تفكيك اليمن… مقامرة انتحاريّة؟

مدة القراءة 8 د

وسط انهيار التوازنات في الإقليم وتسارع مشاريع التفكيك، لم يعد العبث بوحدة الدول احتمالاً نظريّاً أو ورقة ضغط تفاوضيّة، بل بات فعلاً سياسيّاً مكتمل الأركان.

 

في خطوة أحاديّة تنطوي على مقامرة كبرى بمصير اليمن والمنطقة، مضى رئيس المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ، عيدروس الزبيدي، إلى إعلان ما سمّاه “الإعلان الدستوريّ لدولة الجنوب العربيّ”، واضعاً نفسه فوق الشرعيّة الوطنيّة والإجماع الإقليميّ، ومفتتحاً فصلاً خطِراً من فصول تفجير الجغرافيا اليمنيّة. وهي خطوة لا يمكن قراءتها خارج سياق أوسع من هندسة الفوضى، ولا فصلها عن شبكات دعم إقليميّ ودوليّ ترى في تفكيك الدول العربيّة استثماراً استراتيجيّاً طويل الأمد، حتّى لو كان الثمن جرّ المنطقة بأكملها إلى صدام مفتوح ومخاض دمويّ طويل.

نصّت المادّة الأولى من الإعلان على أنّ “دولة الجنوب العربيّ دولة مستقلّة ذات سيادة كاملة وعاصمتها عدن”، وأنّ حدودها هي “الحدود الدوليّة لجمهوريّة اليمن الديمقراطيّة الشعبيّة سابقاً”. وحدّد الإعلان مرحلة انتقاليّة مدّتها سنتان، قابلة للتمديد لمرّة واحدة بقرار من الهيئة التشريعية الانتقاليّة، بهدف “تهيئة الظروف لبناء دولة مدنيّة ديمقراطيّة”. ومنح الإعلان رئيس الدولة، الذي قُدِّم على أنّه “الرئيس المفوّض باستعادة الدولة”، صلاحيّات واسعة تشمل رئاسة الحكومة الانتقاليّة، قيادة القوّات المسلّحة، تمثيل الدولة داخليّاً وخارجيّاً، تعيين كبار المسؤولين المدنيّين والعسكريّين، وإعلان حالة الطوارئ. ونصّ على تشكيل حكومة انتقاليّة برئاسة رئيس الدولة تتولّى إدارة شؤون البلاد، توفير الخدمات، وحماية حقوق المواطنين خلال المرحلة الانتقاليّة.

وسط انهيار التوازنات في الإقليم وتسارع مشاريع التفكيك، لم يعد العبث بوحدة الدول احتمالاً نظريّاً أو ورقة ضغط تفاوضيّة، بل بات فعلاً سياسيّاً مكتمل الأركان

تأتي هذه التطوّرات في ظلّ تصعيد سياسيّ وعسكريّ تشهده محافظات جنوب اليمن، وتوتّر متزايد بين المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ من جهة، والحكومة المعترَف بها دوليّاً وأطراف أخرى من جهة ثانية، في وقت لا يزال ملفّ مستقبل الدولة اليمنيّة، ووحدتها أو انفصالها، من أعقد ملفّات الصراع، وسط رعاية إقليميّة ودوليّة لمسارات سياسيّة متعثّرة.

السّعوديّة: لن تدعه يمرّ

لم يمرّ هذا القطع اليمنيّ بدعم إماراتي من دون ردّ فعل سعوديّ موازٍ، خصوصاً بعدما عبّرت الرياض عن غضبها من التحرّكات في اليمن التي تمسّ أمنها القوميّ، وأتبعته بتحرّك عسكريّ ضدّ ميليشيات المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ في حضرموت والمهرة، مرفقٍ بتنبيه دولة الإمارات من مواصلة دعمها للمجلس الانتقاليّ، الأمر الذي يعقّد إدارة الساحة اليمنيّة في ظلّ غياب الإطار السياسيّ الجامع.

أكثر ما يقلق المملكة هو التدحرج المريب في أكثر من بلد عربيّ نحو التفكّك والتقسيم، أو ترسيخ المنازعات الأهليّة، في ظلّ وجود أصابع إسرائيليّة ومشاركة أطراف عربيّة لم تعد تتحرّك في العتمة. وبات السلوك الإسرائيليّ يقوم على مقاربة عميقة تُبنى على استراتيجية إدارة الصراع عبر التفكيك، أو ما يُعرف باستراتيجية “الطوق المتشظّي”، عبر إعادة هندسة الجغرافيا السياسيّة وتفريغ الدول المجاورة من مضمونها السياديّ وإبقائها في حال انقسام، بما يسمح لإسرائيل بالحفاظ على تفوّقها الاستراتيجيّ من دون دفع كلفة الحروب الكبرى، ويمنحها قدرة على التدخّل أو الانسحاب وفق مقتضيات اللحظة. وتتجلّى هذه الحالة في اليمن بمحاولة إيجاد حالة سودانيّة على حدود المملكة السعوديّة الجنوبيّة ومع سلطنة عُمان.

