إيران: ماذا بعد قتل القيادة؟

مدة القراءة 8 د

كيف هيّأ ترامب الأجواء السّياسيّة لضرب إيران؟ وما هو المطلب الرّابع الذي رفضته طهران؟ وما هي السّيناريوات المُتوقّعة بعد قتل القيادة الإيرانيّة؟

لم يكُن استهداف المُرشد الإيرانيّ علي خامنئي مختلفاً من حيث الشّكل والتنفيذ عن عمليّات اغتيال الأمينيْن العامّيْن للحزبِ في لبنان السّيد حسن نصرالله وخلفه هاشم صفيّ الدّين واجتماع قيادة فرقة الرّضوان بقيادة إبراهيم عقيل (الحاج عبد القادر).

يدلّ شكل الاستهداف على أنّ إيران ومحورها لم يستفيدا من تجارب حربِ الإسناد في لبنان، ولا تجربة مواجهة الـ12 يوماً بين طهران وتل أبيب في حزيران الماضي. والتي شهِدَت استهداف أكثر من اجتماعٍ لقيادات الحرس الثّوريّ وأركان النّظام.

استطاعَ الثّنائي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو أن يشطُبا رأس النّظام في إيران على الرّغم من كلّ التحذيرات التي توالت في الأسابيع الأخيرة عن خطورة استهداف المُرشد علي خامنئي لسببيْن:

الأوّل كونه قائدَ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة.

أمّا السّبب الثّاني فهو أنّ خامنئي يُعتبر مرجعاً دينيّاً لملايين الشّيعة من لبنان إلى الهندِ مروراً بالعراق واليمن وسوريا وباكستان وبعض المجتمعات الأفريقيّة.

اتّضحَ أنّ الرّئيس الأميركيّ الذي اعتقلَ نظيره الفنزويلّي نيكولاس مادورو منذ أسابيع من داخل غرفة نومه لا يقيمُ وزناً لهذه الأعراف، بل للغة القوّة وحدها. وتأكّدَ أنّ إيران التي تتفاخر بتاريخها وحضارتها وامبرطوريّتها لم تتعلّم من دروس لبنان ولا من دروسها في حزيران.

متى بدأ الهجوم فعليّاً على إيران؟

بدأ الهجوم الأميركيّ – الإسرائيليّ على إيران فعليّاً في خطاب الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن حالة الاتّحاد في الولايات المتّحدة. لم يكن حديث ترامب عن إيران إعلان موقفٍ عابرٍ، بل كان كلامه واضحاً وموجّهاً للرّأي العامّ الأميركيّ لتبرير أيّ هجوم ضدّ نظام الجمهوريّة الإسلاميّة.

فنّدَ الرئيس الأميركيّ كلّ ما يعتبره أسباباً تُبرّر أيّ هجوم على إيران:

  • اتّهمَ إيران بقتل مواطنين أميركيّين وتمويل عمليّات أدّت إلى مقتلهم.
  • قتل ما يزيد على 30 ألف متظاهر.
  • العمل على تطوير صواريخ بالستيّة يصل مداها إلى الأراضي الأميركيّة.
  • العمل على تطوير سلاحٍ نوويّ.

بدأ الهجوم الأميركيّ – الإسرائيليّ على إيران فعليّاً في خطاب الرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب عن حالة الاتّحاد في الولايات المتّحدة

مطالب تعجيزيّة؟

أوجدَ ترامب لنفسه مبرّرات العمل العسكريّ ليسَ فقط لتغيير سلوك النّظام الإيرانيّ، بل حتّى للعمل على إسقاطهِ أمام الرأي العامّ الأميركيّ. استنزَف الرّئيس الأميركيّ السّبل الدّبلوماسيّة، وإن كانَ قد أعطى إيران “فرصةً” للتّوصّل إلى حلٍّ، لكنّ المطالب التي حملها الأميركيّون إلى الإيرانيّين لم يكن المرشد علي خامنئي ليقبل بها.

بحسب معلومات “أساس”، ما وصلَ إلى إيران من مطالب كانت أيضاً ضمن المبرّرات لاستخدام الآلة العسكريّة الأميركيّة ضدّ طهران، ولإطلاق يد بنيامين نتنياهو لاستكمال ما بدأه في جولة الـ12 يوماً في حزيران الماضي:

  • الوقف الكامل لعمليّات تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانيّة، مقابل رفع واشنطن لجزءٍ وازن من العقوبات عن إيران وتزويدها بالوقود النّوويّ مجّاناً.
  • تحديد مدى الصّواريخ البالستيّة الإيرانيّة بـ600 كلم كحدٍّ أقصى.
  • وقف تمويل الوكلاء والأذرع في الشّرق الأوسط وتفكيك بنيتهم العسكريّة في لبنان والعراق واليمن.
  • لكنّ الشّرط الرّابع الذي لم يخرج إلى الإعلام كان المُطالبة بتنحّي المرشد علي خامنئي واستبداله بشخصيّة أخرى.

كان الأميركيّون يعلمون جيّداً أنّ خامنئي لن يقبلَ بهذه الشّروط. وإن قبِلَ بها فسيكون كمن يوقّع ورقة استسلامٍ تُؤتي ثمار ما جاءَ به ترامب من آلة عسكريّة إلى منطقة الشّرق الأوسط من دون أن يضطرّ إلى استخدامها.

إنّ رفض إيران الشّرط الرّابع المُرتبط بتنحّي خامنئي من شأنه أن يفتحَ الباب أمام واشنطن وتل أبيب لاستهدافهِ كما حصلَ في الضّربة الأولى لعمليّة “الغضب الملحميّ”، بحسب التسمية الأميركيّة، أو “زئير الأسد” بحسب تسمية نتنياهو.

أوجدَ ترامب لنفسه مبرّرات العمل العسكريّ ليسَ فقط لتغيير سلوك النّظام الإيرانيّ، بل حتّى للعمل على إسقاطهِ أمام الرأي العامّ الأميركيّ

تغيير سياسيّ واضح

الواضح أنّ حجمَ الضّربة العسكريّة الأميركيّة – الإسرائيليّة المُشتركة ليسَ لتحريك عجلة التّفاوض، إنّما لفرض واقعٍ سياسيّ جديد في بلاد فارس يلائم ما يريده الرّئيس الأميركيّ من إيران، ويعطيه ونتنياهو ورقتَيْن رابحتَيْن على أعتاب استحقاقَيْن انتخابيَّيْن في واشنطن تحت مُسمّى الانتخابات النّصفيّة، وفي تل أبيب بعنوان الانتخابات التشريعيّة التي ستُحدّد مصير نتنياهو السّياسي بعد 3 سنوات من الحروب في منطقة الشّرق الأوسط.

لم يأتِ ترامب بكلّ هذه القوّات والأسلحة من الولايات المُتّحدة إلى الشّرق الأوسط لاستعراض القدرة العسكريّة لبلاده. فهو يريدُ من هذه القوّة الضّاربة أن تمنحهُ تغييراً سياسيّاً واضحاً على قدرِ حجمها.

اعتمدَ ترامب على عِناد خامنئي. رجلٌ على أعتاب التسعين من العُمر، ونجا غير مرّةٍ من محاولات الاغتيال، ومُصنّفٌ على لوائح الإرهاب الأميركيّ. ليسَ لديه ما يخسره، ولا يملك سوى رفضِ ما يعرضه الأميركيّون عليهِ، أو الاستسلام وهذا كان بعيداً عن رجلٍ بمواصفات خامنئي.

لكنّ الأهمّ أنّ استهداف خامنئي لم يكن الوحيد، بل رافقته عمليّات استهدافٍ لمنظومة القيادة الإيرانيّة بشكلٍ شبه كامل. وهذا ما يجعل إيران تقف أمام عدّة سيناريوات بعد تعرّضها لموجةِ هجمات جوّيّة واغتيالاتٍ غير مسبوقة.

– الأوّل: أن تخرج انتفاضة شعبيّة في شوارع البلاد مع ضعف مؤسّسة الحرس الثّوريّ وقوّات الباسيج وحملة القتل الممنهج التي تعرّض لها الإيرانيّون في الاحتجاجات الأخيرة. وهذا يعني انهيار النّظام بشكلٍ كاملٍ مع دعوة نتنياهو وترامب للشّعب الإيرانيّ إلى تسلّم الحكم.

– الثّاني: أن يقبضَ من بقي من قيادة الحرس الثّوري على زمام الحكم في البلاد بالتنسيق مع السّلطة الدّينيّة في قُم لتعيين شخصيّة بديلة لخامنئي لقيادة البلاد.

– الثّالث: أن يُسارع الإصلاحيّون إلى إمساك زمام المبادرة في البلاد، وأن يُمرّروا تعيينَ شخصيّة “معتدلة” لتسلّم منصب الإرشاد وتهيئة البلاد لسيناريو “براغماتيّ” يؤدّي إلى تلبية مطالب الولايات المتّحدة المتعلّقة بالنّوويّ والصّواريخ والأذرع، خصوصاً أنّ كثيرين من التيّار الإصلاحيّ كانوا يرفضون التّشدّد بالتفاوض النّوويّ والاستمرار في تمويل الأذرع، وهذا ما تحدّث عنه قبل مدّة وزير الخارجيّة الأسبق محمّد جواد ظريف وأوّلهم مير حسين الموسوي آخر الرجال التاريخيين الذين قاموا بالثورة والقابع في الإقامة الجبرية منذ العام 2009.

الواضح أنّ حجمَ الضّربة العسكريّة الأميركيّة – الإسرائيليّة المُشتركة ليسَ لتحريك عجلة التّفاوض، إنّما لفرض واقعٍ سياسيّ جديد في بلاد فارس يلائم ما يريده الرّئيس الأميركيّ

– الرّابع: أن يقع تنافس بين الحرس الثّوري والتيّار الإصلاحيّ الذي يمثّله الرّئيس مسعود بزشكيان والرّئيس الأسبق حسن روحاني وجواد ظريف والمؤسّسة الدّينيّة في قُم. وهذا السيناريو من شأنه أن يجرّ البلاد إلى خيارات مفتوحة مع بنية عسكريّة منهكة وبرنامج نوويّ متآكل بفعل ضربات حزيران الماضي وضربات فجر السّبت.

استنساخ تجربة فنزويلّا؟

من المُرجّح أنّ الرّئيس الأميركيّ لا يريد سيناريو الفوضى العارمة في إيران، فهو قد يكون يحاول استنساخ التّجربة الفنزويلّيّة التي أطاحت بالرّئيس نيكولاس مادورو وبسلوك نظامه من دون أن تأتي على تدمير مؤسّسات الدّولة والذّهاب نحوَ سيناريو التّفكّك. إذ إنّ سيناريو تفكّك إيران ستكون له انعكاسات سلبيّة واسعة على المنطقة برمّتها من وسطِ آسيا إلى سواحل المُتوسّط، وذلك نظراً إلى تعقيد بنيتها الجغرافيّة الواسعة التي تزيد على 1.5 مليون كيلومتر مربّع، وتنوّع الإثنيّات والأعراق من فرس وآذريّين وعرب وكرد وأرمن وبلوش وغيرهم.

 إقرأ أيضاً: ترامب يخوض حرب وجود نظام إيران

من هذا المنطلق ينبغي مراقبة بعض الشّخصيات التي من المُرجّح أنّها لا تزال على قيد الحياة مثل الأمين العامّ لمجلس الأمن القوميّ علي لاريجاني، الذي قد يكون له دورٌ بارزٌ في حالِ كُتبت له النّجاة من الهجمات الأميركيّة – الإسرائيليّة. وبالتّالي لاريجاني الذي أمسك أكثر من مرّة بملفّ التفاوض، أكان بصفته كبير المفاوضين أو الأمين العامّ لمجلس الأمن القوميّ، قد يكونُ أو أيّ أحدٍ غيره النّسخة الإيرانيّة من نائبة الرّئيس الفنزويلّيّ التي منحَت ترامب حتّى اليوم أكثر من 80 مليون برميل من النّفط منذ رحيل مادورو مُكبّلاً بالأصفاد من كراكاس إلى نيويورك.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@IbrahimRihan2

مواضيع ذات صلة

“حرب إيران” تؤجّل الانتخابات أم تَحسمها؟

هل يكون “الإعصار” الحربيّ الذي يَضرب المنطقة، وقد يشمل لبنان، هو الحدث المفصليّ الذي سيطيح بالانتخابات النيابيّة، بوصفها استحقاقاً داخليّاً هو “جزءٍ من كلّ”، ستلفحه تأثيرات…

هل تستعيد إسرائيل حلفها القديم مع إيران؟

كانت إيران الشاه أحد أعمدة العقيدة الإسرائيليّة في السياسة الخارجيّة، فيما يعني محاصرة دول الطوق العربيّ المعادي لإسرائيل بالمثلّث غير العربي: إثيوبيا في الجنوب، وتركيا…

لبنان: إنذار دوليّ للرؤساء الثلاثة.. ردّة الفعل ستكون مدمّرة

ليس لبنان على هامش المواجهة الدائرة في الإقليم، بل في قلب ارتداداتها المباشرة. ما يجري في طهران ستطال نتائجه خريطة الشرق الأوسط، واستهداف رأس الهرم…

هل يردّ عون قانون التّمديد؟

كلّما رَفع رئيسا الجمهوريّة جوزف عون والحكومة نوّاف سلام السقف عالياً في شأن حتميّة إجراء الانتخابات في موعدها، تجاوزهما الرئيس نبيه برّي بـ “تأكيد ما…