هل يكون “الإعصار” الحربيّ الذي يَضرب المنطقة، وقد يشمل لبنان، هو الحدث المفصليّ الذي سيطيح بالانتخابات النيابيّة، بوصفها استحقاقاً داخليّاً هو “جزءٍ من كلّ”، ستلفحه تأثيرات زلزال الإقليم، وسيتأثّر تلقائيّاً بالموجات الارتداديّة لحربٍ توقّعها كثيرون، حرب مفتوحة أسفرت، في أوّل يومٍ لها، عن القضاء على رأس النظام في إيران، وهرميّة كاملة من القادة الأمنيّين والعسكريّين والسياسيّين.
وفق معلومات مؤكّدة لـ “أساس” كانت إحدى المرجعيّات الرئاسيّة في لبنان تتحدّث، طوال الأسابيع الماضية، بلغة حاسمة بشأن حتميّة الضربة الأميركيّة-الإسرائيليّة لطهران، مهما طال الوقت، ربطاً بالمعلومات التي كانت تصلها. على الرغم من أنّ “أخبار المفاوضات” من خلف البحار كانت تشي بأنّ احتمال الاتّفاق كان أيضاً مطروحاً، وعَكَسه في آخر اللحظات، قبل كبس زرّ الهجوم الأميركيّ-الإسرائيليّ، الوسيط العُمانيّ بتأكيد حدوث “تقدّم ملحوظ” وعقد اجتماعات فنّيّة في فيينا الأسبوع المقبل، كان العديد من الجهات في لبنان، وبينها جهات رئاسيّة، يتوقّع العكس.
وفق معلومات مؤكّدة لـ “أساس” كانت إحدى المرجعيّات الرئاسيّة في لبنان تتحدّث، طوال الأسابيع الماضية، بلغة حاسمة بشأن حتميّة الضربة الأميركيّة-الإسرائيليّة لطهران
الحكومة والحرب
المؤكّد أنّ طوال الساعات الماضية التي واكبت تطوّرات الحرب كان التركيز اللبنانيّ ينصبّ على أمرين أساسيَّين:
- محاولة “التأكّد” من عدم مبادرة “الحزب” إلى أيّ ردّة فعل، مهما كان مستواها، خصوصاً بعد إعلان المجلس الأعلى للأمن القوميّ الإيرانيّ اغتيال المرشد الأعلى في إيران السيّد علي خامنئي. تفيد المعلومات بأنّ “الحزب” أوصل سابقاً إلى رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي رسالة مفادها اتّخاذ قرار بـ”عدم التدخّل” في حال ضُرِبت إيران، وبدوره أبلغها برّي إلى المعنيّين من ضمن سياق التطمينات.
مع العلم بأنّ تصريح “الحزب” بـ”عدم التدخّل عسكريّاً إذا وُجّهت ضربات محدودة لإيران”، وبأنّ استهداف المرشد وإسقاط النظام “خطّ أحمر”، ورد على لسان مسؤول في “الحزب” لوكالة الصحافة الفرنسيّة، وليس بصيغة بيان رسميّ صادر عن “الحزب” الذي أعلن لاحقاً تضامنه مع الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، قبل استهداف خامنئي، ثمّ الدعوة إلى تجمّع في الضاحية. واكتفى الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم أمس بالتأكيد “أنّنا سنقوم بواجبنا بالتصدّي للعدوان، ومهما بلغت التضحيات لن نترك ميدان المقاومة”.
- مواكبة الحكومة من خلال اجتماع السراي الموسّع يوم السبت لتداعيات الضربة على مستوى جهوزيّة المؤسّسات المعنيّة، توافر الحاجات الضروريّة، والتأكّد من خطوط الإمداد برّاً وبحراً وجوّاً ومن المدى الزمنيّ لبقائها “شغّالة”.
تأجيل الانتخابات؟
اكتملت أمس المواكبة اللبنانيّة الرسميّة للأحداث في المنطقة بانعقاد المجلس الأعلى للدفاع الذي هو الاجتماع الثاني له في بعبدا، منذ انتخاب جوزف عون رئيساً للجمهوريّة في كانون الثاني 2025، بعد الاجتماع الأوّل في 2 أيّار الماضي، الذي خُصّص لملفّ السلاح في المخيّمات الفلسطينيّة، وتحذير “حركة حماس” من “استخدام الأراضي اللبنانيّة للقيام بأعمال تمسّ الأمن القوميّ”.
وفق المعلومات، لم يتطرّق أمس “المجلس الأعلى للدفاع” إطلاقاً إلى مسألة الانتخابات النيابيّة، التي غابت عن مداولات الكواليس منذ إطلاق شرارة الحرب.
