كلّما رَفع رئيسا الجمهوريّة جوزف عون والحكومة نوّاف سلام السقف عالياً في شأن حتميّة إجراء الانتخابات في موعدها، تجاوزهما الرئيس نبيه برّي بـ “تأكيد ما يؤكّدانه” لجهة رفضه المطلق تأجيل الانتخابات! المزايدات السياسيّة في قمّتها، في ظلّ السعي الجاري إلى التمديد لمجلس النوّاب، إذا سُدّت سبل إتمام الاستحقاق النيابيّ. لكنّ ثمّة واقعاً ملتبساً: يرفع الرئيس عون، وفق المعلومات، بطاقة التلويح بردّ قانون التمديد إذا أقرّه مجلس النوّاب، فما هي التداعيات؟
بخلاف ما طَلبه رئيس الجمهوريّة في الجلسة ما قبل الأخيرة للحكومة في 16 شباط، لم تتطرّق الحكومة في جلسة الخميس إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات، ولم تُطرح أزمة قانون الانتخاب برمّتها على طاولة الحكومة.
تبنّى الرئيس سلام لاحقاً في مقابلة تلفزيونيّة مضمون رأي هيئة التشريع من خلال التأكيد أنّ “قانون الانتخاب الحاليّ يضمن حقّ تصويت المغتربين في الخارج لـ 128 نائباً، ما دامت الدائرة الـ16 معلّقة ريثما يوضح مجلس النوّاب موقفه”. هذا ما استدعى ردّاً من قبل نائب حركة أمل علي حسن خليل عبر اتّهام “القاضي” سلام ضمناً “بعدم احترام النصوص القانونيّة، وتأويلها سياسيّاً”، والقول إنّ القانون لا يُعلَّق بقانون أو اجتهاد.
وفق معلومات “أساس” أنّ توقيع رئيسَي الجمهوريّة والحكومة مرسوم فتح دورة استثنائيّة ثانية من 2 آذار حتّى 16 منه، “على كعب” دورة استثنائيّة أولى بداية العام، هو بهدف إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمالات الحلّ الذي لم يرسُ على برّ بعد: انتخابات أو تمديد. تمّ هذا الأمر بتنسيق رئاسيّ ثلاثيّ، في ظلّ حالة نفور تتوسّع رقعتها بين الرئيسين برّي وسلام.
بخلاف ما طَلبه رئيس الجمهوريّة في الجلسة ما قبل الأخيرة للحكومة في 16 شباط، لم تتطرّق الحكومة في جلسة الخميس إلى رأي هيئة التشريع والاستشارات
إزاء طرح السؤال البديهيّ إذا كان الرئيس برّي سيدعو إلى جلسة تشريعيّة، لتعديل القانون الحالي أو إقرار التمديد، تقدّم إلى الواجهة سؤال موازٍ بأهميّته حول مدى دقّة المعطيات التي تتحدّث عن ردّ رئيس الجمهوريّة قانون التمديد إذا وصل إليه، أو التريّث بنشره.
يحتاج قانون التمديد لمجلس النوّاب إلى أكثريّة عاديّة، أي النصف زائداً واحداً من عدد النوّاب الحاضرين بشرط توافر النصاب القانونيّ، أي 65 نائباً. يؤكّد البوانتاج السياسيّ العدديّ توافر هذه الأكثريّة وحبّة مسك. لكن وفق المادّة 57 من الدستور إذا ردّ رئيس الجمهوريّة أيّ قانون إلى مجلس النوّاب، خلال مهلة الشهر من إحالته إليه، يُصبح نافذاً إذا أصرّ عليه مجلس النوّاب بأكثريّة مطلقة من مجموع أعضائه (65 نائباً من أصل 128). يملك رئيس الجمهوريّة أيضاً صلاحيّة الطعن بقانون التمديد أمام المجلس الدستوريّ خلال 15 يوماً من نشره في الجريدة الرسميّة.
صلاحيّة استثنائيّة
في السياق نفسه، يملك رئيس الجمهوريّة صلاحيّة استثنائيّة، بموجب المادّة 59 من الدستور، حيث يُمكن أن “يطلب تأجيل انعقاد مجلس النوّاب إلى أمد لا يتجاوز شهراً، ولا يمكنه استخدام هذه الصلاحيّة مرّتين في العقد الواحد”. نحن فعليّاً أمام مشهد غير مسبوق، فهل رئيس الجمهوريّة الذي وقّع على مرسوم فتح دورة استثنائيّة قد يلجأ إلى هذه الصلاحيّة إذا استوت طبخة التمديد بخلاف رغبته بإجراء الانتخابات؟
يقول مصدر مطّلع لـ “أساس”: “فرضيّة تعليق عمل مجلس النوّاب شهراً كاملاً تعني حكماً الدخول بالمهل القانونيّة، واضطرار وزارة الداخليّة إلى إجراء الانتخابات النيابيّة في مواعيدها المقرّرة، وإلّا يُعلن فوز المرشّحين بالتزكية”!
الجدير ذكره أن المادة 48 من قانون الانتخاب، الفقرة “أ”، تشير إلى أن “إذا انقضت مهلة الترشيح ولم يتقدّم لمقعد معيّن إلا مرشح واحد، يعتبر هذا المرشح فائزاً بالتزكية، وتكون اللوائح في هذه الحالة مؤلّفة من المقاعد المتبقية في الدائرة الانتخابية”. كما تنصّ الفقرة “ب” على “تسجّل اللوائح قبل أربعين يوماً على الأقل من موعد الانتخابات، فإذا انقضت المهلة، ولم يتقدّم لمقاعد دائرة معينة إلا لائحة واحدة ومكتملة، تعتبر هذه اللائحة فائزة بالتزكية”. بمطلق الأحوال، الفوز بالتزكية يجب أن يُواكب باكتمال عدد مجلس النواب، أي 128 نائباً.
قبل بضعة أسابيع كان رئيس الجمهوريّة يؤكّد أنّ لديه صلاحيّات واسعة تخوّله فرض إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستوريّة، لِما لهذا الاستحقاق من أهميّة دستوريّة وسياسيّة. في العمق، يحاول رئيس الجمهوريّة منع “كربَجة” بداية عهده بعقبات، منها القفز فوق الاستحقاق النيابيّ أسوة بما حصل في عهود ماضية.
يحتاج قانون التمديد لمجلس النوّاب إلى أكثريّة عاديّة، أي النصف زائداً واحداً من عدد النوّاب الحاضرين بشرط توافر النصاب القانونيّ، أي 65 نائباً
يُذكَر أنّ رئيس الحكومة يكرّر رفضه إرسال مشروع قانون من الحكومة إلى المجلس لطلب التمديد، فيما كان لافتاً أمس عدم تضمين البيان الصادر عن رئاسة الجمهوريّة في شأن اللقاء الذي جَمَع عون بسلام في القصر الجمهوريّ أيّ إشارة إلى ملفّ الانتخابات.
تمديد تقديم طلبات التّرشيح؟
بعد عشرة أيّام تماماً، في 10 آذار، تنتهي مهلة تقديم تصاريح الترشيح إلى الانتخابات. لكنّ عدد الترشيحات هزيل جدّاً، وغير مسبوق في تاريخ الانتخابات بحيث تجاوز أمس الـ 40 مرشحاً، فيما سُجّل أمس تقديم النائبين عن قضاء بشرّي ستريدا جعجع وجوزف إسحق طلب ترشّحهما. وإذا أقرَّت التسوية السياسيّة في آخر لحظة حصول الانتخابات، فسيجري على الأرجح تمديد هذه المهلة، خصوصاً إذا وافق الجميع على التأجيل التقنيّ حتّى شهر حزيران أو تمّوز.
إقرأ أيضاً: من النّاقورة إلى باريس: “حصار” على الجيش والحكومة!
لكن وفق المادّة 47 من قانون الانتخاب يُحصَر تمديد تقديم طلبات الترشيح بالدوائر التي لم تشهد ترشيحات، إذ تنصّ على الآتي: “إذا انقضت مهلة الترشيح ولم يتقدّم أيّ مرشّح لمقعد معيّن، تُمدّد حكماً مهلة الترشيح سبعة أيّام، وتبتّ الوزارة طلبات الترشيح ضمن مهلة 24 ساعة”.
بالتالي سيضطرّ المرشّحون عن دوائر جرى الترشّح عنها إلى التقدّم ضمن توقيت زمنيّ قصير جدّاً بترشيحاتهم، إذا فاجأتهم السلطة بإجراء الانتخابات “في موعدها” بعد أشهر من “التنتيع”، والمدّ والجزر، والكباش بين الحكومة ومجلس النوّاب.
لمتابعة الكاتب على X:
