يبرز اليورانيوم العالي التخصيب بمنزلة العقدة المركزيّة في الملفّ النوويّ بين إيران وواشنطن، وأخطر ورقة تفاوض تتمسّك بها طهران. من أجل إزاحة الأنظار عنها وعن موضوع التخصيب بشكل عامّ، نجحت إيران في التركيز على معضلة مضيق هرمز: الشريان الحيويّ للاقتصاد العالميّ الذي اتّخذه حرسها الثوريّ رهينة، وطالب بفدية إنهاء الحرب وبقسم من الأموال المجمّدة قبل إنهاء الحصار الانتقائيّ للمضيق، وقبول التفاوض على الملفّ النوويّ.
إزاء هذه “العقدة الغورديّة” المستعصية لا يمكن للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب التراجع والقبول بترتيب أدنى من اتّفاق أوباما الذي مزّقه في 2018، وبناء على ذلك تستمرّ المراوحة في المكان من دون التوصّل إلى مخرج من المأزق، ويطرح ذلك عدّة سيناريوات على المدى المتوسّط، بينها السيناريو الكوريّ الشماليّ، أي أن تصبح إيران “كوريا الشرق الأوسط” وتنهار عندها هيبة الولايات المتّحدة وكلّ التوازن الإقليميّ.
إزاء هذه “العقدة الغورديّة” المستعصية لا يمكن للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب التراجع والقبول بترتيب أدنى من اتّفاق أوباما الذي مزّقه في 2018
البعد التّاريخيّ في التّعامل مع الملفّ النّوويّ
أسفرت حرب “التسعة والثلاثين يوماً” من عام 2026 عن دخول الشرق الأوسط في حالة غريبة من “لا حرب ولا سلام”، ولا يبدو أنّ أيّ سيناريو إيجابيّ يلوح في الأفق على المدى القريب. خرجت هذه الحرب بنتائج متفاوتة: ضعفت الجمهوريّة الإسلاميّة بشكل ملحوظ اقتصاديّاً وعسكريّاً، لكنّ التهديد النوويّ بقي قائماً، مع وجود انعكاسات سلبيّة على سلاسل الإمداد والتوريد، وعلى مجمل المشهد الإقليميّ وتماسك التحالف مع واشنطن.
لا يملّ الرئيس دونالد ترامب من تأكيد “عدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نوويّ”. لا يأتي الإصرار الأميركيّ عن عبث لأنّ الجانب الإيرانيّ الذي يفاوض على برنامجه النووي منذ 2003، وعلى الرغم من توقيع اتّفاق 2015، اتّسم سلوكه بعدم الشفافيّة والمناورة وتطوير برنامج نوويّ عسكريّ موازٍ. لهذا الأمر بعده التاريخيّ، إذ إنّ الجمهوريّة الإسلاميّة قرّرت إحياء البرنامج النوويّ الذي بدأت حكايته منذ أيّام الشاه في 1957. عند نهاية الحرب مع العراق 1980 – 1988 نقل الرئيس هاشمي رفسنجاني إلى المرشد علي خامنئي طلب ضبّاط القوّات المسلّحة الإيرانيّة الإذن بتطوير “ردع نوويّ”.
بدأت طهران تسابق الزمن منذ نهاية العقد الأوّل لهذا القرن من أجل استكمال دورة الوقود النوويّ، والوصول إلى مستوى “دولة الحافة النوويّة” من دون أن يكون طموحها العلنيّ تصنيع قنبلة نوويّة. بيد أنّه على الرغم من الاستناد إلى فتوى تحريم السلاح النوويّ، دلّل تخصيب اليورانيوم بنسبة مرتفعة على إمكانيّة وجود خطّة مبيّتة للتهويل على الأقلّ بالورقة النوويّة كما يحصل حاليّاً.
الحالة الرّاهنة للبرنامج النّوويّ الإيرانيّ
ممّا لا شكّ فيه أنّ البرنامج النوويّ الإيرانيّ تأثّر وتراجع لأنّه كان الهدف الحربيّ الرئيس للعمليّات الأميركيّة والإسرائيليّة.
قبل بدء العمليّات في حزيران 2025، ووفقاً للاستخبارات الأميركيّة، كان بإمكان إيران تصنيع سلاح نوويّ في غضون فترة تمتدّ من ثلاثة إلى ستّة أشهر. أمّا بحسب “المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجيّة”(ISIS) في لندن، الذي يُعتبر مرجعاً موثوقاً، “كان ذلك ممكناً في أقلّ من ستّة أشهر”.
خلال حرب عام 2025، أفادت المصادر الأوروبيّة بتضرّر ما لا يقلّ عن اثني عشر موقعاً إيرانيّاً (معظمها يتعلّق بأنشطة تخصيب اليورانيوم) وتحييد اثني عشر عالماً (يعملون على تطوير الأسلحة النوويّة). نتيجة لذلك امتدّ الوقت اللازم تقنيّاً لتصنيع سلاح نوويّ إلى حوالي عام أو حتّى عامين.
منذ نهاية شباط 2026، استُهدف البرنامج النوويّ مجدّداً بضربات أميركيّة – إسرائيليّة ركّزت في المقام الأوّل على زيادة إضعاف القدرة العسكريّة للبلاد. أمّا النتيجة هذه المرّة فلا تزال موضع نقاش.
حسب مسؤول سابق في الوكالة الدوليّة للطاقة النوويّة، يبقى الإطار الزمنيّ اللازم تقنيّاً من دون تغيير تقريباً، وهو حوالي عام واحد لتصنيع قنبلة بدائيّة، وتشير مصادر عسكريّة غربيّة إلى الإطار الزمنيّ نفسه. إلّا أنّ “المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجيّة”(ISIS) يبدو هذه المرّة أكثر تفاؤلاً، إذ يستبعد أيّ تصنيع نوويّ عسكريّ محتمل قبل عامين على الأقلّ.
الأهمّ من ذلك أنّه من شبه المؤكّد أنّ إيران لا تزال تمتلك نحو عشرة أطنان من اليورانيوم المخصّب، بما في ذلك 440 كيلوغراماً بنسبة تخصيب 60%، في مواقعها في أصفهان وفوردو ونطنز.
أسفرت حرب “التسعة والثلاثين يوماً” من عام 2026 عن دخول الشرق الأوسط في حالة غريبة من “لا حرب ولا سلام”، ولا يبدو أنّ أيّ سيناريو إيجابيّ يلوح في الأفق على المدى القريب
من هنا، يظلّ تحييد البرنامج النوويّ الإيرانيّ بالكامل الهدف الحربيّ الرئيس للولايات المتّحدة وإسرائيل. خلافاً لما يُشاع، الأهداف الأميركيّة في ظلّ إدارة ترامب واضحة نسبيّاً، ولو بدت استراتيجيتها غامضة أحياناً. الدليل على ذلك تأكيد التوجيه الرئاسيّ NSPM-2 (4 شباط 2025) حرفيّاً أهداف NSPM-11 (8 أيّار 2018) الذي يدعو إلى “منع إيران من امتلاك أسلحة نوويّة وصواريخ بالستيّة عابرة للقارّات، تحييد شبكة إيران وحملتها العدوانيّة الإقليميّة، تعطيل أو إضعاف أو حرمان الحرس الثوريّ الإسلاميّ ووكلائه من الوصول إلى الموارد التي تغذّي أنشطتهم المزعزعة للاستقرار، ومواجهة التطوّر العدوانيّ لإيران في مجال الصواريخ وغيرها من الأسلحة غير المتكافئة والتقليديّة”.
يبدو من خلال تتبّع المفاوضات أو الاتّصالات أو المراسلات من خلال الوسيط الباكستانيّ أنّ لائحة الأهداف الترامبيّة تتقلّص ويتّجه الاهتمام نحو اتّفاق أوّليّ يمهّد لمفاوضات لمدّة ستّين يوماً. إلّا أنّ مذكّرة التفاهم (أو الاتّفاق الأوّليّ) يعترضها الكثير من العقبات، وأبرزها إصرار طهران على ترحيل الملفّ النوويّ إلى مفاوضات لاحقة من دون منح ترامب أيّ تعهّد بالتخلّص من اليورانيوم العالي التخصيب أو بتجميد التخصيب.
يتّضح أنّ سيّد البيت الأبيض يفتّش عن مخرج بأيّ ثمن، لكنّه يخشى التلاعب بالألفاظ في المذكّرة، وتعوز فريق مستشاريه الخبرة أو الإرادة حيال المصطلحات و”الغموض غير البنّاء” في الصياغة التي تمّ التجاذب حولها في الأسبوعين الأخيرين. الأرجح أنّ ترامب ليس طليق اليدين تماماً، إذ زيادة على التحفّظ الإسرائيليّ الضمنيّ برز تيّار أميركيّ يحذّر ترامب من اقتفاء خطى أوباما وتقديم تنازلات، ولذا يتّجه خياره إلى استمرار الضغط الاقتصاديّ من خلال الحصار البحريّ، إلى جانب تشديد آليّات الخنق الماليّ والاقتصاديّ للحرس الثوريّ، الذي يحتاج إلى الأموال من أجل الإمساك بالداخل ودعم الأذرع في الخارج.
العقيدة النّوويّة الإيرانيّة والسّيناريو الكوريّ الشّماليّ
أدّى القضاء على المرشد السابق الحائز للشرعيّة الدينيّة والقيادة السياسيّة إلى حصول فراغ لن يملؤه بسهولة نجله المرشد الجديد وتوجّهه القريب من مؤسّسة الحرس الثوريّ المتشدّدة. على الرغم من ذلك يطفو على السطح في إيران نقاش في مآلات العقيدة النوويّة وإمكانيّات استبدالها، بين فريق متشدّد يدعو إلى الخروج على كلّ قواعد عدم الانتشار واعتبار البرنامج النوويّ حصانة السيادة الوطنيّة تماماً كما السيطرة على مضيق هرمز، بينما يعتقد فريق له وزنه أنّ التخصيب العالي لم يشكّل ردعاً وحماية للبلاد من الهجمات والاغتيالات، ولا يتردّد البعض في وصف الطموح النوويّ العسكريّ بأنّه رهان خاسر أغرق البلاد في مزيد من العزلة والعقوبات والمعاناة.
يراهن الجانب الإيرانيّ ضمناً على تفضيل ترامب للصفقات والأمور الخاطفة الاستعراضيّة، ويلعب على هذا الوتر للوصول إلى ترتيبات مؤقّتة والحصول على مكاسب للخروج من المحنة الاقتصادية. في المقابل، لا يمكن أن تكتفي واشنطن بنتائج هزيلة لأنّ هيبتها على المحكّ، ولأنّ خصمها الاستراتيجيّ الأوّل، أي الصين، يراقب استنزاف مخزونها العسكريّ وتضرّر سمعتها. لذا لا بدّ لها من الخروج بنتيجة شبه إيجابيّة، ولو أدّى ذلك إلى استئناف الحرب.
إقرأ أيضاً: المنطقة: مرحلة الإهانة الأمنيّة!
يصل الأمر بمناهضي الرئيس ترامب إلى تحميله مسؤوليّة خسارة الرهان على تكرار سيناريو فنزويلّا في إيران، ويتوقّعون إمكان حصول السيناريو الأسوأ، إمّا وفقاً لما حدث في فيتنام مع إطالة أمد الحرب، أو حتّى حصول سيناريو مشابه لما حدث في كوريا الشماليّة (مفاجأة الخيار النوويّ الإيرانيّ). أمّا من جهة الأوساط المؤيّدة لترامب فتعتبر أنّ البرنامج النوويّ الإيرانيّ جرى تأخيره، وأنّ الجمهوريّة الإسلاميّة لم تتمكّن من تخصيب اليورانيوم لما يقرب من عام على أقلّ تقدير، وهو أمر لم يحدث منذ عقدين.
يعني كلّ هذا أنّ العقدة النوويّة المستعصية لن تُحلّ عمليّاً من دون تغيير النظام الإيرانيّ أو من دون تعديل جذريّ لنهجه.
باحث لبناني في العلوم السياسية
لمتابعة الكاتب على X:
