فرصة النّظام الإيرانيّ… صفر

مدة القراءة 6 د

يعتبر الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أنّ إيران خسرت فرصتها سابقاً عندما تمّ الوثوق بها في ما يتعلّق بنسبة تخصيب اليورانيوم، إذ لم تحترم التزاماتها وتخطّت النسبة “السلميّة والطبيّة”، مقتربةً من “تصنيع قنبلة نوويّة”، وهو ما أفقدها هذه الورقة التي أساءت استغلالها. بحسب مصدر أميركيّ مطّلع، فإنّ “أيّ عودة إلى سجال التخصيب ونِسَبه هي صفحة طُويت ولن تُوضع على طاولة التفاوض”. الأميركيّون جادّون: “صفر تخصيب”.

 

يعلم الإيرانيّون ذلك. نقل ستيف ويتكوف، الأسبوع الماضي، رسائل إلى الإيرانيّين عبر وزير الخارجيّة العُمانيّ بدر البوسعيدي، الذي سلّمها إلى أمين مجلس الأمن القوميّ الإيرانيّ علي لاريجاني. كتب الناشط السياسيّ المقرّب من أوساط الحرس الثوريّ، علي قلهكي، على منصّة “إكس”، أنّ رسائل ويتكوف تضمّنت مقترحاً أميركيّاً يقضي بأن تعلّق إيران تخصيب اليورانيوم لمدّة تراوح بين ثلاث وخمس سنوات، على أن يُسمح لها بعد ذلك بتخصيبه عند مستويات منخفضة جدّاً.

إيران تحت تهديد النّار

إذاً طيف الضربة يلوح في سماء إيران، فيما تحاول طهران أن تحدّث ترامب بلغته، لغة الـBusiness، وأن توصل إليه رسائل كان قد كشف عنها ضمنيّاً، قبل عام تقريباً، في مقال رأي لوزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي نُشر في “واشنطن بوست” غازل فيه “رجل الصفقات”، واعداً بتبادل تجاريّ في مجالات النفط والغاز والتعدين، وعقود مع كبرى شركات الطيران الأميركيّة وغيرها.

جدّد عراقجي طرح هذه المغريات أمام واشنطن عندما صرّح بأنّ “علينا احترام المصالح الاقتصاديّة للولايات المتّحدة”، متجاوزاً الخطأ الذي حصل بعد اتّفاق عام 2015، عندما فتحت طهران أسواقها التجاريّة والصناعيّة أمام أوروبا، وأغلقتها أمام الاستثمارات الأميركيّة.

من جانبه، قال مساعد وزير الخارجيّة الإيرانيّ حميد قنبري إنّ أيّ “اتّفاق بين طهران وواشنطن يجب أن يضمن المصالح الاقتصاديّة للولايات المتّحدة لضمان استمرار الاتّفاق”.

يحاول النظام الإيرانيّ إبعاد شبح الحرب عبر إغراء واشنطن بفتح المجال الداخليّ أمام الاستثمارات الأميركيّة

يحاول النظام الإيرانيّ بهذا إبعاد شبح الحرب عبر إغراء واشنطن بفتح المجال الداخليّ أمام الاستثمارات الأميركيّة، مدغدغاً تطلّعات ترامب، من خلال إظهاره منتصراً قبل الانتخابات النصفيّة التي ستجري خلال فصل الخريف المقبل.

لكنّ “رجل الصفقات” لا يمانع استخدام النار لتحقيق أهدافه. ها هو يرسل حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة، وسط استعدادات لاحتمال تنفيذ حملة عسكريّة متواصلة إذا لم تنجح المحادثات مع الإيرانيّين.

إيران

فعلتها واشنطن سابقاً في حزيران الفائت، حين انضمّت إلى إسرائيل في سلسلة غارات جوّية استهدفت مواقع نوويّة إيرانيّة. للتذكير، اندلعت حرب الاثني عشر يوماً بعدما أجرى ويتكوف خمس جولات تفاوضيّة مع عراقجي في محاولة للتوصّل إلى اتّفاق، ولن يمانع الأميركيّون تكرارها.

الحرب الاقتصاديّة

لم تستفِق إيران بعد من شبح الانتفاضة الشعبيّة الأخيرة، التي بدأت لأسباب معيشيّة، ووصلت فيها الهتافات إلى “الموت لخامنئي”، كاسرةً حاجز الخوف وصمت المظلوم. وقف الشعب أمام فوهات البنادق، لا يهاب الموت، وقُتل منهم الآلاف. هل تحتمل طهران تضييقاً اقتصاديّاً جديداً؟

كشف موقع “أكسيوس” أنّ ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو اتّفقا، خلال اجتماعهما الأخير في البيت الأبيض، على أن تعمل الولايات المتّحدة على خفض صادرات النفط الإيرانيّة إلى الصين. نقل الموقع عن مسؤول أميركيّ رفيع قوله: “اتّفقنا على أنّنا سنبذل قصارى جهدنا لممارسة أقصى ضغط على إيران، على سبيل المثال في ما يتعلّق بمبيعات النفط الإيرانيّ إلى الصين”.

يأتي هذا الضغط الإضافيّ فيما تستحوذ الصين على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانيّة، وهو ما يجعل أيّ تراجع في هذه التجارة مؤثّراً مباشرةً في عائدات طهران.

طيف الضربة يلوح في سماء إيران، فيما تحاول طهران أن تحدّث ترامب بلغته

أبواق “الحزب”: كلام فارغ

يقول المثل الشعبيّ: “أسمع كلامك أصدّق، أرى أفعالك أستعجب”. على وقع الغارات والاستهدافات الإسرائيليّة اليوميّة لعناصر “الحزب” وقادته ومستودعاته، وتحوّل الجنوب اللبنانيّ “المحرَّر” إلى جنوب “محتلّ”، تواصل أبواق “الحزب” الحديث عن أنّ “السلاح هو ضمانة للبنان”، رافضةً تسليمه للدولة اللبنانيّة، بما يتناسق مع أجندة نتنياهو. لن ينهي الأخير احتلاله ما دام “الحزب” لم يسلّم سلاحه، على حدّ قوله، ويربط الأخير هذا السلاح بالاحتلال الإسرائيليّ الذي استُرجع بـ”حرب الإسناد” الفاشلة.

أمّا الحقيقة فإنّ أيّ خطاب تهديديّ، ولو كان فارغاً، هو هديّة يشتهيها ويقتات عليها نتنياهو ومشروعه واحتلاله.

كان لافتاً ما جاء على لسان القياديّ في “الحزب”، النائب السابق نوّاف الموسوي، في مقابلة تلفزيونيّة، إذ قال إنّ “الحزب وجّه ضربات إلى العدوّ لا ينساها، من بينها وصول المسيّرات إلى منزل نتنياهو، واستهداف قاعة طعام للجنود الإسرائيليّين خلال الحرب”، متابعاً أنّ المسيّرات قادرة، حتّى هذه اللحظة، على الوصول إلى أيّ مكان في إسرائيل “من دون أن يشعر بها العدوّ”.

من المستغرَب أن يقرأ بعض الباحثين هذا “الترفيه الحربيّ” ببعد إقليميّ، فهو حصريّاً داخليّ وفئويّ. “الحزب” وقدراته فضحتها “حرب الإسناد”، وإيران نفسها تعلم أنّ هذه الورقة باتت محروقة، ولا تؤثّر في مجريات أيّ حرب مقبلة إذا قرّر ترامب توجيه ضربته. ما لم يتمكّن “الحزب” من فعله في زمن الأمين العامّ الأسبق حسن نصرالله وكبار قادته، هل يتمكّن من فعله اليوم في عهد الشيخ نعيم قاسم وبعض القادة المستجدّين؟

لم تستفِق إيران بعد من شبح الانتفاضة الشعبيّة الأخيرة، التي بدأت لأسباب معيشيّة، ووصلت فيها الهتافات إلى “الموت لخامنئي”

إذاً قد يكون ورود هذا الكلام على لسان الموسوي، الذي يعرف شارع “الحزب” جيّداً، استنباطاً لتحوّل المزاج الشعبيّ الشيعيّ، فارتأى شدّ العصب قبل الانتخابات المقبلة. يعلم “الحزب” تماماً أنّ أيّ انتخابات من دون سلاح ستفقده غطاءه الشعبيّ، وتقضي عليه سياسيّاً بعدما قُضي عليه عسكريّاً. يعلم أيضاً أنّ وجوب رفض تسليم السلاح هو أمرٌ إيرانيّ، ولو أنّ طهران تعلم أنّ ورقتها مُزّقت، لكنّها ترجو أن تُبقي على بعضٍ منها في مفاوضاتها النوويّة.

إقرأ أيضاً: واشنطن – طهران: هل تمنع المصالح المشترَكة الحرب؟

بين هذا وذاك، يبدو أنّ فرص طهران تقترب من الصفر: اتّفاق وفق شروط ترامب، أو تضييق اقتصاديّ أكبر وأكثر إيلاماً، فيما الأذرع مبتورة، ولو أنّ بعض النبض يحرّكها بلا حياة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@BadihYounes

مواضيع ذات صلة

عن غضبة ياسين جابر: الشّيعة في الحكم… والمسؤوليّة

ستظلّ فورة غضب وزير الماليّة ياسين جابر في مجلس النوّاب، بوجه نائب رئيس المجلس الياس أبو صعب، في الذاكرة طويلاً، باعتبارها اللحظة الفارقة بين تاريخَيْن…

العالم تغيّر: ألوية إندونيسيّة “إسلامية” في غزّة؟

أعلنت إندونيسيا، أكبر دولة إسلاميّة، استعدادات تُجريها لإرسال قوّة من 8 آلاف جنديّ إلى قطاع غزّة. الخبر لافت لأنّه أوّل إعلان رسميّ من دولة مرشّحة…

ترامب على خطى القيصر: الدّفع نحو حرب عالميّة!

تتماهى مبادرة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لتغيير النظام العالميّ من جانب واحد مع مبادرة قيصر ألمانيا وليم الثاني لتغيير النظام الدقيق الذي أقامه المستشار فيلهام…

طرابس الشّام وطرابلس لبنان

كنتُ أَهِمُّ بالكتابة عن طرابلس بعد المصيبة التي نزلت بفقرائها عندما قرأتُ تهنئةً للزميل الكبير الدكتور عمر تدمري بمولده. ارتبطت طرابلس المدينة والتاريخ والعلم الدينيّ…