حين كتبَت المستشارةُ والمسؤولة البريطانيّة التي ساهمت في رسمِ جغرافيا العراق الحديث غرترود بيل “ميس بيل” رسالةً إلى عائلتها في عشرينيّاتِ القرنِ الماضيِ، استطاعَت بعبارةٍ موجزةٍ أن تُفكّكَ لغزَ بلاد الرّافديْن بقولها: “إنّ إدارةَ العراقِ مسألةٌ معقّدةٌ للغاية. تبدو الأرض هنا هادئة، لكنّ العواصفَ تحت سطحها لا تنام”.
تحضرُ هذه العبارةُ، الموثّقة في كتابها (Letters from Baghdad)، عند مُتابعة فصول الرّواية المذهلة والمُقلقة التي تتكشّف خيوطها اليومَ في صحراء الأنبارِ والنّجف. روايةٌ تسحبُ ما تبقّى من ستائرَ فوق مسرح السّيادة المُهترئة وتكشف كيف تحوّلت أرض الرّافديْن، من دون علمِ أهلها أو ربّما بعلمِ بعضهِم، إلى منصّة إطلاقٍ ومسرح عمليّات مُتقدّم لـ”الموساد” وسلاح الجوّ الإسرائيليّ.
لم يعُد الأمر مجرّد تكهّنات أو تقارير عابرة. إذ إنّ ما كشفتهُ الصّحافة الدّوليّة وتؤكّده الوقائع الميدانيّة، يشيرُ إلى زلزالٍ أمنيٍّ من العيار الثّقيل: قاعدتان عسكريّتان سرّيتان لإسرائيل نبتتا كالفطرِ في قلبِ الصّحراء العراقيّة الغربيّة، برعايةٍ من الولايات المُتحدةِ لتقليصِ المسافات من إسرائيل إلى جارةِ العراقِ، إيران، وتثبيتِ دور بغداد كصندوقِ بريدٍ متفجّرٍ.
لم يُدرك الشّمري أنّه وطئَ الخطّ الأحمر الفاصل بين صراعِ الدّول وصمتِ القبور. بادرَ إلى الاتصال سريعاً بالقيادةِ العسكريّة ليُبلغَ عمّا رآه، فكانت المروحيّة الإسرائيليّة أسرعَ وطاردته وأطلقت النّار عليهِ
جغرافيا الاختراق
تبدأ الحكايةُ من تفصيلٍ صغيرٍ، دائماً ما تصنعهُ الصّدفة في بلادٍ يصحّ القول فيها إنّها تعيشُ على “كفّ عفريت”. كان راعٍ بسيطٍ يُدعى عوض الشّمري يسوق قطيع أغنامهِ في الفراغِ الممتدّ إلى صحراء النّجفِ، يبحثُ عن العُشبِ، فإذا بهِ يعثر على “السّرّ الأكبر”.
شاهد مروحيّاتٍ لا تُشبه تلك التي يستخدمها الجيش العراقيّ، وخياماً يتحدّث أصحابها باللغةِ العبريّة، ومهبطُ طائرات في قلبِ العتمةِ.
لم يُدرك الشّمري أنّه وطئَ الخطّ الأحمر الفاصل بين صراعِ الدّول وصمتِ القبور. بادرَ إلى الاتصال سريعاً بالقيادةِ العسكريّة ليُبلغَ عمّا رآه، فكانت المروحيّة الإسرائيليّة أسرعَ وطاردته وأطلقت النّار عليهِ ليموتِ وتموت معه الحقيقةُ لبعض الوقت. لكنّ الواقعة لم تتوقّف هنا. في اليوم التالي أرسلَ الجيش العراقيّ قوّةَ استطلاعٍ للتّحقّق من البلاغِ، تعرّضت هي الأخرى لـ”كمينٍ غامضٍ” وقصفٍ عنيف أسفرَ عن مقتل جنديّ وإصابة اثنين وتدمير آليتيْن، ما أجبر الوحدة العراقيّة على الانسحاب، وكانت الرّادارات العراقيّة قد أُطفِئَت بأمر عمليّات أميركيّ مباشر لـ”حماية الطّائرات الصّديقة”.
يكشف هذا الاختراق عن شبكة مُعقدة من المهام التي أنيطت بهاتيْن القاعدتين السّريتيْن، حيث تمحور دورهما كالآتي:
- تأمين الدعم اللوجستي للهجمات على الدّاخل الإيراني
إذ استُخدمت القاعدتانِ بشكل حيوي وأساسي لدعم الهجوم الجوي والعمليات العسكريّة الواسعة التي شُنّت ضدّ إيران بدءاً من أواخر شباط الماضي، فضلاً عن جولات المواجهة التي امتدّت لاثني عشر يوماً في حزيران 2025.
- إنشاء محطات طبيّة وإعادة التزوّد بالوقود
شكلت القاعدتان نقطتيْ ارتكازٍ لتقليص المسافة الجغرافيّة أمام المُقاتلات الإسرائيليّة وتوفير مخازن وقود طارئةٍ، إلى جانب إقامة وحدات طبيّة مُتقدمة لعناصر الجيش الإسرائيليّ وقوات الفرق الخاصّة (الكومندوز) في حال تعرّضهم للإصابة.
- إيواءِ “قوّات النّخبة” وسِلاح الجّو
ضمّت المنشآت الإسرائيليّة فرقَ بحثٍ وإنقاذٍ تابعةٍ لسلاح الجوّ الإسرائيليّ. بالإضافةِ إلى قوّات خاصّةٍ مُدرّبة على تنفيذِ عملّيّات قتاليّة دقيقة داخل أراضي العدوّ المُفترضِ.
