في السياسة، لا تُقاس أهمية ما يقوله رئيس الوزراء بوضوح عباراته، بل بما تخفيه. وعند متابعة مقابلة رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان الأخيرة مع القناة الأردنية الرسمية، لا تسمع فقط ما قاله، بل ما حاول أن يمرّره بين السطور: خطاب دولة تحاول أن تُبقي توازنها فوق صفيح إقليمي ساخن، فيما تتآكل قاعدتها الاجتماعية من الداخل.
لغة حسان بدت شديدة الانضباط، أقرب إلى لغة إدارة أزمة طويلة لا إلى خطاب سياسي تقليدي. هذا الانضباط ليس تفصيلاً بل رسالة بحد ذاته. فالدول التي تخشى الانزلاق لا ترفع صوتها، بل تخفّضه، وتختار كلماتها كما تُختار نقاط المرور في حقل ألغام. الأردن اليوم لا يعيش أزمة عابرة، بل يقيم داخل منطقة ضغط مستدام، حيث يتشابك الداخل بالحدود، والسياسة بالجغرافيا، والاقتصاد بالأمن.
تصريحات جعفر حسان لا تكشف عن حكومة تغيير بقدر ما تكشف عن حكومة منع الانهيار. وهذا توصيف لمرحلة لا لشخص
دولة على التخوم؟
حين يقول رئيس الوزراء إن علاقات الأردن الخارجية تُدار من زاوية المصلحة الوطنية والأمن والاستقرار، فهو لا يكرر قاعدة دبلوماسية، بل يعلن موقع بلاده الحقيقي في الإقليم: دولة على التخوم، لا تستطيع أن تكون طرفاً صلباً في أي محور، لأن أي انحياز حاد يعني فقدان وظيفتها التاريخية كمساحة توازن. الأردن ليس لاعباً حراً، بل عقدة توازن، ووجوده نفسه مرتبط بقدرته على عدم السقوط في لعبة الاستقطاب.
غير أن هذا الخطاب الخارجي، مهما بدا عقلانياً، يخفي معضلة داخلية عميقة. فالدولة التي تطلب من شعبها تحمّل كلفة الاستقرار الإقليمي لا تستطيع أن تواصل ذلك إلى ما لا نهاية دون أن تعيد صياغة عقدها الاجتماعي. وهنا يصبح حديث جعفر حسان عن التحديث الاقتصادي والإداري والسياسي محاولة لتأجيل لحظة الاصطدام بين توقعات المجتمع وإمكانات الدولة.
التحديث، كما يطرحه رئيس الوزراء، لا يبدو مشروعاً ثورياً، بل مشروع إدارة مخاطر. الدولة لا تسأل كيف تغيّر قواعد اللعبة، بل كيف تُصلحها دون أن تنهار. هذا الفارق جوهري. فالإصلاح في الأردن محكوم دائماً بسقف غير مرئي، سقف الخوف من أن أي انفتاح سياسي واسع قد يُنتج قوى لا يمكن التحكم بها في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
لذلك يصبح التركيز على العمل الميداني وزيارات المحافظات جزءاً من سياسة الاحتواء أكثر منه سياسة التنمية. الدولة تحاول أن تبقى قريبة من الناس كي لا يتحول الغضب إلى قطيعة. غير أن القرب وحده لا يكفي. فالمشكلة في الأردن ليست في غياب المعرفة بمشكلات الأطراف، بل في تراكم حلول مؤجلة لا تجد طريقها إلى التنفيذ بسبب القيود المالية والسياسية معاً.
حين يتحدث حسان عن الاقتصاد، فهو يتحدث عن حقل ألغام آخر. دولة صغيرة، مواردها محدودة، ومجتمعها شاب، وضغوطها الخارجية هائلة. هنا لا يكون النمو الاقتصادي ترفاً، بل شرط بقاء. ومع ذلك، فإن كل سياسات التقشف والإصلاح الهيكلي لم تعد تقنع الشارع الذي يرى أن كلفة الاستقرار توزَّع عليه وحده.
الأردن اليوم يقف على تماس مباشر مع القضية الفلسطينية، ليس سياسياً فقط، بل ديموغرافياً وأمنياً
معادلة شبه مستحيلة
في هذا السياق، تكتسب القرارات الاجتماعية، مثل توسيع مظلة التأمين الصحي في مركز الحسين للسرطان، بعداً سياسياً عميقاً. هذه ليست فقط سياسة صحية، بل محاولة لإعادة بناء ثقة متآكلة بين الدولة ومواطنيها. الدولة تقول للناس: نحن نراكم، حتى في أكثر لحظاتكم هشاشة. غير أن الثقة لا تُبنى بالرمزية وحدها، بل بالقدرة على حماية الناس من السقوط الاقتصادي أيضاً.
الأردن اليوم يقف على تماس مباشر مع القضية الفلسطينية، ليس سياسياً فقط، بل ديموغرافياً وأمنياً. أي انفجار في الضفة الغربية أو غزة ينعكس مباشرة على الداخل الأردني. لذلك، حين يتحدث جعفر حسان عن السياسة الخارجية بلغة الحذر، فهو في الحقيقة يتحدث عن خوف الدولة من الامتداد. الأردن ليس بعيداً عن النار، بل على حافتها.
هنا تتضح المفارقة الكبرى في خطاب الحكومة: الدولة مطالبة بأن تكون قوية في الخارج، رحيمة في الداخل، وصامتة في الإقليم. هذه معادلة شبه مستحيلة. ومع ذلك، تحاول عمّان أن تديرها بأقصى قدر من البراغماتية، ولو على حساب الطموح السياسي الكبير.
إقرأ أيضاً: لماذا يقصف الأردن السّويداء الآن؟
في المحصلة، تصريحات جعفر حسان لا تكشف عن حكومة تغيير بقدر ما تكشف عن حكومة منع الانهيار. وهذا توصيف لمرحلة لا لشخص. دولة تحاول أن تبقى واقفة في زمن الانزلاقات الكبرى. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً، رغم كل اللغة المتزنة، هو: هل يكفي أن نمنع السقوط، أم أن الزمن سيجبرنا قريباً على أن نختار اتجاه القفز؟
هذا هو الامتحان الحقيقي الذي لم تقله المقابلة، لكنه كان حاضراً في كل كلمة.
