لبنان مفتاح نجاح الاتّفاق الأميركيّ – الإيرانيّ؟

مدة القراءة 6 د

يرى مركز صوفان أنّ نجاح مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة لن يعتمد فقط على واشنطن وطهران، بل وعلى طيف واسع من الجهات الفاعلة الإقليميّة والدوليّة. ويعتبر أنّ لبنان يشكّل التحدّي الأشدّ إلحاحاً والأكثر خطورة على تنفيذ هذا الاتّفاق، وأنّ التفسيرات المتضاربة لوقف إطلاق النار، وموقف “الحزب”، والوضع العسكريّ الإسرائيليّ، ومطالب إيران بشأن جنوب لبنان، قد تحدّد تحوّل هذا الاتّفاق إلى تسوية دائمة أو انهياره في مراحله الأولى.

 

يشير تقرير المركز، وهو مؤسّسة بحثيّة واستشاريّة أميركيّة مقرّها مدينة نيويورك، تابعة لمجموعة صوفان، الشركة الاستشاريّة العالميّة للاستخبارات والأمن التي أسّسها الضابط السابق في مكتب التحقيقات الفيدراليّ علي صوفان عام 2005، إلى الدعم الدوليّ الواسع الذي حظي به الاتّفاق، لكنّه يرى أنّ الجانب الأكثر تعقيداً في تنفيذه لا يتعلّق بالممرّات البحريّة أو العقوبات الاقتصاديّة، بل بالصراعات الإقليميّة المرتبطة بإيران، وفي مقدَّمها الجبهة اللبنانيّة، إذ إنّ الأمن البحريّ وتنفيذ العقوبات قد يكونان، في رأيه، أسهل إدارةً من النزاعات السياسيّة والعسكريّة المحيطة بلبنان.

يرى أنّ تأجيل أكثر القضايا تعقيداً، مثل القيود النهائيّة على البرنامج النوويّ الإيرانيّ وآليّة رفع العقوبات الأميركيّة، إلى جولات تفاوض لاحقة يرجّح ذلك. وعلى الرغم من أهميّة هذه الجهود، يشير التقرير إلى أنّ الأمن البحريّ وتنفيذ العقوبات قد يكونان أسهل إدارةً من النزاعات السياسيّة والعسكريّة المحيطة بلبنان.

يرى مركز صوفان أنّ نجاح مذكّرة التفاهم الأميركيّة الإيرانيّة لن يعتمد فقط على واشنطن وطهران، بل وعلى طيف واسع من الجهات الفاعلة الإقليميّة والدوليّة

نقطة خلاف جوهريّ؟

يصف التقرير صياغة أحد البنود الأساسيّة في مذكّرة التفاهم، الذي أُدرج بناءً على إصرار إيرانيّ، وينصّ على تطبيق وقف إطلاق النار الأميركيّ–الإيرانيّ على “جميع الجبهات الإقليميّة، بما في ذلك لبنان”، بأنّها غامضة، ولا تحدّد بصورة واضحة المقصود بوقف الأعمال العدائيّة بين إسرائيل و”الحزب”، الأمر الذي يخلق مساحة واسعة للخلافات في تفسير الاتّفاق، وهو ما يثير احتمال تقويضه برمّته. فالولايات المتّحدة وإيران تفسّران بند لبنان بطرق مختلفة جذريّاً. فبحسب إدارة ترامب، يتطلّب الامتثال من إسرائيل وضبط النفس في لبنان، وحصر أنشطتها العسكريّة في الغالب بأعمال انتقاميّة ضدّ “الحزب”، والامتناع عن شنّ عمليّات جويّة واسعة النطاق ضدّ معاقله في بيروت. أمّا إيران فتنظر إلى الاتّفاق بنظرة أوسع بكثير، إذ تعتبر أنّ الاتّفاق يُلزم إسرائيل بالانسحاب الكامل من المواقع التي احتلّتها في جنوب لبنان منذ دخول “الحزب” الحرب إلى جانب إيران في أوائل آذار.

بحسب التقرير، تُشكّل هذه التفسيرات المتضاربة نقطة خلاف جوهريّة داخل الاتّفاق نفسه. ويستشهد بتصريحات وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي، الذي أكّد أنّ أيّ هجوم عسكريّ إسرائيليّ على لبنان أو استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانيّة بعد الآن، يُعدّ من وجهة نظر طهران انتهاكاً مباشراً لمذكّرة التفاهم. وتعكس هذه التصريحات مدى الأهميّة التي توليها القيادة الإيرانيّة للملفّ اللبنانيّ في سياق الاتّفاق، وتكشف أنّ إيران تنظر إلى مستقبل الجنوب اللبنانيّ باعتباره جزءاً من التفاهم مع واشنطن، وليس ملفّاً منفصلاً يتعلّق بإسرائيل و”الحزب”. ونتيجة لذلك، قد يصبح أيّ نشاط عسكريّ إسرائيليّ في لبنان ذريعةً لاتّهام إيران بانتهاك الاتّفاق.

بالنسبة لخبراء مركز صوفان الاستخباريّ الأميركيّ، يتوقّف مصير الاتّفاق النهائيّ على تصرّفات الأطراف المعنيّة في لبنان، وليس على التصريحات الدبلوماسيّة. ويشير المركز إلى تصريحات الرئيس اللبنانيّ جوزف عون التي ترى في الاتّفاق فرصةً محتملةً لخفض التوتّرات وتهيئة الظروف اللازمة للتعافي الوطنيّ بعد سنوات من الصراع والأزمة الاقتصاديّة. ويلفت إلى موقف “الحزب” المختلف.

لا توجد حاليّاً أيّ مؤشّرات واضحة إلى التوصّل إلى حلّ وسط بين الأطراف المعنيّة في لبنان وتقديم تنازلات متبادلة

شرارة مواجهة جديدة؟

وفقاً للتقرير، يعتقد “الحزب” أنّ إيران سترفض التوقيع على اتفاق نوويّ نهائيّ إذا بقيت القوّات الإسرائيليّة في جنوب لبنان، وهو ما يعني أنّه يرى أنّ بين الملفّ النوويّ الإيرانيّ والوضع في لبنان علاقة مباشرة. فبالنسبة إليه، لا يمثّل الوجود العسكريّ الإسرائيليّ في جنوب لبنان قضيّة أمنيّة محليّة وحسب، بل مسألة محوريّة تؤثّر على مستقبل العمليّة الدبلوماسيّة برمّتها، وبالتالي استمرار الوجود الإسرائيليّ في الجنوب قد يتحوّل إلى عامل ضاغط على المفاوضات الأميركيّة–الإيرانيّة بأكملها.

لكنّ التقرير يرى أيضاً أنّ العائق الأكبر أمام تنفيذ بنود الاتّفاق المتعلّقة بلبنان هو إسرائيل نفسها. ويشير في هذا السياق إلى أنّ رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحكومته أكدا تكراراً أنّ الموقف العسكريّ الإسرائيليّ في لبنان لن يتغيّر بسبب مذكّرة التفاهم أو أيّ مفاوضات لاحقة بين الولايات المتّحدة وإيران، إذ سيواصل القادة الإسرائيليّون اعتبار الضغط على “الحزب” ضرورة أمنيّة حيويّة، ولم يبدوا اهتماماً بتقليص العمليّات العسكريّة حتى مع دعوة واشنطن إلى ضبط النفس.

يضع هذا الموقف إسرائيل في خلاف ليس فقط مع إيران، بل ومع إدارة ترامب، بحسب التقرير الذي يسلّط الضوء على التوتّر المتزايد بين ترامب ونتنياهو بشأن لبنان. ويعتبر التقرير أنّ هذا الخلاف يكشف أنّ لبنان لم يعد ساحة معركة بين إسرائيل و”الحزب”، بل أصبح أيضاً نقطة خلاف بين واشنطن وأقرب حلفائها الإقليميّين.

إقرأ أيضاً: نيوزويك: هل يتحوّل “اتفاق سويسرا” إلى مظلة حماية للحزب؟

بحسب التقرير، لا توجد حاليّاً أيّ مؤشّرات واضحة إلى التوصّل إلى حلّ وسط بين الأطراف المعنيّة في لبنان وتقديم تنازلات متبادلة. وبالتالي قد يواجه القادة الإيرانيّون قريباً خياراً صعباً. بإمكانهم التخلّي عن الاتّفاق إذا خلصوا إلى أنّ تصرّفات إسرائيل تنتهك بنوده، وهو ما ينذر بتجدّد الصراع، أو بإمكانهم التغاضي عن النشاط العسكريّ الإسرائيليّ حفاظاً على الاتّفاق الأوسع مع الولايات المتّحدة. إلّا أنّ الخيار الأخير قد يثير انتقادات حادّة من المتشدّدين الإيرانيّين الذين عارضوا منذ البداية أيّ تفاوض مع الولايات المتّحدة بعد الحرب التي أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيرانيّ.

إذاً يرى مركز صوفان أنّ لبنان ليس بنداً فرعيّاً في مذكّرة التفاهم الأميركيّة–الإيرانيّة، بل يمثّل أحد أهمّ اختبارات الاتّفاق الأميركيّ الإيرانيّ. فبينما لا تزال قضايا مثل تخفيف العقوبات والأمن البحريّ وإعادة الإعمار الاقتصاديّ تمثّل تحدّياً، يعتبر المركز أنّها في الغالب قضايا فنّيّة قابلة للتفاوض. أمّا لبنان فعلى النقيض يتضمّن مسائل عالقة تتّصل بالأرض، السيادة، الردع، والنزاع المسلّح، وبالتالي نجاح أو فشل العمليّة الدبلوماسيّة الأوسع بين الولايات المتّحدة وإيران قد يعتمد على إمكان إسرائيل و”الحزب” وإيران ولبنان والولايات المتّحدة منع الجبهة اللبنانية من أن تصبح الشرارة التي تشعل مواجهة إقليميّة جديدة.

مواضيع ذات صلة

نيوزويك: هل يتحوّل “اتفاق سويسرا” إلى مظلة حماية للحزب؟

في الوقت الذي تتزايد فيه المؤشرات إلى اقتراب الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى تفاهم جديد بشأن الملفات العالقة بينهما، يحذر خبيران أمنيان من أنّ…

جيمس جيفري: إيران خسرت لبنان و”الحزب”

يرى السفير الأميركيّ السابق جيمس جيفري أنّ الحكم على الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة ضدّ إيران من خلال عدم إسقاط النظام الإيرانيّ أو القضاء نهائيّاً على…

“التلغراف” داخل نفق مجدل زون؟

الصحافيّ في صحيفة “التلغراف” البريطانيّة بول نوكي رافق الجيش الإسرائيليّ في جولة داخل نفق لـ”الحزب” يمتدّ تحت بلدة مجدل زون الصغيرة في جنوب لبنان.  …

ترامب في الثمانين: حين يصبح العمر قضيّة سياسيّة

مع بلوغ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الثمانين من عمره، في 14 حزيران 2026، تحوّل عيد ميلاده إلى مناسبة أثارت نقاشاً واسعاً في شأن صحّته وقدرته…