بغداد مذهولة؟
تتجاوزُ الحادثةُ بخطرها حدود الجغرافيا الصحراوية النّائية لتُصيب الأمن العراقيّ المباشرَ. إذ يكشف مصدر أمني عراقي رفيع المستوى لـ”أساس” تفاصيل إضافيّة، أساسها أنّ القاعدتيْن لم تكونا مُجرّد محطّتيْن للاستراحةِ أو التزوّد بالوقودِ في الطّريق نحوَ طهران وأصفهان ونطنز، بل استُعملتا بشكلٍ مباشر لتنفيذ ضرباتِ دقيقةِ ومُحدّدة داخل الأراضي العراقيّة.
هذه الضّربات استهدفت تحديداً منطقة “جُرفِ الصّخر” شمال كربلاء، حيثُ تتواجدُ مقرّات وفصائل “الحشد الشّعبيّ”، وقواعدَ حيويّة لـ”كتائب حزب الله العراقيّ”. كانت بعضُ العمليّات والمُسيّرات تنطلق أو تُوجّه من هاتيْن القاعدتيْن في الصّحراء لضربِ الفصائل العراقيّة. ما يعني أنّ إسرائيل كانت تُقاتل أعداءها في العراق من داخل العراق نفسه.
كما أشار المصدر إلى أنّ التحقيقات الأمنيّة الأخيرة أوقعت بغداد في ذهولٍ كاملٍ، على الرّغم من التعاطي معها إعلاميّاً كـ”إشاعة”، بعد اكتشافِ حجم الاختراق الأمنيّ الإسرائيليّ الذي يُمكن تلخيصه كالآتي:
- اكتشف العراق أنّ الخرق الإسرائيليّ واسع وعميق ولم يعد محصوراً بوجود مادّيّ للقاعدتيْن في الصحراء الغربيّة للبلاد.
- تبيّن أنّ الأجواء العراقيّة مستباحة بشكلٍ كامل عبر طائراتِ الإنذار المُبكر الإسرائيليّة (منظومات الإيواكس وطائرات التّجسّس) التي تُحلّق بحريّة مستغلة إطفاء الرّادارات المُحليّة والسّيطرة الأميركيّة عليها.
- تملك هذه الطائرات المذكورة والقاعدتان الإسرائيليّتيان قدرةً فائقةً على التنصّت الشّامل وتعقّب واعتراضِ الاتصالات العاديّة والأجهزةِ اللاسلكيّة والاتصالات عبر الانترنت (VOIP). هذا جعلَ كافّة التحرّكات العسكريّة والأمنيّة للفصائلِ والجيشِ العراقيّ مكشوفةً بالكامل وتحت المجهر الإسرائيليّ على مدارِ السّاعة.
شكلت القاعدتان نقطتيْ ارتكازٍ لتقليص المسافة الجغرافيّة أمام المُقاتلات الإسرائيليّة وتوفير مخازن وقود طارئةٍ، إلى جانب إقامة وحدات طبيّة مُتقدمة لعناصر الجيش الإسرائيليّ وقوات الفرق الخاصّة
المظلة الأميركية
حينَ اهتزّت عاصمةُ العبّاسيين على وقعِ جلسةٍ برلمانيّة سرّيّة عُقِدَت بعد اكتشاف القواعدَ، بادر رئيس أركان القوّات المُسلّحة العراقيّة اللواء عبد الأمير يار الله للاتصال بنظرائِهِ في الجيشِ الأميركيّ وقيادةِ المنطقةِ الوسطى (CENTCOM) مُستفسراً. جاءَ الرّدّ الأميركيّ جافّاً ومُقتضباً: “هذه القوّات ليسَت تابعة لنا”. عندها فقط، أدركت القيادتان السّياسية والعسكريّة في العراق الحقيقةَ المُرّة: إنّها إسرائيل.
هُنا يكمنُ لبُّ المأساة العراقيّة. واشنطن التي ترتبطُ مع بغداد باتفاقيّات أمنيّة واستراتيجيّة تُلزمها بحماية السّيادةِ وإبلاغِ حكومتها بكلّ شاردةٍ وواردةِ، هي نفسها من أدارَ الظّهر. وهي من أجبرت سُلطات بغداد ودفاعها الجوّيّ على تعطيلِ أنظمةِ الرّادار والمُراقبةِ الجويّة لحماية مسارات الطيران. وهي من أخفت عن العراقيين وجودَ “دولةٍ معاديةٍ” تعملُ وتقتلُ وتبني مهابطَ للطائرات في عقرِ دار العراقيين.
إقرأ أيضاً: عزّ الدين الحدّاد: آخر “جنرالات الأنفاق”
باتت حكومةُ بغداد في عجزٍ فاضحٍ. فهي تجدُ نفسها مُعلقةً في “أرجوحةِ الصّراع” بين واشنطن وطهران، وعاجزة حتّى عن حمايةِ رعاةِ أغنامها في الصحاري.
يدخل العراقُ اليوم مرحلةً جديدة من انكشافِ الظّهر. الصّحراء التي ظنّها الحُكّام في بغداد درعاً وفراغاً يحميهم استوطنّها الخصمِ. والأجواء التي يُفترض أن تُرسّم حدود السّيادة، باتت سقفاً مثقوباً يتلصص منه الإسرائيليّ على الرّسائل واللاسلكي والأنفاس.
سيبقى لغزُ هذه القواعد شاهداً على زمنٍ صار فيه العراق ساحةً مستباحةً بلا بوّابٍ. وصارت فيه “السيادة” مُجرّد مصطلحٍ يتردّد في المؤتمرات الصّحافيّة، بينما تصنع الطائرات المعادية في ليلِ الصّحراء حقائقها الخاصّة.
لمتابعة الكاتب على X:
