الإمبراطوريّات الجديدة: تكنولوجيا فائقة وسياسات قرون وسطى

مدة القراءة 7 د

بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، وبقدرات الذكاء الاصطناعيّ الإبداعيّة والعسكريّة الخارقة، نعود إلى غياهب السياسة السلطويّة التي سادت في القرون الماضية. أسقطت الحرب العالميّة الأولى أربع إمبراطوريّات دفعة واحدة: العثمانية، الألمانيّة، النمسويّة–المجريّة، والروسيّة.

غير أنّ تطوّرات نهاية القرن العشرين، ثمّ الحداثة المفرطة في القرن الحاليّ، لم تُسقط الأوهام الإمبراطوريّة، بل أعادت إحياءها بوتيرة مدهشة. لم يُنتج تسارُع الابتكار التكنولوجيّ نظاماً سياسيّاً أكثر رشداً، بل وفّر أدوات غير مسبوقة لإدارة الهيمنة عن بُعد، من العقوبات الذكيّة إلى الحروب السيبرانيّة والطائرات المسيّرة.

 

روما الجديدة

ليست فنزويلّا صراعاً على الموارد والموقع وحسب، بل تجسيد صارخ لنزعة إمبراطوريّة أميركيّة قديمة تتجدّد، يتقمّصها دونالد ترامب في عقيدته الاستراتيجيّة الجديدة للأمن القوميّ الأميركيّ. ترى واشنطن نفسها، في هذا التصوّر، “روما الجديدة”. القارّة الأميركيّة بنفطها، مواردها، ممرّاتها، موانئها وذهبها، من شمالها إلى جنوبها، تُختزل إلى “حديقة خلفيّة” للولايات المتّحدة، وجميعها بلا شركاء.

اللغة هنا مباشرة وفجّة: الهدف حماية القوّة والازدهار والأمن الأميركيّة. الأسواق، التحالفات والمؤسّسات ليست غايات بحدّ ذاتها، بل أدوات. سيادة دول أميركا اللاتينيّة مقبولة ما دامت منضبطة، وما دامت لا تعطّل سلاسل التوريد الاستراتيجيّة، ولا تستدعي قوى منافسة إلى مناطق حسّاسة، ولا تتحدّى البنية الاقتصاديّة التي تسند التفوّق الأميركيّ. عندما يحدث العكس، تصبح السيادة مشروطة: لا تعود درعاً، بل عائق ينبغي تجاوزه بالقوّة الأحاديّة الصرفة. لا تُعرف كحقّ قانونيّ ثابت، بل كوظيفة سلوكيّة: تُمنح ما دامت مطابقة، وتُسحب حين تصبح مزعجة.

تلتزم الاستراتيجية الجديدة صراحة إعادة فرض نسخة مُحدَّثة من “مبدأ مونرو”، بصيغة ما بات يُعرف بـ”ملحق ترامب” أو “عقيدة مونرو المنقّحة”. نصف الكرة الغربيّ لا يُقدَّم بوصفه مجتمع دول ذات سيادة متساوية، بل منطقة يجب أن تتماهى فيها الحوكمة وملكيّة الأصول والاستقرار مع المصالح الأميركيّة.

بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، وبقدرات الذكاء الاصطناعيّ الإبداعيّة والعسكريّة الخارقة، نعود إلى غياهب السياسة السلطويّة

الوضوح هنا غير معتاد: ستمنع الولايات المتّحدة المنافسين من خارج نصف الكرة من السيطرة على أصول حيويّة، وستربط المساعدات والتجارة بالاصطفاف السياسيّ، وستثني الحكومات المحلّية عن التعاون مع قوى كالصين وروسيا. النفوذ الماليّ، التكنولوجيّ والأمنيّ، بما في ذلك العسكري، أدوات لضمان الامتثال. ليس الهدف الاحتلال، بل الاصطفاف. وحين يفشل الاصطفاف الطوعيّ، يكون التصعيد والقوّة الغاشمة حاضرَين.

ليست مشكلة فنزويلّا امتلاكها النفط فحسب، بل إصرارها على التحكّم به خارج الإطار المفضّل في البيت الأبيض. في منطق “أميركا ترامب”، نصف الكرة الغربيّ حيّز أمنيّ مغلق، تُستبعد منه القوى الخارجيّة وتُؤدَّب فيه “الحكومات المتمرّدة” بدل استيعابها. القانون أداة لا مرجعيّة تأسيسيّة: يُحتكم إليه حين يخدم، ويُهمَّش حين يعيق. ليس هذا المنطق جديداً. هو ذاته ذلك الذي برّر يوماً الانتدابات والحمايات والإدارة الاستعماريّة، لكنّه اليوم تُعاد تسميته بـ”الاستقرار” و”الحوكمة المسؤولة” و”الحماية الاستراتيجيّة”. تغيّرت المفردات، ولم يتغيّر الجوهر.

كوبا، كولومبيا والمكسيك أُبلغت عمليّاً بأنّها قد تكون التالية في طابور الضغط والانقلابات، وأيّ هجوم على فنزويلّا قد يُحدث تأثيراً متسلسلاً لا يقتصر على الدول الخارجة عن السرب الأميركيّ، بل يطال حتّى أقرب الحلفاء. غرينلاند الدنماركيّة، مثلاً، تنتظر دورها. ما دامت الولايات المتّحدة تحتفظ بحقّ مهاجمة دول أخرى أو الاستيلاء عليها من دون تشاور، فكم من الوقت سيمضي قبل أن تقف قوّات أميركيّة في نوك قلب عاصمة الجزيرة القطبيّة؟

بوتين واستعادة الإرث السّوفيتيّ

لا يقتصر الطموح الإمبراطوريّ على ترامب. لم يُخفِ “القيصر” فلاديمير بوتين يوماً حلمه بإحياء الإمبراطوريّة الروسيّة. يكرّر أنّ انهيار الاتّحاد السوفيتيّ كان “كارثة جيوسياسيّة”، ويواصل حروبه لاستعادة ما فقدته الإمبراطوريّة التي صارت على رفوف المتاحف. غزا أوسيتيا الجنوبيّة وأبخازيا في جورجيا، وضمّ شبه جزيرة القرم بالقوّة، وشنّ حرباً ضروساً على أوكرانيا لم يخرج منها سالماً، بعدما ابتلع الدونباس. لا تزال عينه على مولدافا، وعلى ما تيسّر من جمهوريّات القوقاز وآسيا الوسطى والبلطيق.

