معضلة إيران: لا حرب ولا سلام

مدة القراءة 8 د

يعتبر الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، وهو كاتب زائر في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” وباحث غير مقيم في “مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أنّ إيران تعيش مرحلة وسطيّة معقّدة لا يمكن تصنيفها حرباً مفتوحة ولا سلاماً مستقرّاً، بل حالة ممتدّة من الضغط المنظّم والتفاوض غير الحاسم، ويرى أنّ استمرار المفاوضات تحت ضغط عسكريّ واقتصاديّ وبحريّ متواصل يجعلها مفاوضات غير متكافئة من منظور طهران.

من هنا، لا يكمن الخطر الأساسيّ في انهيار التفاوض، بل في استمراره من دون نتيجة، بما يعنيه ذلك من استنزاف تدريجيّ وتآكل بطيء في موقع إيران الاستراتيجيّ، وتعقيد متزايد في صنع القرار الداخليّ.

 

وفقاً لعزيزي، يجري النشاط الدبلوماسي في ظلّ وقف إطلاق نار لم يحلّ النزاع الأساسيّ، بل غيّر شكله، فبينما تراجعت العمليّات العسكريّة الواسعة النطاق، لا يزال هيكل الضغط قائماً. لقد حافظت الولايات المتّحدة على حصارها البحريّ، بل كثّفت تنفيذه، وتواصل إسرائيل عمليّاتها على جبهات إقليميّة، وألمح مسؤولون إيرانيّون إلى أنّ احتمال تجدّد العمل العسكريّ لا يزال قائماً.

في هذا المناخ، لا يُنظر إلى وقف إطلاق النار في طهران كنقطة انتقال نحو الاستقرار، بل كمرحلة لا يزال مسارها محلّ خلاف. من وجهة النظر الإيرانيّة، يُنذر الدخول في مفاوضات في ظلّ استمرار استخدام أدوات الضغط الرئيسة بتكريس اختلال مؤسّسي، حيث تُطالَب إيران بتنازلات تحت الإكراه من دون ضمانات مقابلة.

يرى عزيزي أنّ البُعد اللبنانيّ، والداخل الإيرانيّ، ودور الوساطة العُمانيّة تمثّل ثلاثة محاور مترابطة تُسهم في تعقيد المشهد العامّ

زاد تمديد وقف إطلاق النار من دون تحديد موعد نهائيّ من حدّة هذه المخاوف. في النقاشات الإيرانيّة، يُنظر إلى هذا الترتيب على أنّه يُنشئ حالة من التجميد، تتراكم فيها تكاليف النزاع، بينما تُؤجَّل الفوائد المحتملة للتصعيد، إلى جانب تزايد الاعتقاد بأنّ المرحلة الحاليّة قد تُفضي إلى تآكل تدريجيّ لموقف إيران وتضييق الخيارات الاستراتيجيّة أمامها.

يشير عزيزي إلى أنّ انعكاسات هذا الوضع تمتدّ إلى عمليّة صنع القرار الداخليّ، بما يُلزم القيادة بموازنة متطلّبات التفاوض والردع والاستقرار الداخليّ في ظلّ غياب رؤية واضحة للنهاية، ويعتبر أنّ جولات وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي الأخيرة تعكس جهداً لإدارة هذا الوضع على جبهات متعدّدة.

من خلال الحفاظ على قناة الوساطة عبر باكستان، والتواصل مع عُمان بشأن قضايا مضيق هرمز، والتوجّه إلى روسيا في ما يتعلّق بالملفّ النوويّ، يبدو أنّ إيران تعمل على منع حصر المسار الدبلوماسيّ في إطار واحد تحدّده أولويّات الولايات المتّحدة. ليس الهدف إبقاء المفاوضات قائمة فقط، بل تشكيل هيكلها بطريقة تُتيح مجالاً للمناورة، بحيث لا يركّز الجهد الدبلوماسيّ الحاليّ على التوصّل إلى تسوية سريعة بقدر ما يركّز على تجنّب ترسيخ حالة توازن مطوّلة يستمرّ فيها الضغط من دون حلّ.

في هذا السياق، يرى عزيزي أنّ البُعد اللبنانيّ، والداخل الإيرانيّ، ودور الوساطة العُمانيّة تمثّل ثلاثة محاور مترابطة تُسهم في تعقيد المشهد العامّ، وتؤثّر بشكل مباشر في مسار الدبلوماسيّة وحدودها.

لبنان ليس ساحة منفصلة

لبنان، بحسب الكاتب، لا يُنظر إليه في الحسابات الإيرانيّة كساحة مستقلّة، بل كجزء عضويّ من بنية الصراع الإقليميّ. تعتبر طهران أنّ أيّ محاولة لحصر المفاوضات في إطار ثنائيّ مع الولايات المتّحدة تتجاهل الطبيعة المتشابكة للنزاع.

تُطالَب إيران بتنازلات تحت الإكراه من دون ضمانات مقابلة

لذلك تصرّ على أنّ أيّ وقف لإطلاق النار أو تسوية سياسيّة يجب أن تشمل جميع الجبهات، بما فيها الساحة اللبنانيّة ودور “الحزب” فيها. في هذا السياق، يُنظر إلى الضربات الإسرائيليّة في لبنان باعتبارها أكثر من عمليّات عسكريّة محدودة، بل أداة لإعادة تشكيل التوازن الإقليميّ أثناء استمرار المسار التفاوضيّ.

يكمن القلق الإيرانيّ في أنّ استمرار الضغط على “الحزب” قد يؤدّي إلى إضعاف إحدى أهمّ أوراق النفوذ الإيرانيّة تدريجاً، حتّى من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتّحدة. بمعنى آخر، قد تتحقّق نتائج استراتيجيّة ضدّ إيران “بالتقسيط”، عبر استنزاف حلفائها الإقليميّين.

في رأي عزيزي، يخلق هذا الواقع مفارقة أساسيّة: بينما تستمرّ الدبلوماسيّة، تتغيّر الوقائع على الأرض في اتّجاه قد لا يكون لمصلحة إيران. من هنا، تخشى طهران أن تتحوّل المفاوضات إلى غطاء زمنيّ يسمح بإعادة رسم موازين القوى الإقليميّة، بدلاً من أن تكون وسيلة لتثبيتها أو تعديلها لمصلحتها. لذلك يصبح ربط المسارات النوويّ والإقليميّ والعسكريّ ضرورةً من وجهة نظرها، وليس خياراً تفاوضيّاً.

الإدارة الدّاخليّة لمرحلة “اللاحسم”

على المستوى الداخليّ، يرى عزيزي أنّ التهديد الأكبر لا يتمثّل في الحرب المباشرة، بل في استمرار الوضع الرماديّ. تفرض هذه الحالة ضغوطاً متعدّدة الأبعاد على النظام الإيرانيّ:

* الضغط الاقتصاديّ المستمرّ الناتج عن الحصار، الذي يتفاقم في ظلّ غياب أفق واضح للحلّ. عدم وجود انفراج دبلوماسيّ ملموس يعني استمرار القيود على التجارة وتدفّقات الطاقة، وهو ما ينعكس على الوضع المعيشيّ والاستقرار الاقتصاديّ.

* البُعد الأمنيّ الداخليّ، حيث تشير التقارير إلى تشديد الإجراءات في المناطق الحدوديّة، مع مخاوف من تنشيط جماعات مسلّحة، وخاصّة في المناطق الكرديّة والبلوشيّة. يرتبط ذلك بتصوّر داخل إيران أنّ الضغوط الخارجيّة قد تتحوّل إلى أدوات غير مباشرة لزعزعة الاستقرار الداخليّ، من خلال الجمع بين العقوبات الاقتصاديّة والاختراقات الأمنيّة.

تهدف جهود إيران في التعامل مع هذه البيئة إلى منع ترسيخ مرحلة مطوّلة تتراكم فيها الضغوط من دون تحقيق نتيجة سياسيّة مقابلة

* أمّا الضغط الأهمّ فهو تعقيد صنع القرار. في ظلّ غياب نهاية واضحة للصراع، تجد القيادة الإيرانيّة نفسها أمام موازنة دقيقة بين خيارات متناقضة:

  • الاستمرار في التفاوض من دون تقديم تنازلات كبيرة.
  • الحفاظ على مستوى من الردع من دون الانزلاق إلى التصعيد.
  • إدارة التحدّيات الداخليّة من دون إظهار ضعف.

يزداد هذا التعقيد، كما يضيف الكاتب، مع تعدّد المسارات الدبلوماسيّة وتداخلها، وهو ما يفرض تنسيقاً داخليّاً أكثر صعوبة في ظلّ غياب رؤية واضحة للنهاية. إذ إنّ تعدّد المسارات بين باكستان وعُمان وروسيا يعكس تعدّد مراكز المعالجة داخل النظام. بالإضافة إلى ذلك، تظهر نقاشات داخليّة في كيفيّة استخدام أدوات النفوذ. مثال ذلك الجدل في شأن السماح للحجّاج الإيرانيّين بالسفر إلى المملكة السعوديّة، نتيجة الانقسام بين من يفضّل إرسال إشارات تهدئة لتقليل المخاطر، ومن يرى ضرورة الحفاظ على مستوى معيّن من الضغط والردع. هذا بدوره يعكس التوتّر بين البراغماتيّة السياسيّة والاعتبارات الأيديولوجيّة.

أهمّيّة الوساطة العُمانيّة

يشير الكاتب إلى أهميّة الوساطة العُمانيّة، التي تتجاوز دور القناة التقليديّة لنقل الرسائل إلى طرف مرتبط مباشرة بأحد أهمّ ملفّات الصراع، أي مضيق هرمز، وهو ما يمنحها مصلحة مباشرة في استقراره وترتيباته المستقبليّة. يمكن لعُمان أن تساهم في صياغة تفاهمات على شروط الوصول والأمن في المضيق، وفي إدماج هذه التفاهمات ضمن إطار إقليميّ أوسع يشمل دول الخليج. تمثّل عُمان نقطة توازن بين الأبعاد العسكريّة والدبلوماسيّة، فهي قادرة على التواصل مع إيران، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات مع دول الخليج الأخرى، وهو ما يؤهّلها للعب دور في إدماج أيّ تفاهم يتعلّق بهرمز ضمن إطار إقليميّ متعدّد الأطراف. مع تصاعد التوتّرات بسبب المضيق، يصبح الحفاظ على قنوات التواصل أمراً ضروريّاً لمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

 يبدو أنّ إيران تعمل على منع حصر المسار الدبلوماسيّ في إطار واحد تحدّده أولويّات الولايات المتّحدة

وفقاً لعزيزي، تشير هذه العوامل إلى أنّ العمليّة الدبلوماسيّة لا تزال عرضة للتطوّرات في مختلف المجالات. المفاوضات مستمرّة، لكنّها تجري بالتوازي مع النشاط العسكريّ والضغوط الاقتصاديّة والديناميّات الإقليميّة المتغيّرة. يعكس نهج إيران سعياً إلى الانخراط في الدبلوماسيّة من دون السماح لهذه الضغوط الموازية بتحديد شروطها. في الوقت نفسه، يحدّ استمرار هذه الضغوط من الأثر المستقرّ الذي قد تُحدثه الدبلوماسيّة.

إقرأ أيضاً: “وول ستريت جورنال”: لقد تغيّر نظام إيران… لكن إلى الأسوأ

لذا يعكس الوضع الراهن توازناً هشّاً: لقد خفّف وقف إطلاق النار من حدّة المواجهة المباشرة، لكنّه لم يُفضِ إلى مسار واضح نحو الحلّ، بل خلق بيئة تتعايش فيها الدبلوماسيّة والإكراه والغموض. تهدف جهود إيران في التعامل مع هذه البيئة إلى منع ترسيخ مرحلة مطوّلة تتراكم فيها الضغوط من دون تحقيق نتيجة سياسيّة مقابلة. مع ذلك، الظروف نفسها التي تدعم المشاركة الدبلوماسيّة تجعلها عرضة للخطر أيضاً، إذ يمكن للتطوّرات في أيّ ساحة، من الحوادث البحريّة إلى التصعيد الإقليميّ، أن تعيد تشكيل مسار المحادثات بسرعة.

مواضيع ذات صلة

جولة قاسية من الحرب… لبنان ساحتها الرئيسة

يتوقّع الكاتب السياسيّ الإيرانيّ حميد رضا عزيزي، الباحث في “المعهد الألمانيّ للشؤون الدوليّة والأمنيّة” و”مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدوليّة”، أن يندلع نوع مختلف من الحرب…

نتنياهو: 30 عاماً في السّلطة… استراتيجية انقسام المجتمع..

صادف يوم 29 أيّار مرور ثلاثين عاماً على تولّي بنيامين نتنياهو رئاسة الوزراء الإسرائيليّة، وهو ما يتّخذه الكاتبان الإسرائيليّان نوعام غيدرون، أستاذ العلوم السياسيّة في…

ترامب وفنّ الاتّفاقيات الهشّة: لبنان نموذجاً

يرى الباحث في صحيفة “نيويوركر” سودارسان راغافان أنّ وقف إطلاق النار في لبنان تحوّل إلى النموذج الأكثر وضوحاً لطريقة إدارة دونالد ترامب للصراعات في الشرق…

فريدمان لـ”النّاتو”: تدخّلوا لتحرير هرمز

يعتبر الكاتب والمحلّل السياسيّ في صحيفة “نيويورك تايمز” توماس فريدمان أنّ على حلف شمالي الأطلسيّ أن يتدخّل، ويجمع قوّاته البحريّة ويتوجّه فوراً إلى الخليج العربيّ…