دول من ورق في زمن التّفكيك

بعيداً عن المعطى الإقليميّ الخطِر، ليست فكرة انفصال الأقاليم المتمرّدة عن الأوطان الأمّ حلّاً بحدّ ذاتها، بل قد تكون سمّاً قاتلاً لشعوبها، فالقوميّات أو الجماعات الصغيرة ذات النزعات الانفصاليّة ليست دائماً حركات تحرّر، بل هي في أغلب الأحيان حركات أنانيّة ذات مطامع اقتصاديّة تفضي في نهاية المطاف إلى التفكّك والتشظّي. وإذا نجت هذه الأقاليم من الحروب الأهليّة أو البلقنة، فغالباً لا تنجو من الابتلاع من قبل دول أجنبيّة تستغلّها لحاجاتها الخاصّة لتصبح حبيسة جدرانها.

هكذا حصل مع أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيّة عندما اختارتا الانفصال عن جورجيا عام 2008. فقد تحوّلتا إلى جمهوريّتين مجمّدتين لم تعترف بهما سوى روسيا وعدد قليل من الدول. وحُبس سكّانهما داخل إقليمَين غير معترَف بهما سياسيّاً وقانونيّاً، وحُرِموا التواصلَ مع العالم الخارجيّ، إذ صاروا مواطنين لدولة غير موجودة على خريطة العالم السياسيّة ولا في الأمم المتّحدة. وكانت وسيلتهم الوحيدة للسفر الحصول على الجواز الروسيّ بعد التخلّي عن الجواز الجورجيّ. وبقي الإقليمان تحت الهيمنة الروسيّة التي ابتلعت سيادتهما وكلّ مواردهما، على الرغم من امتلاكهما علماً وحكومة وشرطة. لكن العالم غير مستعدّ للاعتراف بهما حتّى لا تتكرّر السابقة القانونيّة، أو يتحوّلا إلى عدوى وقدوة لأقاليم ونزعات انفصاليّة محلّية مشابهة.

“دولة الجنوب العربيّ” في جنوب اليمن و”جمهوريّة أرض الصومال” في الصومال إقليمان انفصاليّان ينتظرهما مصير أوسيتيا وأبخازيا. سيحصدان العزلة والتقوقع، وحلمهما إقامة جمهوريّة مستقلّة لن يرى النور. وأيّ اعتراف بهما سيكون ثمنه السيادة، وعندها سيكون “الاستقلال” أشدّ وطأة على سكّانهما من التهميش الحاليّ.

لن يمرّ هذا القطع اليمنيّ من دون ردّ فعل سعوديّ موازٍ، خصوصاً بعدما عبّرت الرياض عن غضبها من التحرّكات في اليمن التي تمسّ أمنها القوميّ

اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال يجعلها نافذته الوحيدة إلى العالم، ولن يمضي وقت طويل قبل أن تبتلعه وتحوّله ملعباً لعبثها ومخطّطاتها الجهنّميّة في البحر الأحمر وبحر العرب والقرن الإفريقيّ. والأمر نفسه ينتظر جنوب اليمن، حيث شرع المجلس الانتقاليّ في تقديم عروض التطبيع للدولة العبريّة. وقد ذكرت صحيفة “معاريف” أنّ مصادرها داخل المجلس الانتقاليّ عبّرت عن أمنيتها بأن تقدِم إسرائيل على الخطوة التالية، وهي الاعتراف بـ”الكيان” الذي سيعلنه المجلس.

كيانات على المفترق البحريّ

بالنسبة إلى إسرائيل، يشكّل الإقليمان غنيمة استراتيجيّة كبرى عند المفترق البحريّ الثمين تجعلها قابضة على أهمّ ممرّ في العالم، من المحيط الهندي إلى البحر الأحمر مروراً ببحر العرب وسقطرى. تهوى الدولة العبريّة تفكيك الدول المجاورة والإسلاميّة، ولا تُخفي توقها إلى تقسيم المقسَّم وتجزئة المجزَّأ. وقد كانت سبّاقة إلى الاعتراف بانفصال تيمور الشرقيّة عن إندونيسيا، أكبر دولة إسلاميّة، وكانت المحرّض على الطلاق بين جوبا والخرطوم، والمشجّع الأبرز على مواصلة تقسيم السودان، أكبر الدول العربيّة مساحة. وكانت الدولة الوحيدة التي أيّدت الاستفتاء على استقلال كردستان العراق عام 2017، ولا تنفكّ تشجّع أكراد سوريا والدروز على الانفصال ومنع إعادة ترميم الوحدة السورية، وصولاً إلى إعادة رسم الخريطة العربيّة على مقاسها.

جلّ ما تريده إسرائيل هو ألّا يحظى الإقليمان اليمنيّ والصوماليّ بأيّ اعتراف من الدول العربيّة والإسلاميّة والإفريقيّة، وحتّى الأوروبيّة واللاتينيّة، كي تمعن في القبض عليهما وتسخيرهما لمصالحها. لن تعلن دول العالم اعترافها بهما، إذ إنّ النظام الدوليّ شديد الحساسيّة تجاه النزعات الانفصاليّة. فالدول المتجانسة قوميّاً نادرة، وتصدّع يوغوسلافيا والبلقنة جرح لم يلتئم بعد في أوروبا. وهاجس الاستقلال الكرديّ والصراعات الطائفيّة تقلق دول الشرق الأدنى، كما يقلقها الهاجس الأمازيغيّ في المغرب، والتشظّي القبليّ في الساحل والصحراء الكبرى. أمّا الخرائط الإفريقيّة فقد رُسمت على عجل وخلطت الحابل بالنابل. وتعني إضافة دولة جديدة اضطراباً جديداً وعدم استقرار، وهي وصفة للفوضى وتغيير الخرائط والأنظمة، وقد تكون بمنزلة زلزال في مناطق عدّة. وإن أقدمت دولة عربيّة على مثل هذا الفعل، فستكون الارتدادات السلبيّة عليها فائقة الكلفة، مع التذكير بأنّ معظم البيوت العربيّة أيضاً من زجاج متنوّع وغرف كثيرة، ومن السهل إصابتها بعدوى النزعة الانفصاليّة، ومن يرمِ الأحجار فقد يتلقّى مثلها وأكثر.

إقرأ أيضاً: احتجاجات إيران: ترامب يدعو نتنياهو للتّريّث..

إنّ ما يجري في جنوب اليمن وأرض الصومال ليس شذوذاً عن السياق، بل حلقة متقدّمة في مشروع تفكيك منهجيّ يستهدف إعادة تشكيل المنطقة على أنقاض دولها الوطنيّة. التهاون مع النزعات الانفصاليّة، أو التعامل معها كأمر واقع قابل للاحتواء، هو انتحار سياسيّ مؤجَّل وفتح لباب عدوى لن تسلم منها دولة عربيّة واحدة. لم يعُد الحفاظ على الخرائط ترفاً سياديّاً ولا شعاراً قوميّاً مستهلَكاً، بل بات معركة وجود تتطلّب وعياً جماعيّاً واستجابة عربيّة مشتركة تضع حدّاً لاستراتيجية التفكيك الإسرائيليّة، وتغلق أبواب الاستثمار في الشقوق الداخليّة. الدول التي تُترك لتتآكل من أطرافها لن تُنقذها التسويات المتأخّرة، ومن يراهن على تفكيك غيره سيكتشف متأخّراً أنّ الدور سيأتي عليه، وأنّ الخرائط حين تبدأ بالاهتزاز لا تعرف حدوداً ولا خطوطاً حُمراً.

مواضيع ذات صلة

فنزويلّا البداية في “عقيدة ترامب” الجديدة

لم يمرّ على الولايات المتّحدة رئيسٌ أكثر وضوحاً من دونالد ترامب. قال بصريح العبارة إنّه يريد استعادة “النفط المسروق” في فنزويلّا. تلك هي المرّة الأولى…

دول القرار ودول الأدوار: اليمن نموذجاً

في اجتماعات التحرير في موقع “أساس ميديا”، كان الناشر الوزير السابق نهاد المشنوق، وخلال النقاشات السياسية والتحريرية، حريصاً على توضيح ثابتة أساسية للزملاء في كيفية…

الإمبراطور فتح باب تغيير الأنظمة.. أسرع مما نتوقّع

العالم على أعتاب تحوّلات معرفية هائلة، ستعكس حكماً “هويّتها” على شكل الإمبراطورية التي تحكم الكوكب. وستقدّم ترامب كإمبراطور ذي تجرية غير مسبوقة في “السيطرة على…

اعتقال مادورو: الدّلالات الجيوسياسيّة

لم يكن اعتقال نيكولاس مادورو في كراكاس سابقة في تاريخ علاقات الولايات المتّحدة بالمحيط الأميركيّ. سبق لواشنطن أن تدخّلت عسكريّاً في عدّة بلدان من القارّة…