وصف الكاتب والمحلّل السياسيّ الأميركيّ توماس فريدمان الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بأنّه “أكثر الرؤساء لاأميركيّةً في تاريخ الولايات المتّحدة الأميركيّة”، معتبراً أنّ ما يصفه ترامب بـ”أميركا أوّلاً” هو في الحقيقة “أنا أوّلاً”.
في نظر فريدمان، لا تتمحور رؤية ترامب السياسيّة حول المصلحة الوطنيّة أو القيم الديمقراطيّة أو التخطيط الاستراتيجيّ الطويل الأمد، بل حول غروره الشخصيّ وضغائنه وحاجته المستمرّة إلى التقدير والاعتراف. اعتبر أنّ ترامب “في أعماق قلبه وروحه، لا يتشارك القيم نفسها التي تشاركها كلّ الرؤساء الأميركيّين منذ الحرب العالميّة الثانية بشأن ما ينبغي أن يكون عليه دور أميركا في العالم، بل يمتلك منظومة قيم مشوّهة تماماً، غير متجذّرة في أيٍّ من الوثائق التأسيسيّة للولايات المتّحدة الأميركيّة”. بدلاً من الاستناد إلى الدستور أو التحالفات الدوليّة أو القيم الديمقراطيّة المشتركة، ينظر ترامب إلى العالم من زاوية شخصيّة ضيّقة: من يمدحه، من يبدو قويّاً، ومن قد يفيده مادّيّاً أو نفسيّاً.
وفقاً لفريدمان، تحلّ هذه الحسابات الشخصيّة محلّ أيّ التزام ثابت للمصلحة الأميركيّة أو القيادة العالميّة. من هنا، يفسّر فريدمان ذهنيّة “ترامب أوّلاً” بإعجاب ترامب المتكرّر بالقادة السلطويّين. فهو لا ينجذب إليهم لأنّهم يخدمون مصالح الولايات المتّحدة، بل لأنّه يُعجب بالقوّة غير المقيّدة التي يمتلكونها، ويحترم ثراءهم وهيمنتهم. ما دام بوتين، الديكتاتور، يلبّي هذه المعايير أكثر من الزعيم الديمقراطيّ لأوكرانيا، عامله ترامب معاملة صديق، ولتذهب المصالح والقيم الأميركيّة إلى الجحيم. بل لم يكن على بوتين حتّى أن يبذل جهداً ليجعل من ترامب أضحوكة بين يديه.
أشار فريدمان إلى أنّ نزعة “أنا أوّلاً” لدى ترامب كانت مُقيَّدة جزئيّاً خلال ولايته الأولى بوجود مستشارين يفهمون الدبلوماسيّة
الولاء لشخصه
بحسب فريدمان، هذا هو السبب في قدرة ترامب على معاملة بوتين معاملة صديق، فيما يُظهر لامبالاة تجاه الحلفاء الديمقراطيّين والمؤسّسات الدوليّة. في رأيه، لم تكن الأولويّة لدى ترامب للولاء لأميركا أو لتحالفاتها، بل للولاء لشخصه هو. نتيجة لذلك، تشكّلت السياسة الخارجيّة على أساس الاندفاع الشخصيّ لا على أساس استراتيجية وطنيّة مدروسة.
أشار فريدمان إلى أنّ نزعة “أنا أوّلاً” لدى ترامب كانت مُقيَّدة جزئيّاً خلال ولايته الأولى بوجود مستشارين يفهمون الدبلوماسيّة، إدارة التحالفات، وشؤون الأمن القوميّ. لكن مع اختفاء تلك القيود، عاد ترامب إلى أسلوبه المعتاد في الإدارة، وهو أسلوب “الرجل الواحد” المدفوع بالغرور والانفعال الشخصيّ، الذي أحاط نفسه في إدارته الثانية بموالين ومتملّقين، وهو ما أتاح له حرّية الحكم كما كان يدير أعماله، أي كعمليّة فرديّة مدفوعة بالأنانيّة والاندفاع. في رأي فريدمان، يهدّد أسلوب ترامب هذا في رئاسة الدولة بإفلاس الأمّة أخلاقيّاً، وربّما سياسيّاً وماليّاً أيضاً، فيتحوّل الشعب الأميركيّ إلى مساهمين قسريّين في قراراته.
ملك مجنون؟
حذّر فريدمان من أنّ سلوك ترامب أصبح متهوّراً وأنانيّاً إلى درجة تثير تساؤلاً مقلقاً: هل يحكم أميركا الآن “ملك مجنون”؟
وصف هوس ترامب بجائزة نوبل للسلام بأنّه مثال صارخ على سياسة “ترامب أوّلاً”. كدليل على ذلك، أشار إلى رسالته غير العاديّة إلى رئيس وزراء النرويج، التي ربط فيها اهتمامه بالاستحواذ على غرينلاند باستيائه من عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام.
وفقاً لفريدمان، شكّل تأكيد ترامب أنّ النرويج لم تمنحه الجائزة مكافأة له على “إيقاف ثماني حروب” إعلاناً بأنّه لم يعد يشعر بأنّه مُلزم بالتركيز على السلام فقط، وأظهر من خلاله استعداده لتعريض حلف شمال الأطلسي، أحد أنجح التحالفات في التاريخ، للخطر، لا بسبب مبدأ جيوسياسيّ جوهريّ، بل نتيجة إهانة شخصيّة. اعتبر فريدمان أنّ هذا السلوك لا يعكس واقعيّة سياسيّة حازمة، بل نرجسيّة مستعدّة للتضحية بالأمن الجماعيّ في سبيل الطموح الذاتيّ.
في نظر فريدمان، لا تتمحور رؤية ترامب السياسيّة حول المصلحة الوطنيّة أو القيم الديمقراطيّة أو التخطيط الاستراتيجيّ الطويل الأمد
أعرب فريدمان عن استغرابه إمكان إملاء مثل هذه الرسالة، والموافقة عليها، وإرسالها، من دون أيّ تدخّل من البيت الأبيض. اعتبر أنّ هذا الصمت يعكس استهتار ترامب بالدماء، الأموال، والجهود المتواصلة التي بذلتها أجيال من الأميركيّين لبناء التحالف عبر الأطلسيّ. بينما نظر الرؤساء السابقون إلى حلف الناتو والعلاقات الأميركيّة – الأوروبيّة بوصفهما ركائز أساسيّة لقوّة الولايات المتّحدة، يراهما ترامب قيوداً على حرّيته الشخصيّة في اتّخاذ القرار.
أميركا تخسر أعظم ميزة تنافسيّة
باستخدام تشبيه اقتصاديّ، اعتبر فريدمان أنّه لو كانت أميركا شركة، لكانت تحالفاتها، ولا سيما حلف الناتو، أعظم ميزة تنافسيّة تمتلكها. من خلال خطّة مارشال، استثمرت الولايات المتّحدة مبلغاً زهيداً نسبيّاً حوّل أوروبا إلى شريك ديمقراطيّ مزدهر، وساهم في استقرار الأسواق العالميّة وكبح النفوذ الروسيّ لعقود. غير أنّ عقليّة “ترامب أوّلاً”، بحسب فريدمان، تدفعه إلى التعامل مع هذه الميزة وكأنّه يمكن التخلّي عنها، على الرغم من أنّها وفّرت للولايات المتّحدة أمناً وازدهاراً غير مسبوقين.
أقرّ فريدمان بالتحدّيات الراهنة التي تواجهها أوروبا، بما في ذلك ضغوط الهجرة، الأعباء التنظيميّة، والتشرذم السياسيّ، لكنّه أشار إلى أنّ أجيالاً من القادة الأميركيّين أدركوا الأهميّة القصوى لهذا التحالف، ولم يكونوا ليُفكّروا أبداً في التضحية به من أجل سيادة غرينلاند، لا سيما أنّ الولايات المتّحدة تحتفظ بالفعل بحقوق عسكريّة واقتصاديّة هناك.
في رأي فريدمان، تخدم سياسة “أنا أوّلاً” خصوم الولايات المتّحدة. إذ لطالما حلمت روسيا والصين بإضعاف الناتو وتفكيك التحالف الغربيّ. اعتبر أنّ شكاوى ترامب الشخصيّة ونظرته التجاريّة الضيّقة تحقّقان لهما ما لم تستطِع المؤامرات الخارجيّة تحقيقه، أي تقويض ثقة الحلفاء وعزل الولايات المتّحدة عن شركائها.
إقرأ أيضاً: واشنطن بين وهم تغيير الأنظمة وواقعيّة الاحتواء
خلص فريدمان إلى أنّ ترامب لا يقود الولايات المتّحدة نحو نهضة وطنيّة، بل نحو العزلة. ما يقدّمه على أنّه قوّة ليس سوى تمركز حول الذات، وما يروِّج له أنّه “أميركا أوّلاً” يتحوّل في الواقع إلى “ترامب أوّلاً”.
