لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال مفتوحاً على احتمالات وأسئلة مؤجّلة.
ومع وداع 2025 واستقبال 2026، لا تبدو البلاد وكأنّها تنتقل من سنة إلى أخرى، بقدر ما تواصل مساراً واحداً ممتدّاً بأسئلته الداخليّة والخارجيّة التي لم تجد إجاباتها بعد.
يُظهر حصاد عام 2025 أنّ حزب العدالة والتنمية وتحالف الجمهور نجحا في إدارة تحدّيات سياسيّة واقتصاديّة وأمنيّة معقّدة، من دون أن يتمكّنا من تحويل هذا الاحتواء إلى اختراقات سياسيّة أو اقتصاديّة حاسمة. ومع اقتراب 2026، تبدو الحاجة ملحّة إلى استراتيجيات أكثر مرونة وقرارات أدقّ لمواكبة مرحلة لا تحتمل إدارة الوقت ولا الاكتفاء بالحلول المرحليّة.
الاقتصاد المشكلة الأولى
نُقل عن الإعلاميّ والنائب السابق في حزب العدالة والتنمية شامل طيّار تشخيص لافت لأزمة الحكم في تركيا، إذ اعتبر أنّ الاقتصاد بات المشكلة الأولى بعد أربع سنوات من أزمة متواصلة، وتليه أزمة السياسة ذاتها، التي تراجعت فيها قدرات المؤسّسة السياسيّة على التحكّم بأجندتها وإنتاج الحلول. ورأى طيّار أنّ عدم معالجة الخلل في النظام الرئاسيّ أدّى إلى اختلال توازن العلاقة بين الحكم والمجتمع، في وقت تدخل البلاد مرحلة لا تحتمل الأخطاء ولا تنفع معها الحلول الترقيعيّة.
منح عام 2025 تحالف الجمهور في الحكم نقطة تحوّل لافتة في ما سُمّي بـ “مسار الحلّ” في التعامل مع الملفّ الكرديّ، إذ انتقل من إشارات رمزيّة إلى خطوات عمليّة. فبعد مصافحة زعيم حزب “الحركة القوميّة” دولت بهتشلي لنواب حزب “ديم” داخل البرلمان، فُتحت الطريق أمام لقاءات إمرالي حيث عبد الله اوجلان، وإعلان وقف إطلاق النار من قبل “حزب العمّال الكردستانيّ”، ثمّ التخلّي عن السلاح وحلّ الحزب نفسه، وصولاً إلى تأسيس لجنة “التضامن الوطنيّ والأخوّة والديمقراطيّة” في البرلمان. أعادت كلّ هذه الخطوات الملفّ الكرديّ إلى قلب السياسة التركيّة ضمن إطار حوار جديد.
لم يكن عام 2025 في تركيا عاماً عابراً يمكن طيّ صفحته مع تساقط أوراق التقويم، بل شكّل حلقة في مسار سياسيّ واقتصاديّ وأمنيّ ما يزال مفتوحاً على احتمالات وأسئلة مؤجّلة
وعلى الرغم من هذا الإنجاز، يتساءل البعض عن موقف النائب شامل طيّار: هل تجاهل هذه الخطوات نتيجة انشغاله بصعود حزب “الشعب الجمهوريّ” المعارِض عبر المهرجانات الشعبيّة الحاشدة، أم القلق الحقيقيّ أبعد وأعمق ويتعلّق بتوازنات سياسيّة وحزبيّة دقيقة قد تحمل مفاجآت صعبة في العام الجديد؟
واجه “تحالف الجمهور” الحاكم في عام 2025 تحدّيات متزايدة على الصعيد السياسيّ والحزبيّ، بعد تراجع أصواته في استطلاعات العام المنصرم. تكشف أرقام الاستطلاعات الأخيرة عن ولادة تكتّل سياسي ثالث بنسبة 17% من الأصوات، يمثّل “المتردّدين” في خياراتهم الانتخابيّة المقبلة في تركيا. يعني هذا أنّ المواجهة لم تُحسم بعد، وأنّ فرص حزب العدالة والتنمية في استرداد ما فقده ما تزال قائمة، فعلى الرغم من أنّ الكفّة ما تزال تميل لمصلحة حزب الشعب الجمهوريّ المعارض بفارق 4 نقاط ومن التراجع الكبير في أصوات حليف “العدالة والتنمية” اليمينيّ حزب الحركة القوميّة، يعوّل إردوغان على خطوات حاسمة لاستعادة المبادرة وحماية موقعه في السلطة.
