ترامب حاضر في “خلوة” برّي – الشيباني..

مدة القراءة 6 د

أشاحت زيارة وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لبيروت الخميس الفائت قليلاً الانتباه عن الانقسام الداخليّ حيال الاتّفاق اللبنانيّ ـ الإسرائيليّ الآخذ في التصاعد والتفاقم. ليست الزيارة الأولى للرجل، بعدما سبقتها زيارة في تشرين الأوّل 2025، بيد أنّ تزامنها مع السجال الدائر حول الاتّفاق أضاف إليها مزيداً من الاهتمام وأسباب التفسير والاجتهاد.

 

لم تكن زيارة الوزير السوريّ بروتوكوليّة في أيّ حال، ولا توقيتها كان يشي بطابعها العابر. لم تكمن أيضاً وحصراً في تنظيف العلاقات اللبنانيّة ـ السوريّة من أدران الحقبة المنصرمة ونظامها الحاكم، إبّان وجود سوريا في لبنان وبعده كما قبل ذلك بكثير. وهو ما حرص الشيباني على إبرازه ليس أمام رؤساء الجمهوريّة والبرلمان والحكومة فحسب، بل وأمام مَن تأذّوا عميقاً من ذاك النظام ويصحّ وصفهم بأنّهم “ضحايا” مرحلة سوريا في لبنان كالبطريركيّة المارونيّة وحزبَي الكتائب والقوّات اللبنانيّة.

كان الرئيس السابق للحزب التقدّمي الاشتراكيّ وليد جنبلاط أوّل الضحايا عام 1977، ثمّ أضحى أوّل الحلفاء سنتذاك حتّى عام 2005، ثمّ صار أعتى المناوئين والأعداء حتّى عام 2010، ثمّ صالح النظام سنة واحدة قبل أن يعود وينفصل عنه نهائيّاً منذ السنة التالية حتّى سقوطه. هؤلاء جميعاً لهم مع ذاك النظام الكثير، وخلّف لهم ضحايا في القبور وآخرين سجنوا لكنّهم نجحوا في الاحتفاظ بحياتهم.

“قناة خاصّة” بين عون وبرّي

عند هذا الحدّ اتّسمت أهميّة اجتماعات الشيباني بهؤلاء الأركان كي يطوي معهم صفحة الماضي ويحدّثهم عن سوريا جديدة مختلفة، يسعهم التفاهم والتعاون معها، ويوجّه للمفارقة رسالة مماثلة إلى سنّة طرابلس لا سنّة بيروت.

على أنّ التوقيت ذي الأثر لزيارة الوزير السوريّ يتّصل بحصولها في خضمّ اشتباك داخليّ حادّ بين مؤيّدي الاتّفاق مع إسرائيل ومعارضيه. يكاد هذا الاشتباك يُختصر في الوقت الحاضر بساحة واحدة يقف على أرضها الرئيسان جوزف عون ونبيه برّي.

الصفحة الجديدة مع “الحزب” ليست مستعجَلة بالقدر المتوقّع. هكذا أظهر الشيباني النيّة وترك للزمن معالجتها

على الرغم من إصرار كليهما على إظهار الودّ الشخصيّ للآخر وتأكيد عدم انقطاع التواصل بينهما، فيما ثمّة معلومات عن قناة “خاصّة” بينهما ليست تلك المألوفة والمعتادة على التردّد على عين التينة، بدَوَا أخيراً من خلال التصريحات المعلنة العالية السقف على الأقلّ كأنّهما وجهاً لوجه. موقف كلّ من الرئيسين من الاتّفاق مناقض للآخر أكثر ممّا يفترض، بسبب انقطاع الجسور تماماً بين رئيس الجمهوريّة و”الحزب” وبلوغهما مرحلة أبعد من التباين والخلاف إلى ما هو أدهى من القطيعة وتبادلهما الاتّهامات المشوبة بكلّ صور العداء: بات برّي يقود معركة المواجهة الشيعيّة للاتّفاق فيما عون يقود معركة الدفاع عنه والتمسّك به والإصرار على تطبيقه.

ملاحظات لسوريا على اتّفاق لبنان مع إسرائيل

نفى رئيس البرلمان في أكثر من سؤال وُجّه إليه في الساعات المنصرمة أن يكون ناقش مع الوزير السوريّ في خلوتهما الاتّفاق مع إسرائيل، وهو الآن المعنيّ الأوّل بقيادة حملة إسقاطه، بيد أنّ بضع معلومات تحدّثت عن أنّ الشيباني سلّم إلى الدولة اللبنانيّة “ملاحظات” على الاتّفاق غير مشجّعة لتأييده، تتناول جوانب رئيسة فيه. جاء في بعض هذه المعلومات أنّ الزائر حمل رسالة مباشرة من الرئيس السوريّ أحمد الشرع تنقل تحفّظ دمشق عليه، دونما أن تبدو أنها تتدخّل في شأن يقع بين لبنان واسرائيل. بيد أنّ العلامة الرئيسة للتحفّظ السوريّ هي أنّ الاتّفاق، وإن كان ذا طابع ثنائيّ بين بلدين، هو جزء لا يتجزّأ من الأمن الإقليميّ وسلامته. على نحو ذلك تبدو سوريا مهتمّة به في جانبين متلازمين:

الشيباني

– أوّلهما خشيتها من تكريس الاحتلال الإسرائيليّ لأجزاء في جنوب لبنان على التخوم السوريّة، فيما واجهت بدورها حالاً مماثلة مع احتلال إسرائيل قسماً من الجنوب السوريّ. وعبّر الشيباني عن الخشية هذه بقوله إنّ بلاده لا تريد أن ترى الاتّفاق “هروباً من مساحة من الضغط أو مشهد معيّن يشهده الجنوب اللبنانيّ بالذهاب به إلى تفاهمات سريعة قد لا تؤدّي إلى إيقاف الحرب أو لا تؤدّي إلى استقرار مستدام”.

تعقيب برّي مقتضب وذو مغزى عندما سئل عن رأيه في ما سمع: “لكلّ زمان دولة ورجال”

– ثانيهما قلقها من أن تترتّب على الانقسام اللبنانيّ حيال الاتّفاق حال من الاضطراب الداخليّ.

صفحة سوريا مع “الحزب” ليست مُستعجَلة

لم يتردّد الشيباني، سواء في ما قاله أمام برّي أو صرّح به لاحقاً لوسائل الإعلام، في أن يجيب بنفسه عن ذينك الجانبين:

ـ بتأكيده لرئيس المجلس، في أوّل اجتماع لسوريا الجديدة بالمكوّن الشيعيّ اللبنانيّ، أنّها في صدد فتح صفحة جديدة مع هذا الفريق بدءاً به بصفته رئيساً للبرلمان ورئيساً لحركة أمل التي لم تتورّط كـ”الحزب” في الحرب السوريّة. على أنّ الصفحة الجديدة مع “الحزب” ليست مستعجَلة بالقدر المتوقّع. هكذا أظهر الشيباني النيّة وترك للزمن معالجتها. وهو ما تحدّث عنه لدى انصرافه بعد مقابلة رئيس مجلس النوّاب، إذ قال إنّ “المصلحة العامّة” هي التي تحدّد ظروف المصالحة مع “الحزب”، فاصلاً مشكلة النظام الجديد مع “الحزب” عن علاقته بطائفة هذا الفريق، وتالياً تبديد أيّ انطباع عدائيّ أو تهديد لها.

ـ لفتت انتباه برّي عبارة سمعها من الشيباني، وهي أنّ سوريا الجديدة “مستعدّة للاضطلاع بأيّ دور والتدخّل إذا كان مطلوباً منّا” من أجل المساعدة على وقف الانقسام الداخليّ حول الاتّفاق وإيجاد مخرج له. لم يجد رئيس المجلس تفسيراً لها سوى إظهار سوريا استعدادها للتدخّل لدى الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب وإيجاد حلول للمأزق الحاليّ.

تعقيب برّي مقتضب وذو مغزى عندما سئل عن رأيه في ما سمع: “لكلّ زمان دولة ورجال”.

إقرأ أيضاً: عادت سوريا التي ننتظرها منذ نصف قرن

فحوى العرض إظهار دور سوريا ومكانتها المتقدّمين لدى الأميركيّين على نحو يمكّنها من التدخّل لدى رئيسهم لمساعدة لبنان كما لو أنّها تملك هذا المفتاح السحريّ، وهو ما لا يملك لبنان أن يفعله حتّى الآن، وإن بعد توقيع الاتّفاق، إزاء استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة وتدمير البلدات وجرفها.

مواضيع ذات صلة

التّوفيق بين “المذكّرة” و”الإطار”: البداية انسحاب “الحرس”

بانتظار الانسحاب الإسرائيليّ من “المناطق التجريبيّة”، التي سيتسلّمها الجيش ويفرض سلطته فيها بلا أيّ وجود مسلّح آخر، وفق “اتّفاق الإطار” اللبنانيّ الإسرائيليّ، هناك خشية من…

الشيباني في كلّ لبنان… “تتريك” الدّبلوماسيّة السّوريّة

لم تكن زيارة وزير الخارجيّة السوريّ أسعد الشيباني لبيروت محطّة بروتوكوليّة فقط، بل حملت رسائل سياسيّة متعدّدة جاءت في توقيت بالغ الحساسيّة، بعد توقيع لبنان…

لقاءات فلسطينيّة ـ أميركيّة خلف “كواليس” أثينا..

بعيداً عن الأضواء، تشهد بعض العواصم الأوروبيّة، منذ أشهر، لقاءات فلسطينيّة – أميركيّة غير معلنة. كان آخر هذه اللقاءات في العاصمة اليونانيّة أثينا خلال نيسان…

السودان: السعوديّة من الوساطة إلى التدخل المباشر..

تشهد الحرب السودانيّة واحدة من أكثر مراحلها حساسيّة منذ اندلاعها في نيسان سنة 2023، مع انتقال المواجهات إلى مرحلة يسعى فيها كلّ طرف إلى فرض…