لكن، مع ذلك، بدأ منذ الآن الحديث عن سيناريوين في شأن مصير الانتخابات ربطاً بالتطوّرات الهائلة التي عَصفت بالإقليم منذ اللحظات الأولى لبدء الحرب، ودفعت كثيرين من المحور الخصم للمقاومة إلى تأكيد حتميّة سقوط النظام في إيران:
- العقل البارد في قراءة المشهد الحربيّ يَرسم السيناريو الآتي: فتح عقد استثنائيّ لمجلس النوّاب، يبدأ اليوم وينتهي في 16 آذار، ويتخلّله في 10 آذار انتهاء مهلة تقديم تصاريح الترشيح للانتخابات، قد يُمهّد الطريق لـ “تسويق” حجّة أكثر إقناعاً من مسألة الخلاف على اقتراع المغتربين، وهي وقوع الحرب. فتطوّرات اليومين الماضيَين أوحت بأنّ الحرب قد تستمرّ أيّاماً، وربّما أسابيع. هذا الأمر وحده كفيل بقلب طاولة الانتخابات بهدوء. في العمق، محور تأجيل الانتخابات أكثر عدداً بكثير، ويكاد لا يُقارن، بالمحور المطالب بإجرائها في موعدها.
وفق المعلومات، لم يتطرّق أمس “المجلس الأعلى للدفاع” إطلاقاً إلى مسألة الانتخابات النيابيّة، التي غابت عن مداولات الكواليس منذ إطلاق شرارة الحرب
بالتالي قد يتقاطع عامل الحرب و”النقزة” المستمرّة من ردّة فعل “الحزب” أو فصيل مسلّح آخر، مع أزمة اقتراع المغتربين ومسألة تصويتهم من الخارج، أو في الداخل، وللمقاعد الستّة أو للـ 128 نائباً، فيولّدان تمديداً “مُباركاً” من مجلس النوّاب، بأكثريّة مريحة. أضف إلى ذلك الخشية الرسميّة المستمرّة من أن تستغلّ إسرائيل مناخات الحرب لتوجيه ضربات قاسية إلى “الحزب”، وتوسيع رقعة استهدافاتها صوب الضاحية، وجعل الجنوب والبقاع مناطق استهداف عسكريّة بحجّة القضاء على ما بقي من ترسانة “الحزب”.
مع ذلك، في معلومات “أساس” أنّ النائب السابق وليد جنبلاط أوعز، بعد حصول الضربة الأميركيّة لإيران، إلى مسؤوليه الإبقاء على الجهوزيّة نفسها وكأنّ الانتخابات ستحصل.
- في رصدٍ بسيطٍ لمواقع التواصل الاجتماعيّ يظهر بوضوح تصرّف فريق سياسيّ وكأنّه رَبح “المعركة الكونيّة”، بعد سقوط نظام بشّار الأسد واغتيال الأمين العامّ لـ”الحزب” السيّد حسن نصرالله ومحاصرة “الحزب” بقرار الحكومة سحب سلاحه ثمّ اغتيال مرشد الثورة علي خامنئي ومعظم القادة الأمنيّين الأساسيّين، وبالتالي الانتخابات النيابيّة التي قد تحصل بعد شهرين أو ثلاثة أشهر ستتكفّل نتائجها برسم خطّ فاصل بين ما قبل نصرالله وخامنئي وما بعدهما، وتظهير انتصار محور على آخر. لكنّ للأسباب نفسها، يرى آخرون أنّ “العصب الشيعيّ” في ذروته. وتحديداً هذه الانتخابات، إن جرت خلال فترة زمنيّة قصيرة، ستكون نتائجها مدوّية من حيث فرض “الثنائيّ الشيعيّ” نفسه كقوّة داخليّة لا يمكن المسّ بها، بغضّ النظر عن المعطى الإقليميّ.
في مطلق الأحوال، أوّل غيث الحرب التأجيل المتوقّع لمؤتمر دعم الجيش الذي كان من المفترض أن يُعقَد الخميس المقبل في باريس، واستطراداً عدم توجّه رئيس الجمهوريّة جوزف عون وقائد الجيش إلى العاصمة الفرنسيّة للمشاركة فيه.
بتأكيد مطّلعين، قد يُصبح التمديد لمجلس النوّاب الحاليّ أمراً واقعاً، لا ينقصه سوى دعوة الرئيس برّي إلى جلسة عامّة، لكن من دون أن يُعرف المدى الزمنيّ لهذا التأجيل (عام أو عامين)، وهل يستدرج تعديلاً وزاريّاً محدوداً، خصوصاً إذا كان التمديد لعامين.
إقرأ أيضاً: هل يردّ عون قانون التّمديد؟
90% لبنان محيّد
على صعيد آخر، خُصّص اجتماع المجلس الأعلى أمس، الذي كان موسّعاً، بعكس اجتماع أيّار، للتحدّيات الأمنيّة، إجراءات الطوارئ، التأكّد الرسميّ من توافر الموادّ الضروريّة الغذائيّة ومادّة الفيول، والتصدّي للتلاعب بالأسعار. وقد علم “أساس” أنّ قائد الجيش أعلن رفع جهوزيّة الجيش إلى 90%، وأنّ لبنان محيّد بنسبة عالية تصل إلى 90%، إلّا إذا حصل طارئ ما. أخذت التدابير الأمنيّة على الحدود الجنوبيّة والشرقيّة حيّزاً من النقاش لجهة ضبطها، وطُرحت فرضيّة حصول تحرّكات في الداخل، خصوصاً أمام السفارات، وإجراءات التصدّي لها.
لمتابعة الكاتب على X:
