لا يشير تبادل الاقتراحات بين واشنطن وطهران عبر الوسيط الباكستانيّ إلى اقتراب الحلّ. على العكس، يشير إلى أنّ الطرفين في أزمة. بالتالي الصراع مستمرّ، و”الستاتيكو” الحاليّ مستمرّ أيضاً، ومعه أزمة الطاقة العالميّة، وتداعياتها على الاقتصادات العالميّة. في هذا الواقع الجيوسياسيّ المأزوم يطير دونالد ترامب إلى الصين للقاء نظيره شي جين بينغ.
خلال ثمانينيّات القرن الماضي، وكنت قد بدأت الاهتمام بالسياسة، سمعت من أحد السياسيّين اللبنانيّين أنّ الولايات المتّحدة تُخطئ أحياناً في خياراتها السياسيّة على الرغم من قوّة أجهزة الاستخبارات لديها وكثرة مراكز الدراسات فيها. لكنّ قوّة عظمى يمكّنها حجمها من تغطية الخطأ والتعويض لاحقاً.
أخطاء أميركا في لبنان
ربّما قصد حينها السياسيّ اللبنانيّ خطأ الإدارة الأميركيّة في عرضها “مخايل الضاهر أو الفوضى”. لكنّ الأخطاء الأميركيّة كانت قد بدأت في الواقع قبل الاستحقاق الرئاسيّ اللبنانيّ (1988) واستمرّت بعد، وهي مستمرّة اليوم في إيران:
– في عام 1982 أعطت واشنطن الضوء الأخضر لمناحيم بيغن وأرييل شارون لاجتياح لبنان لطرد منظّمة التحرير الفلسطينيّة وزعيمها ياسر عرفات من بيروت، وتوقيع اتّفاق سلام مع لبنان يؤمّن لها جبهتها الشماليّة. نجح الاجتياح في تحقيق الهدف الأوّل، لكنّه فشل في الثاني.
– بعد الاجتياح نزلت قوّات المارينز الأميركيّة على شواطئ بيروت ودخلت المدينة تحت عنوان “القوّات المتعدّدة الجنسيّات”. لكنّها تعرّضت لنكسة كبيرة بتفجير السفارة الأميركيّة من قبل الميليشيا الإيرانيّة التي ستُعرف فيما بعد بـ”الحزب”. أودى التفجير بحياة 251 جنديّاً أميركيّاً. تبعها خطف دبلوماسيّين غربيّين، وبينهم أميركيّون. استعملتهم طهران لابتزاز واشنطن في ما عُرف لاحقاً بـ”إيران غيت”.
الاتّفاق النوويّ الذي أبرمه باراك أوباما اعتبره دونالد ترامب نفسه خطأ استراتيجيّاً، وخرج منه، فكان خطأ أكبر
العراق وأفغانستان
– في 2003 أسقطت إدارة جورج بوش الابن نظام صدّام حسين، فقدّمت بذلك خدمة استراتيجيّة لنظام الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، الذي يعتبر أميركا “الشيطان الأكبر”. لن يتأخّر علي خامنئيّ في استغلالها لبسط نفوذ إيران في جارها الغربيّ. تحوّل العراق ساحة صراع أميركيّ – إيرانيّ في حين أرادته إدارة الجمهوريّين الجُدد منطقة نفوذ لها.
– في 2014 استفادت إيران من ظهور تنظيم داعش لتأسيس فصائل مسلّحة بحجّة محاربة التنظيم، وتحوّلت هذه الفصائل فيما بعد إلى قوّات شرعيّة بموجب “قانون هيئة الحشد الشعبيّ” (2016)، وشريكة في الحياة السياسيّة العراقيّة في البرلمان والحكومة، وها هي واشنطن اليوم تحاول إبعادها عن المشاركة في حكومة علي الزيديّ، فتهدّد طهران بحجب ثقة “الإطار التنسيقيّ” عنها، وهو ما يعني حجب الثقة عنها في البرلمان.
– في أفغانستان، يتذكّر الكلّ الانسحاب الأميركيّ المذلّ من كابول، من دون إبلاغ الحلفاء الأوروبيّين، وترك المتعاونين مع القوّات الأميركيّة لمصيرهم مع تنظيم طالبان الذي تسلّم الحكم مجدّداً بعد عقدين من الحرب ضدّه.
النّوويّ وغزّة وأوكرانيا…
– الاتّفاق النوويّ الذي أبرمه باراك أوباما اعتبره دونالد ترامب نفسه خطأ استراتيجيّاً، وخرج منه، فكان خطأ أكبر. تحرّرت إيران من التزاماتها لعدم تخصيب اليورانيوم بنسبة أكبر من 3.67%. بعد سنوات قليلة وصلت إلى نسبة 60%، مقتربة بذلك من نسبة الـ90% المطلوبة لصنع القنبلة الذرّيّة، وهو ما دفع الولايات المتّحدة وإسرائيل للمغامرة في “حرب الـ12 يوماً” في حزيران العام الفائت. لكنّ ردّ إيران الصاروخيّ فاجأها، فأوقفت مغامرتها، مكتفية بتدمير المشروع الإيرانيّ، على حدّ قولها!
بعد شهرين على اندلاعها وبعد أسابيع على إيقافها، أصبح واضحاً أنّ واشنطن لم تحقّق أهدافها من الحرب الحاليّة على إيران
– في غزّة، أوهم ترامب العالم بأنّه أحلّ السلام في القطاع المدمَّر، وأطلق “مجلس السلام العالميّ” في احتفاليّة كبيرة في شرم الشيخ، وإذ يظهر كلام إسرائيليّ عن حرب في غزّة بسبب إعادة “حماس” تنظيم صفوفها واستعادتها جزءاً من قوّتها العسكريّة!
– فشل ترامب في إحلال السلام الذي عمل من أجله في أوكرانيا، وتراجع في حروبه التجاريّة مع الخصوم والحلفاء، ولم يحقّق رغبته بضمّ جزيرة غرينلاند.
الإمبراطور ترامب
– بعد شهرين على اندلاعها وبعد أسابيع على إيقافها، أصبح واضحاً أنّ واشنطن لم تحقّق أهدافها من الحرب الحاليّة على إيران: لم يسقط النظام على الرغم من اغتيال علي خامنئي وكبار القادة منذ اللحظة الأولى للحرب. لم ينطبق النموذج الفنزويلّيّ عليها. لم يرضخ النظام تحت وقع الضربات، وأغلق الحرس الثوريّ الإيرانيّ مضيق هرمز، الأمر الذي كانت تستبعده مراكز الدراسات وربّما أجهزة الاستخبارات، وتحوّل المضيق “سلاحاً نوويّاً” إيرانيّاً يطال العالم بأسره.
بالتالي كانت الحرب في جزء منها مغامرة ترامبيّة وليست قراراً مستنداً إلى حسابات عسكريّة واستخباريّة. وهو ما يذكّرني بكلام قاله أحد المتخصّصين في الشؤون الأميركيّة قبل أسابيع من اندلاع الحرب من أنّ “الرئيس الأميركيّ مثل إمبراطور في السياسة الخارجيّة”. يكفي رؤية مشهد حاملات الطائرات والبوارج والمدمّرات الأميركيّة في عرض البحار للتأكّد من ذلك. تحرّكت منذ أشهر بأمر من ترامب شخصيّاً وليس بقرار من الحكومة الأميركيّة ولا بإعلان الكونغرس حالة الحرب ضدّ إيران.
تحرّرت إيران من التزاماتها لعدم تخصيب اليورانيوم بنسبة أكبر من 3.67%. بعد سنوات قليلة وصلت إلى نسبة 60%
الطرفان في أزمة
تُظهر مجريات الأحداث والمفاوضات أنّ طرفَي الصراع في أزمة:
– إيران مأزومة اقتصاديّاً بسبب اشتداد العقوبات، وزاد الحصار هذه الأزمة. هي مأزومة أيضاً على مستوى النظام الذي تعرّض لضربات كبيرة وعميقة أحدثت فيه انقسامات وعدّة استقطابات، وخاصّة في ظلّ حال عدم اليقين من الحالة الصحّيّة للمرشد الأعلى الجديد. لكنّها لا تزال تملك ورقة مضيق هرمز، وتهدّد بها العالم. بالتالي ليست إيران ضعيفة لدرجة الاستسلام، وفي الوقت ذاته عاجزة عن فرض شروطها.
– الإدارة الأميركيّة أيضاً مأزومة. بعد مضيّ شهرين على الحرب يجد ترامب نفسه في أزمة لا يعرف كيف الخروج منها. فرض الحصار على حصار مضيق هرمز، فتحوّل الصراع إلى عمليّة عض أصابع. أطلق “مشروع الحرّيّة” لكن سرعان ما أوقفه. بيد أنّ أسعار النفط تستمرّ في الارتفاع، وشعبيّته في الانخفاض، وهو ما يشكّل تهديداً حقيقيّاً لحزبه مع اقتراب موعد الانتخابات النصفيّة.
إقرأ أيضاً: إسرائيل: حرب بلا نصر وانتخابات بلا يقين
يطير دونالد ترامب على متن “إيرفورس وان” إلى بكّين للقاء نظيره الصينيّ من دون تحقيق انتصار فعليّ في إيران. مكلفٌ جدّاً خطأ الحسابات مع بلد بحجم إيران يملك ثالث احتياط نفطيّ وثاني احتياط غازيّ في العالم ويسيطر على واحد من أهمّ الممرّات البحريّة في العالم. هل يُضعف هذا الخطأ موقف ترامب في محادثاته الاستراتيجيّة في بكين التي ينتظرها العالم لأنّها ربّما تحدّد مستقبل النظام العالميّ الجديد؟
لمتابعة الكاتب على X:
