تحمل عودة الصاروخ الروسيّ “أوريشنيك” الباليستيّ الحامل للرؤوس النوويّة والفرط صوتيّ إلى فضاء المعركة دلالات متعدّدة. تواصل موسكو من خلاله التذكير بترسانتها النوويّة في إطار سياسة تخويف كييف واستفزاز أوروبا في آن واحد.
استهدفت روسيا الجغرافية الأوكرانيّة، ليل السبت الفائت، بهجوم مركّب طال المنطقة الغربيّة القريبة من الحدود البولنديّة والأوروبيّة. وصل عصف الضربات الروسيّة إلى ما هو أبعد من وارسو، وكأنّه بلغ العمق الأوروبيّ نفسه، ملامساً الحدود البريطانيّة والألمانيّة والفرنسيّة معاً. تزامن إطلاق الصاروخ مع تباهي موسكو بقوّتها النوويّة التكتيكيّة المتمركزة في بيلاروسيا. يختلف هذا الاستخدام، في ظروفه ودلالاته، عن المرّة السابقة التي استهدفت فيها روسيا معملاً للصواريخ الأوكرانيّة في تشرين الثاني من عام 2024، مستخدمةً الصاروخ “أوريشنيك”.
بدا أنّ المقصود من هذا التصعيد سياسيٌّ أكثر منه عسكريّاً. إذ جاء متزامناً مع مرحلة خفض التصعيد، وبعد هدنة الأيّام الثلاثة المرتبطة بالمبادرة الترامبيّة، وكأنّه رسالة مباشرة إلى واشنطن. اقترن بتكاثر مشهديّات الصراع المتعلّقة بزمن ما بعد الحرب، وبالمرحلة المرتبطة بالتسوية السياسيّة.
تتخوّف المجموعة الأطلسيّة الأوروبيّة من اتّساع الفجوة القتاليّة بين روسيا وأوروبا، في ظلّ بداية تخلّي أوكرانيا تدريجاً عن الحلم الأطلسيّ الكامل، مقابل الحصول على ضمانات عسكريّة أوروبيّة وأميركيّة. تحاول موسكو فرض معادلة ردع جديدة، تكسر من خلالها الجمود الميدانيّ الراهن، وتضغط على كييف وحلفائها الأوروبيّين، إلى جانب واشنطن، للقبول باستاتيكو حلّ يتناسب مع الرؤية الروسيّة.
تتبلور الأهداف الروسيّة عبر مجموعة من النقاط:
* توجيه رسائل ردع نوويّة وسياسيّة، عبر تحذير مباشر لأوروبا من المضيّ بعيداً في دعم كييف بالأسلحة النوعيّة القادرة على تهديد العمق الروسيّ.
تتوجّس موسكو من نموذج التوسّع الأوروبيّ، على الرغم من إدراكها أنّ انضمام أوكرانيا الكامل إلى الاتّحاد الأوروبيّ يحتاج إلى سنوات طويلة
* فرض شروط المسوّدة النهائيّة للرؤية الروسيّة، إذ تبتغي موسكو، من خلال اعتماد السلوك العنيف وتكثيف الضربات على المراكز القياديّة والبنية التحتيّة، دفع أوكرانيا وحلفائها إلى القبول بسلام يكرّس رغبات الكرملين.
* الحفاظ على التفوّق اللوجستيّ والردّ على العمليّات الأوكرانيّة، بعدما حملت هذه الهجمات بعداً انتقاميّاً مباشراً ردّاً على استهداف كييف لمراكز استراتيجيّة داخل العمق الروسيّ.
الشّكوك الرّوسيّة
تتوجّس موسكو من نموذج التوسّع الأوروبيّ، على الرغم من إدراكها أنّ انضمام أوكرانيا الكامل إلى الاتّحاد الأوروبيّ يحتاج إلى سنوات طويلة. تتحوّط أيضاً من الإطار الإقليميّ لنموذج “الشراكة الشرقيّة” ضمن سياسة الجوار الأوروبيّة، باعتبارها جزءاً من سياسة الطوق الأوروبيّة الموحّدة التي يعتمدها الاتّحاد الأوروبيّ في التعامل مع أوكرانيا.
لذلك ترتبط الهجمات الروسيّة، بشكل وثيق، بحيثيّات المعركة الدائرة، وتمثّل أيضاً ردّاً روسيّاً على خطوات الدعم الأوروبيّة، ومنها:
* المناورات البريطانيّة ـ الأوروبيّة ـ الأطلسيّة في لندن، التي شملت توسيع مجالات التدريب العسكريّ، محاكاة ضربات بعيدة المدى ضدّ روسيا، وتفعيل سيناريوات مرتبطة بالمادّة الخامسة من اتّفاق الدفاع المشترك.
* الشراكة البريطانيّة ـ الألمانيّة الرامية إلى تعزيز الصناعات العسكريّة وزيادة القدرات الدفاعيّة لإنتاج أسلحة متطوّرة تؤسّس لردع استراتيجيّ أوروبيّ مشترك يوفّر ضمانات لأوكرانيا.
* خطّة الدعم الفرنسيّة، وما تضمّنته من تخصيص صندوق لدعم البنية التحتيّة الأوكرانيّة، إلى جانب استعدادات عسكريّة برّيّة للمساهمة في تشكيل قوّة مرتبطة بضمانات أمنيّة لكييف.
* المقترح الألمانيّ الخاصّ بمنح أوكرانيا “مقعد انتساب صامت” داخل الاتّحاد الأوروبيّ، من دون حقّ التصويت، والذي طرحه المستشار الألمانيّ فريدريش ميرتس. يهدف هذا المقترح إلى تعزيز اندماج أوكرانيا التدريجيّ في المؤسّسات الأوروبيّة، عبر السماح لها بحضور الاجتماعات الأوروبيّة والمشاركة في المؤتمرات والقمم، من دون امتلاك حقّ التصويت أو التأثير في القرارات، ويتيح لكييف الاستفادة من التمثيل المؤسّساتيّ الأوروبيّ داخل المفوضيّة الأوروبيّة، والانتفاع من أجزاء من الموازنة الاتّحاديّة الأوروبيّة، إضافة إلى الاستفادة من بنود المساعدات المتبادلة.
تحمل عودة الصاروخ الروسيّ “أوريشنيك” الباليستيّ الحامل للرؤوس النوويّة والفرط صوتيّ إلى فضاء المعركة دلالات متعدّدة
رسائل الدّبّ الرّوسيّ
استخدمت روسيا صاروخ “أوريشنيك أيضاً ورقةً سياسيّة ولوجستيّة في مواجهة المبادرات الغربيّة، ولا سيّما الألمانيّة والبريطانيّة والفرنسيّة، التي تمهّد لرفع مستويات الدعم الدفاعيّ لأوكرانيا في البرّ والجوّ، توسيع المساعدات الماليّة، والسماح باستخدام أنواع جديدة من الترسانة الأوروبيّة البعيدة المدى ضدّ روسيا.
يبدو أنّ الغاية المرجّحة من وراء استخدام هذا الصاروخ تتمثّل في الآتي:
1- تحقيق مستوى من الردع يعكس شعور موسكو بالتفوّق ويحفظ صورة القوّة الروسيّة.
2- توجيه رسالة إلى حلف شماليّ الأطلسيّ تتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسيّ التقليديّ.
احتاجت موسكو إلى هذه العراضة العنيفة ذات الأبعاد النوويّة والفوائد العسكريّة المباشرة على الأرض، في إطار اقترابها من سياسة “حافة الهاوية”. ظهرت هذه المقاربة بوضوح من خلال مشهديّات التصعيد العسكريّ، واستعراض الترسانة القادرة على تهديد العمق الأوروبيّ، باعتبارها أداة لاقتطاع المكاسب وانتزاع التنازلات داخل أروقة التفاوض. تعتمد روسيا، عند شعورها بضعف قيمة تفوّقها التقليديّ أمام الغرب الأوروبيّ، على التذكير بقدرتها النوويّة كوسيلة ضغط لدفع الخصم إلى إعادة حساباته.
لذلك لا يبدو الأمر تهديداً نوويّاً مباشراً بقدر ما هو مناورة تهدف إلى توسيع هوامش اللغة السياسيّة والدبلوماسيّة وإعادة رسم توازنات المصالح.
إقرأ أيضاً: قلق فرنسي – فاتيكاني: هل تتغيّر حدود لبنان؟
يصرّ الاتّحاد الأوروبيّ في المقابل على إنهاء الحرب بطريقة عادلة ومستدامة تتوافق مع القوانين والمواثيق الدوليّة والأوروبيّة، وتحفظ لأوكرانيا وحدتها وسيادتها واستقلالها وسلامة أراضيها. ندّد قادة الدول الأوروبيّة والاتّحاد الأوروبيّ بهذا السلوك الروسيّ، ووضعوه في خانة الابتزاز النوويّ والأعمال ذات الطابع الإرهابيّ، معتبرين أنّه لن يحقّق أهدافه السياسيّة. لكن يبقى السؤال الأساس: هل تنجح روسيا فعلاً في ترهيب أوروبا وابتزازها سياسيّاً؟
لمتابعة الكاتب على X:
