“داعش”: التّظلّم والمرض والانشقاق بين حمص وأستراليا

مدة القراءة 9 د

تشهد السنوات الثلاث الأخيرة تصاعداً في العمليّات الإرهابيّة المنسوبة إلى تنظيمَي داعش والقاعدة أو أحد التنظيمات أو الجماعات المتفرّعة عنهما أو المنتسبة إليهما. وكانت عمليّات داعش قد تراجعت كثيراً بين 2017 و2020 بسبب الضربة الساحقة التي أصابت مناطق سيطرتها بالعراق وسورية (2014-2018) في الحملة الدوليّة ضدّ الإرهاب التي قادتها الولايات المتّحدة، وشاركت فيها عشرات الدول.

 

 

“داعش” في الأصل تنظيم شديد المركزيّة، ولذلك تراجعت قوّته وعمليّاته عندما ضُربت قيادته. بينما كان “القاعدة” منذ عقدين وأكثر قد تحوّل إلى شبكة ضيّقة الحلقات ويمكن للمجموعات الصغيرة أن تتحرّك كلٌّ على انفراد وإن ظلّت قليلة التأثير بعد ضربتها الكبرى.

لقد ازدادت وتيرة العمليّات باسم “داعش” أخيراً بمقدار خمسة أضعاف وفي مختلف القارّات، وبخاصّةٍ منطقة الساحل الإفريقيّ، لكنّ الأمر لا يخلو من نشاطات عنيفة في الغرب البعيد وفي سورية والعراق: فهل تحوّل “داعش” إلى شبكة أيضاً بدلاً من التنظيم المركزيّ المحكَم؟ ولماذا هذه الوتيرة المتصاعدة في العنف والإرهاب؟

تشهد السنوات الثلاث الأخيرة تصاعداً في العمليّات الإرهابيّة المنسوبة إلى تنظيمَي داعش والقاعدة أو أحد التنظيمات أو الجماعات المتفرّعة عنهما أو المنتسبة إليهما

انقسام “القاعدة”؟

على الرغم من التشابه الأيديولوجيّ التنظيميّ (= السلفيّة الجهاديّة)، أحدثت النشأة والتطوّر واختلاف طرائق العمل تباعداً على الأرض، من المنافسة إلى الصراع والافتراق الحادّ. أتى أوائل “القاعديّين” إلى العراق (وأكثرهم أردنيّون) حوالي عام 2005. وما جاؤوا لأنّ الغزو الأميركيّ أخرجهم من أفغانستان فقط، بل ولأنّ قيادة “القاعدة” تفتّتت بعد هجمات عام 2001 وغيّرت تكتيكها بالتحوّل إلى شبكة متناثرة، واللجوء إلى مواطِن منها إيران. ولذلك حدث تحوّل كبير في حركة التنظيم بالعراق (2005-2007)، إذ استجدّت مشكلتان:

  • الاحتلال الأميركيّ للعراق عام 2003، وفقدَ العراق باعتباره سلطةً سنّيّةً منذ فترة طويلة.
  • القدرة على التحشيد بالداخل العراقيّ بسبب حلّ سلطة الاحتلال الأميركيّ للجيش والشرطة بالبلاد، فصار مئات الآلاف من الضائعين جاهزين للدخول في التنظيمات المسلّحة لمقاتلة الأميركيّين، ولمقاتلة الشيعة.

بسبب التحدّيات المستجدّة بدأ الانقسام بين “القاعديّين” الآتين إلى العراق ومُفتيهم في الأردن وفي العالم. ما كان المُفتون ولا “القاعدة” يريدون الدخول في صراع سنيّ – شيعيّ، بل التركيز على مصارعة الاحتلال. في غضون ذلك ظهرت فكرة إقامة دولة الخلافة الإسلاميّة لدى أمراء المؤمنين بالعراق (2008-2010)، بينما كان “القاعدة” يرى أنّ زمن التمكين لم يأتِ بعد على أثر انهيار سلطة طالبان أمام الغزو الأميركيّ.

هكذا يمكن القول إنّه وسط الاقتتال المزدوج والعنيف في العراق (2006-2010) وفي سورية (2011-2020) حدثت ثلاثة أمور:

  • تراجع التشدّد الأيديولوجيّ (سنّيّ/شيعيّ) لدى “القاعدة”، وقد لجأ عناصرها إلى إيران بينما تصاعدت الممارسات الطائفيّة بالعراق ثمّ سورية ضدّ الشيعة ثمّ ضدّ العلويّين.
  • التحشيد لإقامة الدولة الإسلاميّة، في حين كانت بقايا “القاعدة” بعيدة عن حلم الدولة، وقد توزّع عناصرها في القارّات، وضعفت قدراتهم على القيام بعمليّات. وفي ذلك الوقت (2010) ظهر اسم تنظيم الدولة، وبذلك ظهر نزاعٌ فرعيٌّ جديدٌ بين “القاعدة” الأوّل والمقاتلين ضدّ الأميركيّين والشيعة تحت أسماء متعدّدة.
  • اختلف فرعا التنظيم المقاتلان بسورية والعراق: أصرّ السوريّون (قيادة النصرة) على الاستقلال عن تنظيم العراق الأقوى والبقاء شكلاً على الولاء لتنظيم القاعدة. بينما رأى أبو بكر البغداديّ الذي وحّد كلّ التنظيمات تحت قيادته على إقامة الدولة بالعراق والشام بقيادته.

بقي تنظيم النصرة (الذي تسلّم قيادته أبو محمّد الجولاني فيما بعد) بسورية فقط، بينما اشتدّ ساعد البغداديّ إلى حدٍّ بعيد، بسبب كثرة أنصاره، بما في ذلك في سورية، وإقامة مناطق منفصلة يسيطر فيها التنظيم في العراق وسورية. والطريف أنّه عندما قامت الثورة السوريّة (2011) تنافس التنظيمان (النصرة الذي أعلن انفصاله عن “القاعدة” و”داعش”) في الاستيلاء على القرى والبلدات التي حرّرها الثوّار والجيش الحرّ من قبضة النظام والإيرانيّين.

لكنّ الإيرانيّين والروس استطاعوا إخراج “داعش” من سورية واستولوا على بلدات الحدود السوريّة – العراقيّة، بينما ركّز تنظيم النصرة أو هيئة تحرير الشام في إدلب على مواجهة الثوّار والنظام السوريّ. وما طالت المدّة حتّى أعلن أبو بكر البغداديّ خلافته الإسلاميّة من الموصل (2014)، مستولياً على ثلث الأراضي العراقيّة، وبخاصّةٍ المحافظات السنّيّة.

قبل ثلاثة عقود كانت التنظيمات نفسها وإن بأسماء مختلفة قوميّة أو يساريّة، ومعظمها الآن تنظيمات إجراميّة على حواف الصحراء وفي قلبها

مهاجمة يهود أستراليا

لماذا هذا التطويل في دراسة حالتَي “القاعدة” و”داعش”، بينما المطلوب إيضاح أسباب صعود داعش من جديد؟ لأنّ داعشاً الناشئ بالعراق بعد الغزو الأميركيّ والبالغ ذروة قوّته بين 2014 و2018 تلقّى ضربةً ساحقةً أيضاً في كلّ مراكزه بالعراق، تشبه الضربة التي تلقّاها “القاعدة” بأفغانستان في عامَي 2001 و2002. ضعف القاعدة وما استطاع استعادة قوّته وصار شراذم صغيرة فكريّة وعمليّة موجودة لكنّها لا تؤثّر كثيراً، بينما ضُرب “داعش” بالعراق، وتحوّل إلى مجموعات صغيرة معزولة وصحراويّة بالعراق وسورية. لكنّ مصائره على الرغم من الضربات المستمرّة اختلفت عن مصائر “القاعدة”. ويعود ذلك للوهج والسمعة الاستئصاليّة التي يستمتع بها. ما عاد هناك تنظيم أو شبه تنظيم أو شبكة تتحرّك أو تُوجّه أو تقود خارج العراق وسورية، بل هناك استلهام وتقليد بسبب سمعة “داعش” في القدرة على الفتك والتخويف، ثمّ السمعة الملازمة: سمعة إقامة الدولة الإسلاميّة بعد إلغاء الخلافة عام 1924.

في كلّ دول الساحل الإفريقيّ تنظيم أو أكثر لها اسمٌ خاصٌّ لكنّها تعلن انتماءها لـ”داعش” أو استلهامها منه. وهذه التنظيمات القويّة عموماً ليست تنظيمات أيديولوجيّة وإن أعلنت إرادة إنشاء الدولة الإسلاميّة.

قبل ثلاثة عقود كانت التنظيمات نفسها وإن بأسماء مختلفة قوميّة أو يساريّة، ومعظمها الآن تنظيمات إجراميّة على حواف الصحراء وفي قلبها، عملها الرئيس الاتّجار بالمخدّرات ونهب الثروات وقطع الطريق ومحاولة الاستيلاء على السلطة في النيجر وبوركينافاسو ومالي.

الطريف أنّ هذه البلدان كانت فيها حاميات فرنسيّة ثمّ حصلت انقلابات عسكريّة طردت الفرنسيّين واستجلبت مرتزقة فاغنر من روسيا، والاضطراب والمذابح إلى ازدياد، بل إنّ تنظيم وحدة الإسلام والمسلمين أو ما شابه يوشك أن يستولي على باماكو عاصمة دولة مالي.

قبل أيّام وفيما كان رجلان يفجّران منتدىً يهوديّاً بأستراليا، ويجري تفجير مسجد بحمص من جانب تنظيم داعشيّ يسمّي نفسه أنصار السنّة، كانت الولايات المتّحدة أو قيادتها الإفريقيّة تعلن شنّ غارات قامت بها في سوكوتو بنيجيريا (وليس بالنيجر المجاورة) ضدّ تنظيم داعشيّ، بالتنسيق مع الحكومة النيجيريّة.

فهمنا أسباب هجمات الدواعش في الساحل الإفريقيّ، فهم يطمحون إلى الاستيلاء على السلطة في عدّة بلدان. وفي حمص ليس هدفهم العلويّين، بل إظهار عجز الحكومة السوريّة الجديدة، فهم أعداء منذ عام 2010 على الأقلّ. لكن لماذا الهجمة على اليهود في أستراليا؟

بالطبع لأنّهم يهود، والمهاجمون يريدون إظهار انزعاجهم ممّا حصل في غزّة. أمّا أنّ ذلك يدمّر التضامن العالميّ مع الشعب الفلسطينيّ ويسيء إلى الإسلام، فهذا ما لا يفكّر فيه هؤلاء. لسوء الحظّ، وهو الواقع، الهويّة الإسلاميّة الضخمة جماعيّة. فلو أنّ شخصاً مسلماً بفرنسا متزوّجاً بفرنسيّة وقتلها لأيّ سبب، فسوف يُتّهم بالتوحّش لأنّه مسلم، ولأنّ المعروف عن المسلمين جميعاً أنّهم يضطهدون النساء.

كافحت الدول العربيّة والإسلاميّة التطرّف والعنف باسم الدين، وكذلك فعلت مؤسّساتها الدينيّة ومثقّفوها

جرائم تزيد الضّرر

“داعش” مشكلة لأنّ عنفه الهائل صار ذا جاذبيّةٍ لدى العامّة ولدى قليلي التربية والتعليم، ولدى الذين يميلون للتطرّف بشكل عامّ، والذين يمتلكون مشروعات وخططاً تخريبيّة.

بيد أنّ هذه الجاذبيّة المَرَضيّة تبقى فرعيّة أو جانبيّة. أمّا المشكلة الرئيسة فهي قابليّة الإسلام لاستغلاله في العنف (أو كما كان يقول مالك بن نبيّ: القابليّة للاستعمار) وكما يقول اللبنانيّون: جسمه لبّيس.

يعزّي البعض نفسه بأنّه بين الستّينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي كان كلّ العنيفين يُنسَبون إلى اليسار والماركسيّة اللينينيّة، فلمّا سقط الاتّحاد السوفيتيّ ثمّ سقطت التنظيمات المنفلتة، ظهر التحوّل الاستراتيجيّ الذي يمثّل هنتنغتون أحد أَذرُعه (صراع الحضارات، 1993، 1996)، وصار الإسلام هو الوجهة الجديدة للعنف والإرهاب (لأنّه يمتلك حدوداً دمويّة!). وجاءت هجمات “القاعدة” (2001 و2005) ثمّ حروب “داعش” لتنشر الانطباع أنّ الإسلام دين عنيفٌ أو قابلٌ للعنف إن لم يكن مشجّعاً على العنف ضدّ الآخر القريب والبعيد!

لقد كافحت الدول العربيّة والإسلاميّة التطرّف والعنف باسم الدين، وكذلك فعلت مؤسّساتها الدينيّة ومثقّفوها. لكنّ كلّ اضطرابٍ مع العالم الدوليّ أو مع إسرائيل يرفع من وتائر التوتّر ويطلق موجةً جديدةً من موجات العنف. و”داعش” الآن هو الرمز لهذه التموّجات في العلاقة بالعالم وبقضيّة فلسطين. ولنتذكّر أنّه لا “القاعدة” ولا “داعش” قاما بأيّ عمليّة في فلسطين المحتلّة.

إقرأ أيضاً: إيران والأولويّات الاستراتيجيّة: قبل النّكبة وبعدها!

الجديد في الموقف ليس هجمات “داعش”، بل الحرب في فلسطين وعليها. ولا يقود هذه الحرب أو الحروب في السنوات الأخيرة أحد تنظيمات منظّمة التحرير التي عقدت اتّفاق أوسلو للسلام مع إسرائيل عام 1993، بل تنظيم إسلاميّ هو حركة حماس التي انفردت بحكم قطاع غزّة وانفصلت عن السلطة الفلسطينيّة عام 2007 وشنّت على إسرائيل غاراتٍ تردّ عليها بحروبٍ شاملةٍ، وأدّت آخِرتها (باسم “طوفان الأقصى”) إلى قتل أكثر من ثمانين ألف فلسطينيّ وتخريب ثلثَي عمران القطاع.

إنّ هذه المذبحة الأخيرة هي السبب المباشر لهجوم أستراليا. وسنظلّ عرباً ومسلمين تحت وطأة غيظ وجهل ومرض وجنايات عوامّنا وجهّالنا، الذين يندفعون للثأر من هذا الخصم أو العدوّ أو ذاك بارتكاب جرائم تزيد الضرر علينا في بلداننا وفي العالم، ويموت فيها أبرياء نفقد معهم قابليّة العالم للتضامن مع مظالمنا.

 

هي تظلّمات صارت أمراضاً وانشقاقات في الدين.

لمتابعة الكاتب على X:

@RidwanAlsayyid

مواضيع ذات صلة

محمد بن سلمان… “هندسة التوازن” في وجه جموح العدو و”الشقيق أيضاً”

“السلام ليس غياب الحرب، بل إدارة الصراع“ (ريموند آرون) كانت واحدة من اللحظات القليلة التي تجهّم فيها وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال المؤتمر الصحافي…

أحمد الشّرع.. الأكثر إثارة للجدل

قد تختلف الآراء عند المحلّلين والمختصّين في السياسة الدوليّة على الشخصيّة السياسيّة الأبرز في عام 2025. الاختلاف أمر طبيعيّ، فقد كان عاماً مليئاً بالأحداث والتحوّلات،…

عام 2026: أميركا تدير العالم “لا” إعادة ضياغته

مع اقتراب عام 2025 من نهايته، بدأت ملامح السياسة الأميركيّة للعام التالي تتبلور بوضوح. فإذا كان 2025 قد مثّل عام الاضطراب والتدخّل المباشر عبر ضربات…

2026: أوروبا الخائفة على مستقبلها..

لم تدخل أوروبا عام 2026 بوصفه عاماً عاديّاً في روزنامة سياسيّة مألوفة، بل بما هو مرحلة فاصلة في تاريخها الحديث. فكما أحدث طوفان غزّة تحوّلاً…