لم تكُن السّاعات الـ48 الأخيرة دقائق طُوِيَت في صفحات مُفكّرة منطقة الشّرق الأوسط المثقوبةِ بالرّصاص والصّواريخ والطّائرات المُسيّرة الانتحاريّة وحسب، بل كَانت جردةَ حِسَابٍ قاسية بيْن “جمهوريّة القلق الإسلاميّة” في طَهْران، و”إمبراطوريّة الحِسابات المفتوحةِ” في عاصمة القرار واشنطن.
يجلس المُرشد الإيرانيّ مُجتبى خامنئيّ، إن كان حيّاً وقادراً، في طهران يُراقب خريطة مضيق هرمز، بينما يُمسك الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب بهاتفهِ وكأنّه يُمسكُ بصاعق تفجيرٍ، وبين الرّجليْن المُصمِّمَيْن عالمٌ يرتجفُ، واقتصادٌ يخشى الغرقَ في مياهِ الخليج وبحر عُمان الدّافئة التي قد تنقلبُ في لحظة إلى “غلّاية كبرى”.
لم يعد الكلام في العاصمة الإيرانيّة عن سياسة “الصّبر الاستراتيجيّ” بضاعة رائجة. ثمّة قناعةٌ هنُاك أنّ الحصار الأميركيّ لم يعد يكتفي بخنق الاقتصاد، بل وصلَ إلى الحناجر. دفعَ الخناق إيران التي يشتدّ حول رقبتها إلى محاولة فرضِ قواعد اشتباكٍ جديدة في مياهِ الخليجِ على أساس “إن جُعنا فلن يشبَعَ أحد”. هذا ما يُفسّر الاعتداءات الإيرانيّة التي طالَت دولة الإمارات بالتّزامنِ مع بدءِ الجيشِ الأميركيّ فتح مضيق “هرمز” مع تشديد الحِصارِ على إيران.
أمعَنَت طهران بإرسالِ صواريِخها المُجنّحة وطائراتِها المُسيّرة، لا لتَسْتَهدِفَ مرفأ حَيْفا أو مطَارَ بِن غوريون في تَل أبيب، بل لِتضربَ موانئَ الإمارَاتِ وناقِلات نفطٍ في مِياهِها ومبنىً سكنيّاً في سلطنةِ عُمان. هِيَ حدودُ الاشتِباكِ الذي يَسعَى نظامِ طهران إلى رسمِ إطارِهِ الجديدِ بالنّارِ.
يجلس المُرشد الإيرانيّ مُجتبى خامنئيّ، إن كان حيّاً وقادراً، في طهران يُراقب خريطة مضيق هرمز، بينما يُمسك الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب بهاتفهِ وكأنّه يُمسكُ بصاعق تفجيرٍ
أمّا في واشنطن فعاد الرّئيس الأميركيّ ترامب إلى مُمارسة هوايته المُفضّلة: دفع الخصم إلى حافة الهاوية ليرى من سيرمش أوّلاً، فكانَ يدفعُ بأساطيلِ الولايات المُتّحدةِ إلى مياهِ الخليجِ لمواكبةِ السّفن التّجاريّة في تحدٍّ واضحٍ لما تُسمّيه إيران “سيادتها” على المضيق ومياهه، تحتَ مُسمّى “مشروع الحرّيّةِ”.
تقول التقارير الاستخباريّة الأميركيّة التي تسرّبت أمس الأوّل إنّ “الوحش النّوويّ” الإيرانيّ لم يَمُت، بلْ غاصَ في أعماقِ الجبالِ، وإنّ الضّرباتِ السّابقة كَانت “خربشاتٍ” على جدارِ القَلعةِ، وهذَا مَا يَجعل الصّاعقَ أكثرَ حَساسيَّة.
كلمات البارود
أمام الميكروفونات وصفحات التّواصل الاجتماعيّ، سُجِّلَت مواقف تُشبه ما يُمكن تسميته بـ”برقيّات اللحظة الأخيرة”:
- صرّح الرّئيس الأميركيّ من داخل البيت الأبيض في اتّصالٍ مع شبكةِ “فوكس نيوز” أنّهُ في حالِ استهدافِ السّفنِ الأميركيّة “فسيتمُّ محوهُم من على وجه ِالأرضِ”. وأضاف في حديثهِ عن “مشروع الحرّيّة” أنّ هذا المشروع يُنفَّذ لمساعدة مئات السفن العالقة في المياه الخليجيّة وأكثر من 20 ألف بحّار، وأنّ هدفه هو “المساعدة الإنسانيّة”.
في جزءٍ آخر من تصريحاتِهِ، قال إنّ طهران أصبحت “أكثرَ مرونةٍ” مقارنةً بالماضي، وتُظهرُ تراجعاً أمام الضّغوطِ الأميركيّة، بما في ذلك حصارُ الموانئ، الذي وصفهُ بأنّه “أكبر مناورة عسكريّة في التاريخ”، ووضعَ إيران أمام خيارَيْن: إمّا التوصّل إلى اتّفاقٍ أو استئناف العمليّات العسكريّة.
– أمّا الحرسُ الثوريّ فبادرَ إلى التحذير من أنّ أيّ “سفنٍ تنتهكُ “بروتوكولات العبور” الصادرةِ عن طهران في مضيق هرمز “سيتمّ إيقافها بالقوّة”. قال المتحدّثُ باسمِ “الحرسِ” سردار محبي في بيانٍ نقلتهُ وكالةُ “أنباء فارس”: “إنّ أيّ نشاطٍ بحريّ لا يتوافق مع المبادئِ التي أعلنها الحرس الثّوريّ سيواجهُ مخاطرَ جسيمة، وستُوقفُ السّفن المخالفة بالقوّة”.
تزامنَت رسالةُ “الحرسِ” هذه مع صواريخِ إيران ومُسيّراتها التي حاولت استهدافَ دولةِ الإمارات ومصالِحَ نفطيّة ومنشآتٍ بِتروكيمياويّة. كانَت هذه الرّسائلُ واضحةً في نيرانِها وأهدافها التي لم تكُن قواعِدَ عسكريّة أميركيّة، بل منشآت طاقةٍ وبترول إماراتيّة: “إذا جُعنا، فلن يشبعَ جيرانُنا، وإذا مُنع نفطُنا من العبورِ، فسيتوقّفُ نبضُ العالمِ”.
تقول التقارير الاستخباريّة الأميركيّة التي تسرّبت أمس الأوّل إنّ “الوحش النّوويّ” الإيرانيّ لم يَمُت، بلْ غاصَ في أعماقِ الجبالِ، وإنّ الضّرباتِ السّابقة كَانت “خربشاتٍ” على جدارِ القَلعةِ، وهذَا مَا يَجعل الصّاعقَ أكثرَ حَساسيَّة
قواعدُ اشتباكِ الحرس VS مشروع الحُرّيّة
هُنا يُمكنُ استنتاج “قواعدِ الاشتباكِ” الجديدةِ التي يُحاولُ “حرسُ الثّورةِ الإسلاميّة” وقُوّته البحريّة فَرضها في مِياهِ الخليجِ العربيّ ومَضيقِ هرمز في وجهِ “مشروعِ الحُرّيّة” الذي أعلنَهُ الرّئيس الأميركيّ:
1- فرضُ “رسومِ عبور”
تُطالبُ إيران بأنْ تدفعَ السّفُنُ التّجاريّة وناقلات الّنفطِ “رسومَ عبورٍ” مقابل تأمين الممرّ الملاحيّ. كانَ هذا المطلبُ أيضاً جزءاً من “مُقترحاتِ الحلِّ” التي أرسلتها طهران إلى واشنطِن عبرَ إسلام آباد في بدايةِ التّفاوضِ.
باتَت هذهِ القاعدةُ الجديدةُ مُقترحاً برلمانيّاً للتّشريعِ في إيران يُشدّدُ على أن تُدفعَ هذهِ الرّسوم بالعُملةِ الإيرانيّة المحلّيّةِ (التّومان)، وهو ما ترفضُهُ واشنطِن وتَعتَبِرُهُ “قرصَنةً قانونيّةً” وانتهاكاً لاتّفاقيّةِ الأممِ المُتّحدةِ لقانونِ البِحارِ (UNCLOS).
2- السّيطرة المَيدانيّة ورسم خرائط الملاحةِ
منذُ اللحظةِ الأولى لبدءِ الحربِ أقدمَت طهران على محاولةِ رسمِ خرائط الملاحةِ داخلَ مضيقِ “هرمز”، وحدّدَت مساراتٍ “إلزاميّة” للسّفُنِ تقعُ بيْنَ جزيرتَيْ “قُشم” و”لَارْك”.
القاعدةُ الجديدةُ هُنا هيَ أنّ أيَّ سَفينةٍ تُحاولُ العُبورَ خارجَ هذهِ المِساراتِ أو مِن دُونِ “تنسيقٍ مُسبَقٍ” مع بحريّةِ الحرسِ الثّوريّ تُعتبرُ هَدفاً مَشروعاً أو سَفينةً مُعاديَةً ستكونُ عُرضةً للاستِهدافِ أو المُصادرةِ.
3- لا “مُرورَ بريئاً للسُّفُنِ المُعادِية”
تُريدُ طهرانَ في العُمقِ إعلانَ انتهاءِ مَفهوم “المُرورِ البرِيءِ” للسّفُنِ التّابعةِ للولاياتِ المُتّحدِةِ وإسرائيل أو أيّ دولةٍ تُشاركُ في الحِصَارِ البَحْرِيّ عليْها.
القاعدةُ الجديدةُ هُنا هي منعُ عبورِ أيّ قطعٍ عسكريّةٍ أجنبيّةٍ غير إقليميّةٍ، واشتراطِ الحُصولِ على إذنٍ مُسبَقٍ، معَ التّهديدِ بأنّ أيّ تَدَخُّلٍ أميركيٍّ لفتحِ المَضيقِ، مِثلَ عمليّة “مشروعِ الحُرّيّة”، سيُعتبرُ “انتهاكاً لوقفِ إطلاقِ النّار” الذِي أُبرمَ في مُنتصفِ نيسان الماضي.
تربطُ إيران في لوائحِ مطالبِها لدى الوسطاءِ بيْنَ فتحِ “مضيقِ هرمز” ورفعِ الحصارِ البحريِّ الذي تفرضُهُ واشِنطن على الموانئِ الإيرانيّة
4 – الأمنُ الإقليميّ من دونِ الخارجِ
تُصِرّ إيران على أنّ أمْنَ الخليجِ مَسؤوليّة دُوَلِهِ فَقط، أي الدّول المُشرفة على مِياهِهِ، وتُريدُ فرضَ قاعدةٍ تَمنعُ وُجودَ القَواعِد العَسكريّةِ الأميركيّة في المِنطقة. هذه القاعدةُ أشارَ إليها المُرشدُ الإيرانيّ المُتواري عن الأنظارِ والإعلامِ مُجتبى خامنئيّ في إحدى رسائِلهِ بالقولِ إنّ “الغرباءَ لا مكانَ لهُم في المِنطقةِ إلّا في قاعِ مِياهِها”. ترتبطُ أيضاً بمطالِبِ إيران التي نقلتها باكستان إلى الوِلاياتِ المُتّحدةِ.
5 – الحِصارُ مُقابِل الحِصارِ
تربطُ إيران في لوائحِ مطالبِها لدى الوسطاءِ بيْنَ فتحِ “مضيقِ هرمز” ورفعِ الحصارِ البحريِّ الذي تفرضُهُ واشِنطن على الموانئِ الإيرانيّة.
هُنا تحاولُ طهران ترسيخَ قاعدةٍ خطِرةٍ جدّاً، تحتَ مُسمّى “الكُلّ أو لا أحَد”، مفادها أنّها ستَمنعُ تدفّقَ النّفط بحرّيّةٍ ما دامَت صادِراتُها مُتوقّفةُ قَسراً.
مِن هذا المُنطلقِ باتت المُواجهةُ مباشرة بينَ “قواعدِ الحرسِ البحريّة” و”مشروعِ الحُرّيّة”، وبيْنهما أمنُ الخليجِ العربيِّ وناقِلات النّفطِ المُشتعلة والمُصادَرة على سواحِلِ دُولِ المنطقةِ ومياهِها.
سيناريوات المرحلة: قراءةٌ في “كفّ الزّلزالِ”
تتجه المواجهةُ الأميركيّة – الإيرانيّةُ نحو مساراتٍ حادّةٍ يُمكن اختصارُها كالآتي:
1 ـ “المواجهة الخاطفة” و”صِدام الأساطيلِ”
تبدأ المُدمّراتِ الأميركيّة بمرافقة ناقلاتِ النّفطِ وسُفن التّجارةِ قَسْراً عبرَ “مضيقِ هرمز”. بالتّالي تردُّ إيران بهجماتِ “الأسرابِ” (الزوارق السّريعة) والطّائراتِ المُسيّرةِ الانتحاريّة.
قد لا يؤدّي هذا السّيناريو إلى حربٍ شاملةٍ فوراً، بلْ إلى ما يُمكن تسميتهُ بـ”اشتباكٍ جراحيٍّ” يختبرُ فيهِ كُلّ طرفٍ قدرةَ الآخرِ على التحمّلِ، مع احتمالِ تَضرّرِ إمداداتِ الطّاقةِ العالميّةِ بنسبٍ عاليةٍ.
2 – الصّفقة المُرّة
من مُنطلق “تهدِئة مقابل تهدئةٍ” بأنْ تتوقّفَ إيران عن تخصيبِ اليورانيوم ذي النِّسبِ العاليةِ وتفتحُ المضيقَ جزئيّاً، مقابلَ رفعٍ جزئيٍّ للعقوباتِ يسمحُ بتصديرِ كميّاتٍ مُحدّدةٍ من النّفطِ. لكنّ هذا السّيناريو هوَ “تأجيلٌ للانفجارِ” وليسَ حلّاً لهُ، ويهدفُ إلى تجاوزِ “عنق الزّجاجةِ” الحالِيّ.
3 – الانهيار الدّاخليّ والهروب للخارج
تُراهِنُ واشِنطِن على أنَّ تشديد الحِصارِ البحريّ وزيادة منسوبِ الضّغطِ الاقتصاديّ سَيُوَلّدان إمّا تنازلاً استراتيجيّاً من قِبلِ إيران لحمايَةِ ما بقي من نِظامِها، أو انفجاراً شَعبيّاً في المُدنِ الكُبرى.
لكن قد يَلجَأ الّنظامُ الإيرانيّ في هذهِ الحالةِ إلى تصديرِ الأزمةِ عبرَ افتعالِ صِراعٍ عسكريّ جديدٍ لتوحيدِ الجبْهَةِ الدّاخليّةِ تَحتَ رايةِ “المَظلوميّة والسّيادة” وفي العُمق حمايةِ النّظام من التّهاوي، وهو تكتيكٌ تاريخيّ استخدمتهُ الأنظمةِ العقائديّةِ كثيراً.
4 – الوساطة الرّماديّة
بقاء الوضع على ما هو عليهِ: لا عودةَ إلى الحربِ الشّاملةِ ولا المُضيّ نحوَ سِلمٍ حقيقيّ. لكنّ الواقِعَ يقول إنّ استمرارَ المُراوحةِ يعني استنزافَ جميع الأطرافِ، وهذا ما لا يُريدُهُ ترامب، ولا تتحمّلهُ إيران، وهو ما يعني إمكانيّة الانزلاقِ إلى جولةٍ قِتاليّةٍ جديدةٍ قد تكونُ أقسى من الحربِ التي بدأت نهاية شُباط الماضِي حتّى منتصف نيسان المُنصرِم.
إقرأ أيضاً: ورقتا هرمز ولبنان تشعلان الحرب؟
إنّها لحظةُ الحَقيقةِ. ليْسَت إيران دَوْلة عادِيّة. إنّها “مَشروعٌ” يَصْطَدِمُ اليومَ بِجدارِ “الإمبراطوريّة”. لا يريدُ ترامب أنْ يغادرَ البَيْتَ الأبيضَ بعد انتهاءِ ولايتِهِ الحاليّةِ وفِي سِجِلّهِ “إيران نوويّةٌ”. لا تُريدُ القيادةُ الجديدةُ في طَهران أنْ تَدخُلَ التّاريخَ وهي تسَلّم مَفاتِيحَ “الثّورةِ” للأميركيّين. في المَسافَةِ الفَاصِلةِ بيْنَ عِنَادِ طَهرانَ وغَطْرسَةِ واشنْطن، ثَمّةَ مضيقٌ ضيّقٌ اسمهُ “هرمز”، وسُفنٌ مُحمّلةٌ بالبارودِ، وشعوبٌ تَحْبِسُ أنفاسَها وهيَ تَرَى العَالمَ يترنّحُ على حافّة فَوهةِ البُركان.
لم تَعُد المسألةُ: هل تقعُ الواقعةُ؟ لقد وقعت أساساً، بل السّؤال الأكثر إلحاحاً: مَن يَمْلكُ القدرةُ على لمْلَمةِ الشّظايا بعدما وقعَت؟
ربّما يكونُ الجَوابُ حينَ يحطّ ترامب رِحالَهُ في بكّين بعدَ عشرةِ أيّامٍ، والبقيّة تفاصيل..
لمتابعة الكاتب على X:
