كان اسمه مطروحاً لسنوات مضت وريثاً لوالده على سدّة “مرشد الثورة”، لكن لم يكن ليُختار مكان أبيه الراحل بهذه السهولة، لولا الضرورة الناتجة عن اغتيال المرشد السابق في 28 شباط الفائت. كأن آية الله مجتبى الخامنئي (57 عاماً) جاء لينتقم من قَتَلة أبيه، فيتابع مسيرته، أو أنه الأكثر قدرة على كبح جماح الحرس الثوري، والذهاب بإيران نحو التفاهم البراغماتي مع الولايات المتحدة.
قد ينتهي الصراع في لحظة معينة، لكن بشرطين: الأول، صمود طهران لأطول وقت في وجه أعتى حلف في العالم (الولايات المتحدة وإسرائيل)، والثاني، إصابة دونالد ترامب بالملل من حرب أرادها أن تكون قصيرة وسريعة وحاسمة، أي نسخة معدّلة عن سيناريو فنزويلا. فهناك نجح في اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو برفقة زوجته سيليا فلوريس، بعد تخلّي النظام عنه. وهنا أراد اختصار النزاع باغتيال المرشد السيد علي الخامنئي، بعد الفشل بإقناعه بالاستسلام دون قتال، على أمل أن تظهر قيادة جديدة، تخضع لشروطه.
هي حرب حاولت “الجمهورية الإسلامية” تجنّبها منذ خلع الشاه عام 1979؛ تارة بعقد الصفقات والتفاهمات مع “الشيطان الأكبر” كما كانت تسمّي الولايات المتحدة، لا سيما بعد هجمات 11 أيلول عام 2001، في نيويورك وواشنطن، وبروز الخطر الإرهابي السني، وطوراً بتصدير النزاعات إلى الدول الأخرى، من خلال الاستثمار في الأذرع التي أنشأتها قبل ذلك وغذّتها بالموارد اللازمة، فكان الحصاد عام 2011 وما بعده، زمن “الربيع العربي” الذي تبناه الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما.
لكن بغضّ النظر عن مآلات هذا الاختيار وعواقبه السياسية في زمن الحرب، وما إذا كان النظام الإيراني بمرشده الجديد سينجح أو يُخفق في اختباره الأقسى، إلا أن ما يُهمّ من وجهة فقهية هو كيفية اختيار المرشد الثالث للجمهورية بالنظر إلى أنه ليس الأعلم من بين أقرانه ولا هو طبعاً مرجع تقليد بعد إلغاء هذا الشرط، وحاله في هذا الشأن كحال والده لدى انتخابه مرشداً عام 1989. أما الشروط التي أحاطت بعملية الانتخاب التي قام بها مجلس خبراء القيادة، فتجعل من نظام ولاية الفقيه أقرب بشكل أوضح إلى مضامين النظرية السياسية التاريخية التي دوّنها فقهاء السُّنة قبل ألف سنة، من حيث صفات المرشحين، والشروط التي ينبغي مراعاتها، وقواعد المفاضلة بينهم.
ثمّة جانب آخر لا يقلّ أهمية، وهو الطبيعة الغيبية للصراع الحالي، واندراج طرفي المواجهة الراهنة في نزاع من نوع آخر، فاليمين الأميركي الحاكم يؤمن بإسقاط نبوءات التوراة التي تبشر بها الصهيونية المسيحية-اليهودية المعاصرة، على فلسطين والمنطقة لجهة بناء هيكل سليمان في القدس، وحقّ إسرائيل في الهيمنة على كامل المنطقة من الفرات إلى النيل. وملاحم آخر الزمان التي وردت على نحوٍ متباين في التراثين السني والشيعي، وتلقى صدى كبيراً في المزاج الشيعي خاصة، سواء لدى العامة أو قادة إيران وزعماء الحركات التابعة لها في المنطقة، بشأن الإمام المهدي، وقرب ظهوره، ودور “الجمهورية” في التمهيد له.
قد ينتهي الصراع في لحظة معينة، لكن بشرطين: الأول، صمود طهران لأطول وقت في وجه أعتى حلف في العالم، والثاني، إصابة دونالد ترامب بالملل من حرب أرادها أن تكون قصيرة وسريعة وحاسمة
نظرية ولاية الفقيه
تقع نظرية ولاية الفقيه عند الإمام الخميني (توفي عام 1989) في قلب مشروعه للتجدّد الشيعي المعاصر. وبحسب آية الله حسين علي منتظري (توفي عام 2009)، الشارح الأكبر لهذه النظرية معزّزاً إياها بالأدلة والاستشهادات حتى من كُتب فقهاء الأحكام السلطانية من أهل السنة في كتابه: “دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية”، فإن ولاية الفقيه ليست فكرة حصرية للخميني، بل تناولها بالإجمال، الفقهاء الشيعة في أزمان مختلفة. ففي القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، أي مع قيام الدولة الصفوية (1501-1736)، برز موقع دور المحقّق الكركي (توفي عام 1533)، في نشر المذهب الشيعي في بلاد فارس وحواليها، وإدارة شؤون الدولة الصفوية كنائب للإمام المهدي. وهو أول فقيه إمامي وسّع نطاق ولاية الفقيه من مجرد الإشراف على شؤون من لا وليّ لهم في المجتمع، أي الغائبين والقاصرين إلى التصدّي للسياسات العامة، بل مارس صلاحياته في الدولة الشيعية الصاعدة آنذاك، بفرمان صادر عن السلطان الصفوي طهماسب الأول (توفي عام 1576). وناقش المحقّق النراقي (توفي عام 1828م) نظرية ولاية الفقيه، فقال: “كل ما كان للنبي والإمام… فللفقيه أيضاً ذلك، إلا ما أخرجه الدليل بإجماع أو نصّ أو غيرهما”.
في عام 1969 طرح الخميني نظرية ولاية الفقيه على طلابه في النجف، وطُبعت المحاضرات في عام 1970 ببيروت، وسُرّب الكتاب إلى إيران، ثم طُبع فيها عام 1977، وحمل أخيراً عنوان: الحكومة الإسلامية. وفيه يقول الخميني: إن ولاية الفقيه لا تحتاج إلى أي برهنة. ونحن نحتاج إلى خليفة كي ينفّذ القوانين. ففي جميع بلدان الدنيا، يقوم الأمر بالطريقة نفسها، فبعد تشريع القانون لا بدّ من سلطة تنفيذية، وإلا ثمّة نقص.
لكن نظام ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية عقب الاستفتاء على الدستور في 2 و3 كانون الأول 1979، ثم الاستفتاء على مراجعة الدستور في 28 تموز 1989، بدا وكأنه تطبيق شبه حرفي للنظرية السياسية السنية. فبعد أن كان الدستور قبل تعديله ينصّ على أن الوليّ الفقيه مرجع تقليد، وهي أعلى رتبة دينية، أضحى الشرط بحسب المادة 109، أن يكون ذا كفاية علمية للإفتاء في مختلف أبواب الفقه، وأن يتصف بالعدالة والتقوى اللازمتين لقيادة الأمة الإسلامية، وأن تكون لديه الرؤية السياسية الصحيحة والكفاية الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية على القيادة. وهذا ما نصّ عليه إجمالاً فقه الأحكام السلطانية لدى أهل السُّنة، فلم يُشترط بالإمام أو الخليفة أن يكون مجتهداً مستقلاً في الأحكام، بل يكفي أن يكون قادراً على الاجتهاد في النوازل والأحكام، أي فيما يطرأ من وقائع جديدة، فضلاً عن اتصافه بالعدالة، وسلامة الحواس من سمع وبصر ولسان، ليصحّ التعاطي مع الواقع، وسلامة الأعضاء من أي نقص يمنعه عن الحركة وسرعة النهوض، وأن يكون ذا رأي في سياسة الرعيّة وتدبير المصالح، وأن يتمتع بالشجاعة والنجدة لحماية المجتمع وجهاد العدو. وفيما اشترط الفقهاء السُّنة أن يكون الخليفة منتسباً إلى قريش، لم يشترط الدستور الإيراني ذلك للمرشد، لاعتباره الوليّ الفقيه نائباً عن الإمام المهدي الذي هو من آل البيت. أهل الحلّ والعقد عند الفقهاء السُّنة هم الذين يبايعون الخليفة، وهم لا ينحصرون بالفقهاء، فيما ينصّ الدستور الإيراني على أن اختيار المرشد هو دور مجلس خبراء القيادة. ويتشكّل المجلس من الفقهاء المجتهدين لا سيما في ما يحتاج إليه المرشد من مؤهّلات، أي بما يوازي مواصفات أهل الحلّ والعقد.
الوليّ الفقيه يرادف الخليفة، ورئيس الجمهورية الإسلامية يعادل منصب وزير التفويض أو وزير التنفيذ في الفقه السني؛ باعتبار أن الأول يفوّضه بكل صلاحياته ويرجع إليه وفق إرادة الإمام، وأقلّ صلاحيات منه، وزير التنفيذ؛ وذلك بالمقارنة مع صلاحيات المرشد الذي يحظى بالولاية المطلقة على سياسات الدولة، وقرار الحرب والسلام، كما جاء في تعديل 1989، وهو ما جعل سلطة الخامنئي أوسع من سلطة سلفه الخميني، فيما صلاحيات رئيس الجمهورية منحصرة في الجانب التنفيذي الإداري ويخضع لرقابة مجلس الشورى.