في منطق “أميركا ترامب”، نصف الكرة الغربيّ حيّز أمنيّ مغلق، تُستبعد منه القوى الخارجيّة وتُؤدَّب فيه “الحكومات المتمرّدة”

نادراً ما تستسلم الإمبراطوريّات، كما أظهر البريطانيّون والفرنسيّون والبرتغاليّون قبل عقود قليلة. كما في التجارب الإمبراطوريّة الكلاسيكية، لا يُستدعى التاريخ بوصفه ذاكرة، بل سلاح سياسيّ يبرّر التوسّع ويُضفي عليه شرعيّة زائفة.

ترامب

أوروبا: لسلطة مركزيّة

كانت أوروبا، صاحبة السجلّ الاستعماريّ الحافل، من أبرز المستفيدين من انهيار الاتّحاد السوفيتيّ. قبل 35 عاماً، كانت “المجموعة الاقتصاديّة الأوروبيّة” تضمّ ستّ دول فقط. بحلول 2008 بات الاتّحاد الأوروبيّ يضمّ 27 دولة، بعد تمدّده شرقاً خلف “الستار الحديديّ”، بما في ذلك دول البلطيق. غيَّر هذا التوسّع توازنات القارّة، فيما لم تختفِ الأحلام الإمبراطوريّة ولا الحنين إلى نفوذ ما وراء البحار، من إفريقيا إلى آسيا.

استنزفت الحرب الأوكرانيّة أوروبا، لكنّها دفعتها أيضاً إلى مزيد من العسكرة والتشدّد. مع استمرار الطموحات الروسيّة، التراجع الأميركيّ التدرّجيّ عن الالتزامات الأطلسيّة، وتعالي ترامب في تعامله مع القادة الأوروبيّين، يجد الاتّحاد نفسه أمام خيارين: إمّا التماسك وبناء سلطة مركزيّة قادرة على الدفاع عن المصالح المشتركة، أو ترك القرار للفوضى، بما قد يقود إلى تآكل الاتّحاد من الداخل والخارج.

الصّين: “آسيا للآسيويّين”

رفعت الصين الصاعدة، الساعية إلى منافسة أميركا على الريادة العالميّة، شعار “آسيا للآسيويّين”، وترجمته العمليّة إبعاد الأميركيّين والأوروبيّين عن أكبر القارّات مساحة وسكّاناً وأسواقاً. لا تزال عين بكين على تايوان، فيما تبني، عبر جالياتها النشطة المنتشرة، خصوصاً في جنوب شرق آسيا، ما تسمّيه “شبكة الخيزران”. هذه الجاليات تحوّلت إلى أداة مركزيّة في الحرب الناعمة، ضمن “مبادرة الحزام والطريق”، التي مكّنت الصين من التأثير العميق في اقتصادات دول من الفلبين إلى إندونيسيا وماليزيا وتايلند، عبر استثمارات بمئات المليارات وشبكات ماليّة وتجاريّة معقّدة.

لا يقتصر الطموح الإمبراطوريّ على ترامب. لم يُخفِ “القيصر” فلاديمير بوتين يوماً حلمه بإحياء الإمبراطوريّة الروسيّة

في الشرق الأوسط، تمضي إسرائيل، بدعم أميركيّ غير محدود، في عدوانها ومساعيها لتغيير خرائط المنطقة وتفكيك كياناتها بكلّ ما أوتيت من قوّة دمار هائلة، سعياً إلى بناء “إمبراطوريّة إسرائيل الكبرى”. تعتمد في ذلك على تفوّق عسكريّ نوعيّ، ترسانة نوويّة، والتحكّم بالاقتصادات والأمن عبر “الاتّفاقات الإبراهيميّة” التي يرعاها ترامب ويصرّ عليها.

أمّا النفوذ الإيرانيّ، فعلى الرغم من تراجعه بفعل الضربات الإسرائيليّة التي أعقبت “طوفان الأقصى”، لا يزال حاضراً ومعانداً. في المقابل، لا تُخفي أنقرة طموحاتها لاستعادة نفوذ عثمانيّ محدّث، وسط تحدّيات إقليميّة ودوليّة هائلة.

إقرأ أيضاً: صدمة كاراكاس في طهران

دخلنا القرن الحادي والعشرين من فوق، عبر التكنولوجيا المتقدّمة والذكاء الاصطناعيّ والتطوّر العلميّ الهائل. لكنّنا، من تحت، ما نزال أسرى عقليّة القرون الوسطى التي يحكمها صراع على السيطرة، فوضى قانون وسيادة شريعة الغاب. ما يميّز اللحظة الراهنة ليس عودة الصراع وحدها، بل غياب أيّ آليّة دوليّة قادرة على ضبطه أو احتوائه، بعدما تآكلت شرعيّة المؤسّسات وتراجعت فكرة القانون نفسه، كأنّ حكمة هيراقليطس لا تزال صالحة: “الحرب هي أمّ الكائنات وأبوها”.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…