منذ أواخر الستّينيّات، أو ما يزيد على نصف قرن من عمر الدولة، ولبنان يحمل قضايا تتخطّى قدراته، وغالباً ما تكون أكثر أهميّة من مسائله الداخليّة. قبل ذلك، من الانتداب والاستقلال إلى أزمة 1958، سار لبنان في الاتّجاه السائد في المحيط العربيّ، إلّا أنّ الدولة ظلّت غير سلطويّة وغير معسكرة والنظام الاقتصادي حرّ.
بعد 1967، وخصوصاً بعد حرب 1973، حمل لبنان وزر ثلاث قضايا متداخلة: الوجود الفلسطينيّ المسلّح والنزاع العسكريّ مع إسرائيل ونزاعات الأنظمة العربيّة فيما بينها ومع منظّمة التحرير. المتنفَّس الذي أتاحه لبنان في الإقليم تحوَّل ساحة مفتوحة لنزاعات لم تنتهِ فصولاً إلى اليوم. لو كان لبنان دولة سلطويّة، شبيهة بدول الجوار العربيّ، لوقع الصدام مع الدولة، كما حصل في الأردن المنقسم داخليّاً، أو تمّ وضع حدّ لانطلاق السلاح الفلسطينيّ من الداخل، مثلما حصل في سوريا ومصر.
الهدف المشترك بوجه الاحتلال بين مصر وسوريا في حرب 1973 لم يدُم طويلاً. سار بعدها كلّ طرف بطريقه وأصبح لبنان ساحة حرب وحيدة للنزاع العربيّ – الإسرائيليّ. أمّا النزاع على القضيّة الفلسطينيّة بين الأنظمة العربيّة فازداد حدّة مع توسّع نفوذ منظّمة التحرير في لبنان التي رأى فيها البعض مصدر تهديد، أو تحوّلت وسيلة لتصفية حسابات بين الأطراف الإقليميّة. حصل الاشتباك الأوّل بين سوريا ومنظّمة التحرير في لبنان في 1976، وتجدّد بشكل محدود في طرابلس في 1983، ثمّ في “حرب المخيّمات” منتصف الثمانينيّات.
منذ أواخر الستّينيّات، أو ما يزيد على نصف قرن من عمر الدولة، ولبنان يحمل قضايا تتخطّى قدراته، وغالباً ما تكون أكثر أهميّة من مسائله الداخليّة
الاحتلال جلب التّدخّل
دخلت إيران الإسلاميّة ساحة الحروب المشتعلة مطلع الثمانينيّات، وتمّ إنشاء “الحزب” تنظيماً مسلّحاً مرتبطاً بولاية الفقيه. بعد انتهاء الحرب تأقلم “الحزب” مع الواقع المستجدّ وشارك في الانتخابات والحكومات وفي كلّ مفاصل السلطة والقرار، باستثناء العمل العسكريّ الذي استأثر به داخل لبنان وخارجه. هكذا بات “الحزب” فاعلاً سياسيّاً وعسكريّاً داخل الدولة وخارجها في آن واحد. بدورها، أنشأت إسرائيل تنظيماً عسكريّاً في الجنوب المحتلّ، فكان “جيش لبنان الجنوبيّ” أداة بإمرتها حتّى سقوطه عام 2000.
لم يجلب الاجتياح الإسرائيليّ عام 1982 تدخّلاً عسكريّاً وسياسيّاً من دول المنطقة والدول الكبرى بدافع الحرص على لبنان، بل بسبب حجم الاجتياح وتداعياته، أي لأسباب تتجاوز الواقع اللبنانيّ. لم يكن ممكناً للدولة في تلك المرحلة أن تكون طرفاً في أيّ اتّفاق تعارضه سوريا. انسحب الجيش الإسرائيليّ إلى الجنوب في 1984، وعادت الأطراف الدوليّة إلى ديارها واسترجعت سوريا نفوذها وسعت إلى التمدّد حيث أمكن.
بعد انتهاء الحرب عام 1990، انحصرت مقاومة الاحتلال بـ”الحزب” بدعم سوريّ وإيرانيّ، واقتصر دور الدولة على توفير الغطاء الشكليّ في الداخل وتجاه أطراف الخارج المعنيّة، لا سيما أنّها حصرت تعاملها مع الدولة. بعد التحرير عام 2000، خاض “الحزب” ثلاث حروب بقرار ذاتيّ، أي خارج إطار الدولة: حرب 2006، حرب سوريا، وأخيراً حرب الإسناد. تأقلمت الدولة مع الأمر الواقع بعد 2006، وجاء دعم الإعمار من دول الخليج، لا سيما قطر. وكانت مختلفةً الحرب التي خاضها “الحزب” في سوريا دعماً للنظام وبالتنسيق مع إيران.
أمّا حرب الإسناد فتجاوزت قدرات “الحزب” والدولة على حدّ سواء. انخرط “الحزب” في النزاع مع إسرائيل لمساندة “حماس”، بينما إسرائيل خاضت حرب “وحدة الساحات” الجامعة بين إيران و”حماس” و”الحزب”. تبدّلت المعادلات هذه المرّة في الداخل والخارج. الجهات الدوليّة والعربيّة في موقع مغاير لمسار السنوات الماضية لأسباب تخصّها، وتتجاوز مسائل لبنان الداخليّة المعهودة.
دخلت إيران الإسلاميّة ساحة الحروب المشتعلة مطلع الثمانينيّات، وتمّ إنشاء “الحزب” تنظيماً مسلّحاً مرتبطاً بولاية الفقيه
لبنان غير فلسطين
إلى ذلك، اختلفت المعادلة في لبنان عن أوضاع فلسطين. في لبنان دولة قائمة، وإن مكبّلة، وجيش أخرجته الأحداث الأخيرة من غرفة الانتظار، بينما في فلسطين الصراع محوره مشروع قيام الدولة الذي تتصدّى له إسرائيل بالقتل والتهويد. أمّا إيران، الدولة والثورة، فتواجه حصاراً مبرمجاً، خلافاً لما كانت عليه أوضاعها في الماضي، وذلك لأسباب مرتبطة بطموحاتها النوويّة والردّ الدوليّ والإقليميّ عليها لدوافع وغايات مختلفة.
لذلك لم تعد استعادة دور الدولة في لبنان تفصيلاً عرضيّاً يمكن التعامل معه “بالتي هي أحسن” أو تجاهله، مثلما كان يحصل في مراحل سابقة. ما يحتويه لبنان اليوم من مسائل متّصلة بمصالح إقليميّة ودوليّة شائكة يتجاوز واقعه وقدراته. مع الثقة المفقودة جرّاء الوعود المجرَّبة، باتت مسؤوليّة الدولة على المحكّ في الداخل ومع الخارج. وانتهت مدّة استعمال الذرائع المعهودة ولم تعُد تشكّل مرتكزاً لتسويات ظرفيّة تجاوزتها الأحداث.
إقرأ أيضاً: من يُضرَب أوّلاً: “الحزب” وإيران… أم إسرائيل؟
لم يعد تنفيذ القرار الأمميّ 1701 المعزَّز بمقدّمة مفصّلة في 2024 à la carte، مثلما جرى التعامل معه في نسخته السابقة في 2006، وبات إنهاء النزاع العسكريّ مطلباً يتجاوز لبنان وحسابات أطرافه. أمّا الرهان على الوقت فتتحكّم به اعتبارات متّصلة بالتطوّرات الإقليميّة والدوليّة: من أوكرانيا إلى إيران، ومن أميركا وإسرائيل إلى العالم العربيّ. إنّها وقائع لا فرضيّات، وهذا يعني أنّ الكرة اليوم في ملعب لبنان، والملعب بلا سقوف تحمي، واللاعبون كثر يتنافسون وفق قواعد هي أقرب إلى شريعة الغاب.
* أستاذ جامعيّ وسفير سابق