الوليّ الفقيه يرادف الخليفة، ورئيس الجمهورية الإسلامية يعادل منصب وزير التفويض أو وزير التنفيذ في الفقه السني؛ باعتبار أن الأول يفوّضه بكل صلاحياته ويرجع إليه وفق إرادة الإمام، وأقلّ صلاحيات منه
عصر الظهور وإسقاطاته المعاصرة
راجت روايات الملاحم في آخر الزمان فيما سُمّي بعصر ظهور الإمام المهدي، في المجال العام الشيعي منذ انتصار الثورة الإيرانية. وذلك على الرغم من تقاطع الروايات بين السُّنة والشيعة، على أمور مشتركة في هذا الشأن، إلا أن الفارق الأساسي بينهما، أن السُّنة المعاصرين لا ينتظرون تحقّق تلك الأحداث، ولا يعملون فعلاً على تحقيقها، إلا ما جرى في السنوات الأخيرة، على يد تنظيمي “القاعدة” و”تنظيم الدولة الإسلامية”. فهذان التنظيمان تحديداً، دون سائر الحركات السُّنية، هما اللذان يتبنّيان في أدبياتهما سردية الملاحم، بحكم النشأة في أفغانستان التي فيها إقليم خراسان التاريخي الممتد إلى إيران، وهو المذكور في الأحاديث النبوية المروية، السُّنية والشيعية، بوصفه منطلق الرايات السود التي لا تقف حتى تصل إلى “إيلياء” أي القدس. ويضيف علماء الشيعة، شخصيات ذات دور أساسي في عصر الظهور، إما تمهيداً للمهدي، وهو “الخراساني”، أو محاربةً له وهو “السفياني” من نسل أبي سفيان الأموي.
أما محاولة الشيعة إسقاط الحوادث الراهنة على تلك الروايات فليست جديدة، إذ سبق للشيخ المجلسي (توفي عام 1699) أن قال إن الدولة الصفوية هي الدولة الممهّدة لدولة المهدي. وفي زمن المرشد السابق السيّد علي الخامنئي، كان بعض محبيه وأتباعه يتداولون تمنياتهم، بأنه هو الخراساني الذي يمهّد للمهدي، فيما يؤكد بعض المنشقين عن الحرس الثوري، أن المرشد الجديد، مجتبى، كان يعتقد من قبل انتخابه، أنه هو الخراساني فعلاً. وإذا كان هذا دقيقاً، فإن هذا يمنح لمحة عن السياسات الإيرانية المستقبلية في المنطقة، إن نجا النظام من الهلاك.
إقرأ أيضاً: مجتبى الأسد
المفارقة الأخرى، أن الإسقاطات التي اشتُهر بها الشيخ علي الكوراني في كتابه: “عصر الظهور“، وهو قد طُبع أكثر من مرة قبل سقوط النظام الأسدي، تُفسح مجال التكهّن بأن شخصية السفياني قد تنطبق على الرئيس السوري أحمد الشرع، مما يفسّر حجم التحريض عليه شيعياً. فالسفياني في الروايات الشيعية، يقتل الشيعة ويلاحقهم، يسيطر على بلاد الشام ثم العراق باتجاه خراسان حين يصطدم بقوات الخراساني، فيتراجع. ثم يحاول السفياني القضاء على المهدي في الحجاز، فيرسل جيشاً لمحاربته فيُخسف بالجيش الأرض. إلا أن اجتهادات الكوراني يدحضها الشيخ محمد جميل حمود في كتابه: “تحقيق في علامات الظهور الشريف“، ويقول إن انطلاق السفياني هو من فلسطين وليس من درعا السورية. لكن السفياني على أي حال، يحتلّ العراق بعد سوريا، وتتدحرج بعدها الأحداث، وهو ما يفسّر حالة الاستنفار الشديد لدى شيعة العراق هذه الأيام، بينما تحاول إيران إشعال النار بين سوريا ولبنان، كما بين سوريا والعراق، فوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وعد بإشعال النار في كل المنطقة إن لم تتوقف الحرب، وسردية الملاحم تساعد في شحن المشاعر، مع أن السفياني المذكور في الروايات لا يشبه أحمد الشرع في شيء، لا قلباً ولا قالَباً.
