على الرغم من استمرار الحصار الأميركيّ على الحصار الإيرانيّ لمضيق هرمز، وعلى الرغم من الطابع التشويقيّ لدبلوماسيّة حافة الهاوية التي يحترفها الطرفان، لم ينهَر اتّفاق وقف إطلاق النار الهشّ في إيران، لكنّه في الوقت نفسه لم ينتج عمليّة سلام في إسلام آباد. لا تزال المفاوضات متعثّرة نتيجة المعادلة الصفريّة التي تحكم طبيعة الصراع، فإمّا أن تكون إيران نوويّة أو لا تكون، وإمّا أن تسيطر على هرمز أو لا تسيطر، وإمّا أن تكون الولايات المتّحدة قطباً أوحد في العالم أو تقبل بالتراجع المهين إلى لاعب أوّل في عالم رباعيّ الأقطاب تكون فيه إيران قوّة متحكّمة بخُمس طاقة العالم من خلال تحكُّمها بمضيق هرمز إلى جانب القوى التقليديّة، أي الولايات المتّحدة والصين وروسيا.
لا تبدو الخيارات سهلة ولا سلسة، وفيما يتضاءل الأمل بقدرة الدبلوماسيّة الباكستانيّة على تحويل التراب إلى ذهب، يتحوّل ادّعاء الهدنة تدريجاً الى الخيار الأفضل في ظلّ ارتفاع كلفة الخيارات البديلة. هو ادّعاء لهدنة ليست كاملة الأركان لأنّ التصعيد لا يزال قائماً وإن بصورة منضبطة، إذ تهاجم الولايات المتّحدة انتقائيّاً بعص السفن، فيما يبادلها الحرس الثوريّ التصعيد بالمثل، من دون أن تحاول إيران كسر الحصار عليها أو تحاول الولايات المتّحدة كسر الحصار على هرمز بقوّة النار. هي حرب باردة نشطة تقول إنّ كلفة استئناف الحرب المباشرة بشكلها الذي رأيناه في “حرب رمضان” كما يسمّيها الإيرانيّون، باتت أعلى من قدرة الجميع على الاحتمال. لكن في الوقت نفسه لا يبدو أنّ الشروط الموضوعيّة لإنجاز السلام بين الطرفين، وما يتطلّبه من تنازلات قد تؤدّي إلى خسارات سياسيّة كبرى، قد نضجت بعد.
فإذا كانت الحرب مكافة وكان السلام متعذراً إلى هذه الدرجة فأين ستذهب هذه الطاقة الفائضة من الصراع؟ وأين يصرف الاشتباك حين يعجز المركز عن تحمل كلفته؟ الإجابة الواقعية والتي لا تفصح عنها البيانات الرسمية تأخذنا إلى الأطراف. وأول الأطراف المرشحة لهذا الدور هي بيروت.
لا تزال المفاوضات متعثّرة نتيجة المعادلة الصفريّة التي تحكم طبيعة الصراع، فإمّا أن تكون إيران نوويّة أو لا تكون، وإمّا أن تسيطر على هرمز أو لا تسيطر
مصيدة التّصعيد… حين يصبح التّراجع مكلفاً والتّقدّم انتحاراً
صحيح أنّ الولايات المتّحدة لا تزال الأقوى عسكريّاً في العالم، لكن حين تُطلق القوّة الكبرى حرباً لا تنهي خصمها، تجد نفسها بين خيارين كلاهما مُرّ: إمّا أن تتراجع فتبدو كأنّها أخفقت في فرض إرادتها، أو تُصعّد فتدخل في مسارٍ أعلى كلفة وأشدّ غموضاً، وهذه هي مصيدة التصعيد كما يشرحها بروفسور العلوم السياسيّة والحروب الجوّيّة روبرت بايب.
يعني استئناف الحرب اليوم أنّ الولايات المتّحدة ستكون مضطرّة إمّا إلى إطلاق عمليّة برّيّة للسيطرة على عقد حيويّة كجزيرة خرج وربّما الساحل المطلّ على الخليج وغالباً ما يحمل هذا النوع من العمليّات مخاطر التوسّع والغرق في مستنقع أكبر. لقد أبرزت التجربة، التي قالت الولايات المتّحدة إنّها عمليّة استعادة الطيّار المفقود وقرأها البعض على أنّها محاولة فاشلة للبحث عن اليورانيوم المخصّب، حدود التدخّل البرّيّ وحجم الخسائر الهائلة التي قد ترافقه. أمّا الخيار الثاني فقد يكون فعلاً ضرب محطّات الطاقة الإيرانيّة كما هدّد ترامب، وسيؤدّي على الأرجح في المقابل إلى ردّ بالمثل على مصادر الطاقة ومحطّات التحلية في دول الخليج، وهو ما سيخلق أزمة طاقة عالميّة منقطعة النظير وسيؤدّي إلى دخول الحرب في أطوار أشدّ بكثير ممّا كانت عليه لحظة وقف إطلاق النار. أمّا الاحتمال الثالث، وهو الأقلّ جديّة، فهو أن تقوم إسرائيل باستخدام سلاح نوويّ تكتيكيّ ربّما يركّع إيران على طاولة المفاوضات، لكنّه حتماً سيؤدّي إلى عزلة دوليّة كبيرة لإسرائيل. من هنا، لا يصبح استئناف الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران قراراً بالغ الخطورة لأنّه مستحيل عسكريّاً، بل لأنّ كلفته مرتفعة ونتائجه غير مضمونة ومفتوحة على المجهول.
لبنان: انعدام اليقين..
قد يبدو وقف النار الحاليّ، للوهلة الأولى، مخرجاً معقولاً: لا حرب ولا انهيار شاملاً. لكنّه في الحقيقة ليس سوى تعليقٍ منظّم للكارثة، استاتيكو على حافة الهاوية. لا تستثمر الأسواق في هدنة لا تغلق أسباب الحرب، ولا تتصرّف شركات الشحن كما لو أنّ الخطر زال بينما الحصار مستمرّ، ولا تبني الدول المستوردة للطاقة سياساتها على حسن النيّات، بل على أمن الإمدادات. لهذا لم يؤدّ وقف النار إلى استعادة انتظام الاقتصاد العالميّ، بل إلى تخفيف وتيرة النزف مع إبقاء الجرح مفتوحاً.
إذاً نحن أمام معادلة مغلقة تهدّد فيها الحرب المباشرة الاقتصاد العالميّ وتستنزف الأطراف الكبرى سريعاً، وتُبقي الهدنة الناقصة العالم تحت رحمة الخطر وتمنع عودة الاستقرار الحقيقيّ. حين تُغلَق المعادلة على هذا النحو، يبدأ البحث عن ساحة يمكن تفريغ فائض الصراع فيها دون الوصول إلى انفجار الخليج مجدّداً.
يدرك الإيرانيّون خطورة الهروب إلى الأمام من خلال تحريك الذراع الحوثيّ لإغلاق مضيق باب المندب وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر وتكرار سيناريو حرب الناقلات في الثمانينيّات. هذا الخيار، الذي لا يبدو أنّ الحوثيّ نفسه متحمّس له حتّى الآن، يرفع احتمال تدخّل دول أخرى على خطّ تأمين الممرّات البحريّة ضمن تحالف استراتيجيّ واسع تطمح واشنطن إليه لكنّها فشلت في تحقيقه حتّى الآن. لذا الاحتمال الأرجح هو البحث عن ساحة جانبيّة لاستمرار الصراع بكلفة أقلّ على الجميع، وهذه الحسابات بالضبط هي التي تبقي حالة انعدام يقين تحيط بمستقبل وقف إطلاق النار في لبنان.
ليس لبنان ضمن هذه الحسابات أهمّ من الخليج، بل على العكس هو رقم هامشيّ في الاقتصاد العالميّ، ولذلك يصبح أكثر قابليّةً لاستعماله ساحة تصريف. لا تُغلق الحرب في لبنان هرمز مباشرة، ولا تحبس 20% من نفط العالم، ولا تفرض على الولايات المتّحدة كلفة بحريّة وجويّة بحجم تلك التي يفرضها الاشتباك المباشر مع إيران، لكن هذه الحرب إن نجحت في كسر “الحزب” وتكريس دخول لبنان في المحور الإسرائيليّ سيُعدّ ذلك بداية الهزيمة الكبرى للمشروع الايرانيّ. لهذا، وبالمنطق البارد للقوى الكبرى، تبدو الساحة اللبنانيّة أقلّ كلفة على المركز، لكنّها تعيد وصل ما تحاول المفاوضات في واشنطن قطعه من تلازم المسارين بين طهران و”الحزب”. في الأزمنة العاديّة، تذهب الدول إلى الساحات الطرفيّة لأنّها أقلّ أهميّة. أمّا في الأزمنة القصوى فتذهب إليها لأنّها أقلّ كلفة، وهذا ما يجعل لبنان اليوم أخطر من كونه جبهة جنوبيّة، فهو يتحوّل مرّة أخرى إلى بنك رسائل إقليميّة.
ليس لازماً هنا أن نزعم وجود اتّفاق سرّيّ بين جميع الأطراف على هذا الدور. تشير الحركة الدبلوماسيّة المحمومة التي يقودها رئيسا الجمهوريّة والحكومة مع أطراف عربيّة وأوروبيّة إلى إرادة جدّية للذهاب إلى المفاوضات تحت عناوين سياديّة تحصّل للبنان حقوقه، لكن في المقابل تطرح علامات استفهام عن تضمين السفير الأميركيّ في إسرائيل المسيحيّ الصهيونيّ المؤمن بإسرائيل الكبرى مايك هاكابي ضمن الوفد الأميركيّ الوسيط: هل تحاول واشنطن وأد المفاوضات قبل أن تبدأ؟ تطرح أيضاً علامات استفهام عمّا يمكن تحصيله من هذه المفاوضات في ظلّ قناعة إسرائيليّة بأنّ الدولة اللبنانيّة غير قادرة على نزع سلاح “الحزب” وأنّ المنطقة العازلة والعمل العسكريّ النشط يمكنهما وحدهما أن يحقّقا أمن مستوطنات الشمال. يضعف استمرار رفض إيران لمسار التسوية اللبنانيّ عبر التصريحات الإيرانيّة المباشرة وعبر قادة “الحزب” احتمالات صمود ما بقي من الهدنة الهشّة، ويبقي الباب موارباً أمام عودة الصراع بشكله الأوسع.
إقرأ أيضاً: فلينتحر “الحزب” وحده
من هنا، ومن دون الدخول في نظريّات مؤامرة، تقول الوقائع إنّ بنية الصراع الأميركيّ الإيرانيّ تقود باتّجاه البحث عن ساحة تنفيس، ولبنان هو أقوى المرشّحين للعب هذا الدور. تريد واشنطن إبقاء الضغط على إيران دون الانزلاق مجدّداً إلى حرب الخليج المفتوحة، وتريد إيران الاحتفاظ بأوراق ضغط مؤذية دون استدعاء ضربة شاملة جديدة، وتريد إسرائيل إعادة ترسيم ميزان الردع على حدودها الشماليّة. وبين هذه الحاجات الثلاث وبانتظار انبثاق حلّ تفاوضيّ سحريّ، يظهر لبنان بوصفه الساحة الوحيدة التي يستطيع الجميع إشعالها من غير أن يحرقوا العالم كلّه دفعة واحدة. كلّما صار مضيق هرمز أخطر على الأسواق، صارت القرى الجنوبيّة أكثر عرضةً لأن تتحوّل إلى صندوق بريد للصواريخ والرسائل، وكلّما بدا الاقتصاد العالميّ عاجزاً عن احتمال مواجهة أميركيّة-إيرانيّة مباشرة، بدا لبنان، في الحسابات الباردة، المكان الملائم لتحمّل فائض النار. لهذا ليس أخطر ما يتهدّد لبنان اليوم عودة الحرب فقط، بل تحوُّل الحرب فيه إلى حلٍّ مؤقّت للآخرين… مجدّداً.
* ملاك جعفر عبّاس هي كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”، وقد تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