2026: تحدّيات استراتيجيّة
مع اقتراب عام 2026، يواجه حزب العدالة والتنمية تحدّياً استراتيجيّاً مزدوجاً: تحقيق فوز حزبه في الانتخابات المقبلة، في وقت قد لا يقرّر إردوغان المشاركة ويقرّر اختيار شخصيّة سياسيّة ستقود المشهد الحزبيّ من بعده. تشير الاستطلاعات إلى منافسة محتملة بين وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الداخليّة السابق سليمان صويلو، مع فارق لا يتجاوز نقطة واحدة، فيما يظلّ نجل إردوغان بلال وصهره سلجوق بيرقدار خيارات بعيدة حتّى الآن.
ليس أوّل ما ينتظرنا في العام الجديد نسيان ما حدث، بل الاستعداد لما سيأتي، مع إدراك أنّ المفاجآت والاحتمالات لا تزال حاضرة بقوّة وعلى كلّ الجبهات
يحتاج حزب العدالة إلى تحالفات تكتيكيّة، سواء مع حزب “ديم” المحسوب على الصوت الكرديّ أو مع القوى اليمينيّة المحافظة، لضمان استمرار السيطرة السياسيّة وتعزيز فرصه في العام الجديد، خصوصاً بعدما تراجعت أصوات حليفه دولت بهتشلي. مع من سينسّق وكيف سيفعل ذلك؟
مع بداية العام الجديد سيشعر حزب العدالة والتنمية أكثر فأكثر بأهميّة وضع خطط وبرامج اقتصاديّة ومعيشيّة جديدة ينتظرها المواطن التركيّ. يدرك حزب إردوغان أنّ الاقتصاد هو العقبة الكبرى التي تعترض طريقه اليوم، وأنّ عام 2026 يستلزم تنفيذ سياسات مرنة تستهدف دعم القطاعات الحيويّة، تعزيز فرص العمل وتحسين القدرة الشرائيّة للمواطنين، ويدرك جيّداً حجم الارتباط والتداخل بين الوضع الاقتصاديّ والاستقرار السياسيّ، وخصوصاً مع تعقيد الملفّات الإقليميّة والأمنيّة التي تتطلّب تنسيقاً بين القرارات الداخليّة والسياسات الخارجيّة لضمان حماية مكاسب الماضي والحفاظ على دور تركيا اللاعب المؤثّر في المنطقة.
تشابك وتعقيد
تبدو تركيا على الصعيدين الإقليميّ والدوليّ أمام تحدّيات معقّدة ومتشابكة في 2026، تشمل الملفّ الفلسطينيّ، سوريا، شرق المتوسّط، العلاقات المتوتّرة مع إسرائيل وأزمة أوكرانيا -روسيا، بالإضافة إلى تعرّض مصالحها في القارّة السمراء للخطر نتيجة التحوّلات والمتغيّرات الحاصلة هناك. من هنا يبرز التحدّي الحقيقيّ في قدرتها على تحويل المخاطر إلى أدوات نفوذ وقوّة. سجّل حزب العدالة والتنمية في العام الماضي تقدّماً في تعزيز التنسيق مع الدول العربيّة والإسلاميّة والولايات المتّحدة، لكنّ أمام أنقرة مهمّة حاسمة لحسم التوتّر مع إسرائيل ومعالجة الملفّات الإقليميّة المتعدّدة، مع الحفاظ على دور اللاعب المؤثّر في المنطقة. تبقى فرصتها المهمّة في كلّ هذه الملفّات والتوازنات الاستثمار في الصناعات الدفاعيّة والتقنيّة التي هي جزء أساسيّ من استراتيجيتها لتعزيز صعود سياساتها الخارجيّة وحماية مصالحها الإقليميّة.
إقرأ أيضاً: الصّراع التّركيّ – الإسرائيليّ: توتّر استراتيجيّ قابل للانفجار
قد يكون العام اكتمل بعدد أيّامه المّتفق عليها ووجد طريقه إلى الذاكرة بوصفه زمناً منتهياً، لكنّ ما حدث في تركيا خلال 2025 لا يقلّ أهميّة عمّا لم يحدث بعد. مع وداع العام واستقبال 2026، تواجه البلاد مرحلة استمراريّة واضحة تتواصل فيها الملفّات السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والإقليميّة التي بدأت العام الماضي تشكيل المشهد المستقبليّ.
سيبقى العام الجديد مفتوحاً على الكثير من الاحتمالات، مع ضرورة متابعة السياسات، تعزيز الاستقرار الداخليّ والتعامل بحذر مع الملفّات الإقليميّة لحماية مصالح تركيا والحفاظ على دور اللاعب المؤثّر.
ليس أوّل ما ينتظرنا في العام الجديد نسيان ما حدث، بل الاستعداد لما سيأتي، مع إدراك أنّ المفاجآت والاحتمالات لا تزال حاضرة بقوّة وعلى كلّ الجبهات.
لمتابعة الكاتب على X:
