“حماس” والمهمّة المستحيلة عام 2026

مدة القراءة 7 د

تجاوزت “حماس” عام 2025 بصعوبة بالغة مع فقدانها أبرز قياداتها في القطاع. لكنّ ما تنتظره في 2026 ليس أقلّ صعوبة، فخطّة ترامب التي أوقفت الإبادة الإسرائيليّة تقضي في مرحلتها الثانية بتفكيك الحركة وإبعادها عن المشهد السياسيّ. وتفتقر الحركة إلى الرؤية المنسجمة مع الواقع الجديد. تحاول ترميم السرديّة. لا تعترف باستشهاد أبي عبيدة قبل تحضير أبي عبيدة جديد، وذلك لإكمال المسيرة.

 

 

في 11 الشهر الأخير من عام 2025، فاجأ رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل الرأي العامّ الفلسطينيّ والعربيّ والدوليّ، في حوار له مع موقع أميركيّ Drop Site، بطلبه من إدارة دونالد ترامب منح “حماس” فرصة مشابهة للّتي منحتها للجهاديّ السابق أحمد الشرع، الذي كان قائداً للفرع السوريّ من تنظيم القاعدة، ومصنَّفاً على لوائح الإرهاب. تحاول هذه المبادرة العجيبة مصادرة المرحلة الثانية من خطّة ترامب وتخطّي متطلّباتها الجوهريّة التي على أساسها أوقفت إسرائيل عمليّاتها العسكريّة في القطاع قبل شهرين، ومن أبرز تلك المتطلّبات تجريد حركة حماس من السلاح، ومن الحكم، ونشر قوّة دوليّة في غزّة تتولّى إدارة القطاع مؤقّتاً ريثما تتشكّل حكومة مستقلّة لا علاقة لها بالحركة. علاوة على ذلك، يعيش مشعل في الخارج منذ عقود، ويُفترض به فهم الطريقة التي يفكّر فيها العالم، لا سيما إدراك العلاقات الأميركيّة المتشابكة والمتداخلة مع مصالح إسرائيل، وعلى رأسها صيانة وجودها وحفظ أمنها. ومن الأمور الأساسيّة التي لا يغفل عنها مطّلِع على الشؤون الدوليّة، وجود فوارق أساسيّة بين الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة وسوريا. وعلى هذا، تنطوي غيرة مشعل من أحمد الشرع على مقارنات ساخرة بين وضعين ومسارين مختلفين جذريّاً، فأحمد الشرع أزاح نظاماً سياسيّاً طاغياً موصوماً بأسوأ الاتّهامات، ومقيّداً بأثقل العقوبات، فيما إسرائيل هي “الطفل المدلّل” في المجتمع الدوليّ، مهما ارتكبت من جرائم موصوفة في القانون الدوليّ. ومع ذلك، تمكّنت المملكة العربيّة السعوديّة بجهود دبلوماسيّة نادرة، خلال حرب السنتين في غزّة، من فرض مسألة “حلّ الدولتين” على طاولة التفاوض مجدّداً، من خلال تحالف دوليّ انضمّت إليه دول أوروبيّة وعلى رأسها فرنسا. ودخل وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان بهذا الملفّ إلى البيت الأبيض، وجعله شرطاً مسبقاً لأيّ تطبيع محتمل مع إسرائيل. من ناحيته، اندرج أحمد الشرع بسرعة ضوئيّة في المجتمعَين العربيّ والدوليّ، وخرج من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة، فاستطاع أن يكسب دعماً سعوديّاً فائق الأهميّة. وعلى هذا الأساس، نال الشرع حظوة لدى إدارة ترامب، وحصل على الفرصة المناسبة لإنهاض سوريا على الرغم من محاولات إيران وإسرائيل، المتقاطعة الأهداف والمتآزرة موضوعيّاً، لإفشال النظام الجديد، وكبح مسيرة الاستقرار الإقليميّ. بسط الشرع روح التسامح في الداخل، فعفا عمّن لم تتلطّخ يداه بدماء السوريّين، مع أنّ المرتكبين لم يتوقّفوا لحظة عن سيرتهم الأولى، وما يزال الشرع حتّى اليوم يتلقّى طعنات من شركاء الوطن، ويكظم غيظه، ويعضّ على الجراح. وأعلن الشرع تصفير النزاعات مع الخارج، فلم ينتقم لتدخّل الميليشيات العراقيّة واللبنانيّة في الصراع السوريّ، بل مدّ يد التعاون المشترك مع الدولتين العراقيّة واللبنانيّة. وفي الملفّ الإسرائيليّ الأكثر حساسيّة، قاوم الشرع نوازع النفس استجابةً لاستفزازات الجيش الإسرائيليّ، منذ اليوم الأوّل للتحرير العام الماضي، وطائرات العدوّ تعربد في سماء الشام، تقصف وتدمّر وتغتال، وقوّاته في البرّ تتوغّل، وتعتقل، وتقتل. وليس ذلك إلّا لأنّ الرئيس السوريّ الذي يريد مشعل مساواته بنفسه في المعاملة التفضيليّة، جعل أولويّته إنهاض سوريا المدمّرة، واستعادة الملايين المشرّدة في أنحاء العالم. فما الذي يعرضه خالد مشعل على الإدارة الأميركيّة، أو ما هي خطّة “حماس” لليوم التالي، وبإزاء المرحلة الثانية من خطّة ترامب؟ ما هي الرؤية الحمساويّة المطروحة لإنقاذ الشعب الغزّيّ من عوامل الرحيل القسريّ وحوافزه المتكاثرة؟ وما هي الأولويّة الآن؟ هل هي لاستعادة الحركة دورها أم لاستعادة الشعب حياته ولو في الحدّ الأدنى؟

الجهد السياسيّ الواقعيّ هو الذي أوصل الرئيس الشرع إلى ما وصل إليه، وإذا أرادت “حماس” اختراق الجدار فما عليها سوى اجتراح أفكار سياسيّة قابلة للتداول وتحريك المياه الراكدة في واشنطن

“حماس” ومحاولة التّرميم

بدلاً من قراءة الدروس المفيدة من عمليّة “طوفان الأقصى”، وما تسبّبت به من أضرار فادحة بالقطاع خاصّة، وبمخيّمات الضفّة الغربيّة استطراداً، تتعامل حركة حماس مع حرب السنتين وكأنّها جولة طبيعيّة من جولات الصراع، وذلك على الرغم من الحرب الإسرائيليّة غير الاعتياديّة، التي قد تكون أسوأ من نكبة 1948. تتوالى البيانات، التصريحات والمواقف، وكأنّ الحرب انتهت. استؤنفت فوراً أعمال الترميم في الجسم القياديّ العسكريّ والسياسيّ والتنظيميّ. صدرت سرديّة ثانية لـ”طوفان الأقصى” تحت عنوان: “روايتنا: “طوفان الأقصى”… عامان من الصمود وإرادة التحرير”. وفي هذه المحاولة الجديدة تحاول “حماس” تقديم المبرّرات المنطقيّة لعمليّة فاقت في مداها وخطورتها وأبعادها وآثارها أيّ عمليّة فدائيّة في تاريخ الصراع. وهذه القراءة المبسّطة هي من نوع التكرار لوقائع تاريخيّة ومعاصرة لا تجيب عن فحوى القرارات التي لم تتّخذها قيادة الجناح العسكريّ للحركة في مواجهة إسرائيل، بل ضدّ الولايات المتّحدة والغرب كلّه في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023. تلتفّ القراءة أو الرواية الثانية حول أسئلة جوهريّة كثيرة هي مثار اهتمام الرأي العامّ الفلسطينيّ أوّلاً، مثل كيف تُخاض حرب تحرير انطلاقاً من شريط ساحليّ ضيّق مكتظّ بالسكّان إلى درجة الاختناق؟ وإذا كانت جزءاً عضويّاً من محور المقاومة، فكيف تنفرد “حماس” بالقتال من دون تنسيق مسبق مع حلفائها؟ ولماذا كانت مشاركة قوى المحور، لا سيما إيران، أقلّ بكثير من مستوى المعركة؟ ولمّا كانت النتائج المادّيّة كارثيّة بكلّ المقاييس، فلماذا تتصرّف “حماسّ وكأنّ شيئاً لم يكن، مع العلم أن لا إعمار بوجود “حماس” وسلاحها وقيادتها في قطاع غزّة؟

هذه المعادلة واضحة وضوح الشمس. ولا يعني ذلك أنّ الخيارات مقفلة تماماً. فالجهد السعوديّ على وجه الخصوص أبقى خيار الدولة الفلسطينيّة قائماً، والموقف المصريّ الحازم منع تهجير سكّان القطاع. وعلى قيادة “حماس” بعد ذلك أن تبني سياساتها الجديدة انطلاقاً من المكتسبات السياسيّة لـ”طوفان الأقصى”، وهي الإنجازات الأساسيّة المحقّقة من خلال ترميم العلاقة مع السلطة الفلسطينيّة والدفع باتّجاه تجديد بنى هذه السلطة وتعزيزها والمساعدة في تصعيد دورها في مسار القضيّة الفلسطينيّة في أدقّ مراحلها، بمعنى أن تقوم الحركة باستغلال أوراقها الباقية لديها لدفع المشروع الوطنيّ الفلسطينيّ إلى الأمام لا لتكرار القديم واستعادة منطق جولات القتال المحدود وتقديم العروض السياسيّة التي تخطّاها الزمان، ومنها طرح هدنة طويلة مع إسرائيل التي لم تعُد بوارد نقاش أيّ شيء سوى  القضاء النهائيّ على المقاومة.

إقرأ أيضاً: سقوط سرديّة المقاومة على طريقة طهران

إنّ الجهد السياسيّ الواقعيّ هو الذي أوصل الرئيس الشرع إلى ما وصل إليه، وإذا أرادت “حماس” اختراق الجدار فما عليها سوى اجتراح أفكار سياسيّة قابلة للتداول وتحريك المياه الراكدة في واشنطن. أمّا المعضلة الراهنة فهي في كيفيّة رؤية “حماس” لنفسها: هل هي أداة بيد الشعب الفلسطينيّ لاستنقاذ حقّه التاريخيّ في الوجود على أرضه، أم هي غاية بحدّ ذاتها، وكأنّها تقول أنا القضيّة، وأنا الشعب، ومن دوني لا يوجد شيء؟

مواضيع ذات صلة

جوزف عون يُمسك بخيط الدولة الوطنية

في الدول المستقرّة، تُفهم رئاسة الجمهوريّة بوصفها ذروة انتظام المؤسّسات، تعبيراً عن توازن السلطات وضمانةً رمزيّة لاستمراريّة الدولة. أمّا في لبنان فليست الرئاسة موقعاً دستورياً…

تركيا 2025: بصمات عام لم تُغلق ملفّاته

لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال…

ترامب.. ماذا فعلت بهذا العالم خلال عام؟

اكتشف العالم عام 2025 نسخة جديدة من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم تكن النسخة بعيدة عن تلك التي كانت إبّان ولايته الأولى، لكنّها بدت أكثر…

إيران: عام طويل من الانتكاسات

قد يكون من الصعب إجراء جردة حساب دقيقة لمسار التطوّرات التي شهدتها الساحة الإيرانيّة في عام 2025 من دون العودة إلى السياق الأوسع الذي سبق…