حصل ما كان يرعب اللبنانيّين. دخل “الحزب” الحرب… فجأة، وبلا تمهيد سياسيّ أو أمنيّ، وعلى نحوٍ بدا مباغتاً حتّى لبيئته التي استيقظت في منتصف ليلٍ رمضانيّ بارد على موجة نزوح جديدة. أعاد مشهد التهجير الليليّ إلى الأذهان أسوأ السيناريوات، خصوصاً أنّ تطمينات كانت قد سرت في الأيّام الماضية، نُسبت إلى الرئيس نبيه برّي، تفيد بأنّ “الحزب لن يتدخّل”.
جاءت الوقائع معاكسة. تحدّثت مصادر سياسيّة مطّلعة عن عنصر مفاجأة لم يقتصر على الداخل اللبنانيّ العامّ، بل طال حلفاء ومرجعيّات أساسيّة، بينهم الرئيس برّي نفسه، الذي بدا وفق تلك الأوساط خارج صورة القرار النهائيّ للحزب.
في موازاة ذلك، تكشف مصادر دبلوماسيّة لموقع “أساس” أنّ جهوداً مكثّفة قادها الأمير يزيد بن فرحان منذ أسبوع، بالتنسيق مع دول “الخماسيّة” ومع مسؤولين لبنانيّين، لتحييد لبنان عن الانخراط في الحرب. تضيف المصادر أنّ ليل دخول “الحزب” المواجهة كان طويلاً على خطّ الاتّصالات، إذ أجرى بن فرحان سلسلة اتّصالات مباشرة مع قيادات لبنانيّة لمحاولة احتواء التداعيات ومنع تعميم الاستهداف على كلّ الدولة.
تمثّلت النتيجة السياسيّة الأولى في جلسة لمجلس الوزراء وُصفت بـ”المفصليّة”. اتّخذت الحكومة قرارات غير مسبوقة، اعتبرت فيها أنّ “الحزب” خارج إطار الشرعيّة، وأنّ أيّ عمل عسكريّ يقوم به هو عمل خارج عن القانون، مع تأكيد ملاحقة المرتكبين. هذه الخطوة عدّتها أوساط دبلوماسيّة “شجاعة ومتقدّمة قياساً إلى توازنات الداخل”.
في سابقة سياسية – قانونية غير معهودة، اعتبر مجلس الوزراء أنّ الأنشطة العسكرية للحزب محظورة بقرار رسمي، ما يعني، بالمنطقين العسكري والقانوني، أنّ “الحزب” تحوّل عملياً إلى تنظيم مسلّح خارج إطار الشرعية، أي إلى “ميليشيا” بحكم القانون. هذه الخطوة تعيد “الحزب” مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، إلى ما قبل معادلة “الشرعية الموازية” التي كرّسها على مدى سنوات.
اتّخذت الحكومة قرارات غير مسبوقة، اعتبرت فيها أنّ “الحزب” خارج إطار الشرعيّة
لم يكتفِ مجلس الوزراء بالتوصيف السياسي، بل منح الجيش الضوء الأخضر لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة، في إشارة واضحة إلى الانتقال من البيانات إلى الإجراءات. وتؤكد مصادر مطلعة أنّ هذا القرار أتى بشجاعة الرئيسين عون وسلام، وبتوافق واضح من رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبدعم إقليمي، سعودي تحديداً، ما سمح بتمريره في لحظة سياسية دقيقة، واعتُبر محاولة جدية لإنقاذ ما تبقّى من الدولة.
تشير المعطيات إلى أنّ هذا الموقف الرسميّ ساهم، حتّى الآن، في تحييد مؤسّسات الدولة عن الاستهداف الإسرائيليّ المباشر. 
بالمقابل، قال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إنّ هذه الحرب “لن تنتهي قبل أن ينتهي تهديد الحزب”. وتقرأ مصادر دبلوماسية لموقع “أساس” في هذا الموقف إعلاناً واضحاً عن طبيعة المرحلة المقبلة، مشيرةً إلى أنّ إسرائيل تتجه إلى استهداف كل المنشآت والأبنية والمؤسسات التابعة للحزب، وقد بدأت فعلياً بمقرات “القرض الحسن” في مختلف المناطق.
تضيف المصادر أنّ بنك الأهداف لا يقتصر على المواقع العسكرية، بل يشمل ما تصفه تل أبيب بالبنى التحتية لـ”دولة حزب الله”، في مقاربة توسّع دائرة الاستهداف لتطال الشبكات المالية والخدماتية والمؤسساتية المرتبطة به، في إطار معركة تقول إسرائيل إنها مفتوحة حتى إنهاء “الحزب” بالكامل.
حصل ما كان يرعب اللبنانيّين. دخل “الحزب” الحرب… فجأة، وبلا تمهيد سياسيّ أو أمنيّ، وعلى نحوٍ بدا مباغتاً حتّى لبيئته
مفاوضات تحت النّار
مرّة جديدة، يصل لبنان متأخّراً. اندلاع المواجهة، أعلنت الحكومة استعدادها لاستئناف المفاوضات من دون تحديد شكلها، لكن تحت رعاية دوليّة لم تُسمَّ صراحة. بحسب مصادر مطّلعة، خيار المفاوضات المباشرة برعاية أميركيّة مطروح بقوّة، وهو الطرح الذي كان يُطالب به الخارج منذ أشهر فيما كانت الدولة تتجنّبه. تقول أوساط سياسيّة اليوم إنّ بيروت وصلت إليه “بعد خراب البصرة”.
في المقابل، تؤكّد مصادر دبلوماسيّة أنّ المملكة السعوديّة حاضرة في الرعاية الدوليّة للبنان، وأنّ أيّ مسار تفاوضيّ سيكون تحت مظلّة دعم عربيّ – دوليّ واضح. لكنّ هذه المفاوضات، إذا انطلقت، ستكون “تحت النار”، من بيروت إلى البقاع والجنوب، وربّما في أيّ نقطة تقرّر إسرائيل توسيع عمليّاتها إليها. وعليه، يجب أن يكون شكلها ومضمونها متقدّمَين وحاسمَين، لأنّ العبرة كما تقول المصادر في التطبيق لا في البيانات، وإلّا تحوّلت مقرّرات مجلس الوزراء إلى إعلان نيّات فقط.
تبدو الصورة أوسع إقليميّاً. فُتحت الجبهات من لبنان إلى العراق واليمن وإيران، وهو ما يجعل هذه الحرب، وفق توصيف دبلوماسيّ غربيّ، “فاصلة في طيّ صفحة وفتح أخرى في الشرق الأوسط”. في قلب هذا التحوّل يقف لبنان مجدّداً على حافة الخطر… وعلى عتبة فرصة تكون فرصةً لإعادة تعريف موقعه ودوره تحت مظلّة الدولة وحدها، إذا أحسن إدارة اللحظة واستثمر الغطاء الدوليّ المتاح، أو فرصةً مهدورة أخرى، إذا التفّ على الاستحقاق كما حصل بعد انتهاء الحرب الماضية وتوقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة.
إقرأ أيضاً: لبنان: إنذار دوليّ للرؤساء الثلاثة.. ردّة الفعل ستكون مدمّرة
ليس السؤال هذه المرّة: هل يدفع لبنان الثمن؟ بل هل هو قادر، أخيراً، على تغيير المسار؟
لمتابعة الكاتب على X:
