوّر بصورة ملحوظة خلال عمليّة “حارس الأسوار” التي خاضتها إسرائيل في أيّار 2021. فبحسب تقرير داخليّ للاستخبارات العسكريّة التابعة لـ”حماس”، أنشأت الحركة، بالتعاون مع “الحزب” والحرس الثوريّ الإيرانيّ، غرفة عمليّات استخباريّة مشتركة في بيروت، ظلّت تعمل طوال فترة المواجهة.

وفقاً للوثائق، دعا “الحزب” قادة حماس إلى تقديم طلبات استخباريّة محدّدة، وزوّدهم بمعلومات عن تحرّكات القوّات الإسرائيليّة، وانتشار الوحدات العسكريّة، وأنشطة سلاح الجوّ الإسرائيليّ، بالإضافة إلى معلومات ميدانيّة أخرى تتعلّق بسير العمليّات.

عمليّة المترو الخادعة

تورد الوثائق ما تصفه بأنّه أحد أبرز أوجه هذا التعاون، ويتعلّق بما عُرف في إسرائيل بعمليّة “المترو الإسرائيليّة الخادعة”. فبحسب رواية “حماس”، تلقّى قادتها تحذيراً من “الحزب” قبل نحو ساعتين من تنفيذ العمليّة يفيد بأنّ الإعلان الإسرائيليّ لبدء اجتياح برّيّ لقطاع غزّة ليس سوى خدعة تهدف إلى استدراج مقاتلي “حماس” إلى الاحتماء داخل شبكة الأنفاق، تمهيداً لاستهدافها بغارات جوّيّة واسعة النطاق.

تورد الوثائق أيضاً حالة أخرى من التعاون الاستخباريّ. فبحسب رواية “حماس”، رصد “الحزب” حشداً غير معتاد لعناصر الاستخبارات الإسرائيليّة فوق منطقة جباليا

في هذا السياق، يذكر التقرير أنّ مسؤولاً أمنيّاً إسرائيليّاً كبيراً شارك في تلك العملية أكّد لإذاعة الجيش الإسرائيليّ أنّ “الحزب” لعب بالفعل دوراً مهمّاً في كشف عمليّة الخداع، وإن كانت الوثائق تشير إلى أنّ “الحزب” لم يكن يدرك الحجم الكامل للعمليّة الإسرائيليّة.

تورد الوثائق أيضاً حالة أخرى من التعاون الاستخباريّ. فبحسب رواية “حماس”، رصد “الحزب” حشداً غير معتاد لعناصر الاستخبارات الإسرائيليّة فوق منطقة جباليا، وأبلغ “الحركة” بأنّ قائدها في شماليّ غزّة، أحمد الغندور، أصبح هدفاً وشيكاً لاغتيال إسرائيليّ. وقد نجا الغندور من تلك العمليّة، لكنّه قُتل لاحقاً على يد إسرائيل خلال الحرب الحاليّة.

الحزب

على الرغم من هذا المستوى من التعاون الاستخباريّ، تشير المراسلات الداخليّة إلى أنّ قيادة “حماس” لم تكن راضية عن حجم المشاركة العسكريّة لـ”الحزب” خلال حرب عام 2021. وتُظهر الرسائل المتبادلة أنّ الحركة كانت تضغط باتّجاه تدخّل عسكريّ أكبر من لبنان.

يذكر التقرير أنّ مسؤولاً أمنيّاً إسرائيليّاً كبيراً شارك في تلك العملية أكّد لإذاعة الجيش الإسرائيليّ أنّ “الحزب” لعب بالفعل دوراً مهمّاً في كشف عمليّة الخداع

اشتكى إلى خليل حرب

تنقل الوثائق عن أحد كبار مسؤولي “حماس” أنّه اشتكى إلى الحاج خليل حرب، كبير مساعدي نصرالله، من أنّ عمليّات “الحزب” كانت محدودة جدّاً، ولم ترتقِ إلى مستوى توقّعات “الحركة”، داعياً إلى تكثيف الهجمات على إسرائيل بما يؤدّي إلى استنزاف قوّاتها وإجبارها على توزيع قوّاتها بين الجبهتين الشماليّة والجنوبيّة.

بحسب الوثائق، ردّ خليل حرب بأنّه لم يكن يعلم أنّ “حماس” ترغب في مستوى أعلى من التصعيد، واصفاً الطلب بأنّه “مشروع”، ومؤكّداً أنّه سيناقشه مباشرة مع حسن نصرالله.

إقرأ أيضاً: التشييع: انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية

تشير هذه المراسلات، وفقاً للتقرير، إلى أنّ “حماس” كانت ترى في فتح جبهة شماليّة واسعة عنصراً أساسيّاً في استراتيجيتها المستقبليّة، وأنّها واصلت، منذ ذلك الوقت، السعي إلى إقناع “الحزب” بالانتقال من الدعم الاستخباريّ والسياسيّ إلى المشاركة العسكريّة المباشرة في أيّ مواجهة شاملة مع إسرائيل.

 

في الحلقة الثانية: وثائق تكشف تفاصيل خطّة “الحركة” للحرب الإقليميّة.

مواضيع ذات صلة

التشييع: انقسامات عميقة داخل القيادة الإيرانية

عندما شارك كبار المسؤولين الإيرانيين وقادة المؤسسة العسكرية في مراسم تشييع المرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، التي امتدت أسبوعاً كاملاً، بدا المشهد وكأنه…

ديفيد بترايوس: العراق أمام اختبار الدولة الحاكمة

يرى القائد السابق لقوّات التحالف في العراق بين عامَي 2007 و2008، والجنرال المتقاعد في الجيش الأميركيّ، ديفيد بترايوس، أنّ العراق يقف اليوم على أعتاب أحد…

لبنان مفتاح نجاح الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ؟

يرى مركز صوفان أنّ نجاح مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة لن يعتمد فقط على واشنطن وطهران، بل وعلى طيف واسع من الجهات الفاعلة الإقليميّة والدوليّة. ويعتبر…

نيوزويك: هل يتحوّل “اتفاق سويسرا” إلى مظلة حماية للحزب؟

في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات إلى اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم جديد بشأن الملفات العالقة بينهما، يحذر خبيران أمنيان من أنّ…