ضمّ الضّفّة الغربيّة: التّشريع يلاقي الضمّ الزاحفاً

مدة القراءة 9 د

منذ احتلال إسرائيل للضفّة الغربيّة عام 1967، لم تتوقّف محاولات الحكومات الإسرائيليّة عن ابتكار صيغ قانونيّة وسياسيّة تُكرّس السيطرة على الأرض الفلسطينيّة. إلّا أنّ التطوّرات الأخيرة في الكنيست تشير إلى انتقال فكرة الضمّ من الحلم الأيديولوجيّ وسياسة تغيير الوقائع، إلى مسارٍ تشريعيٍّ فعليّ يُهدّد بإحداث تغيير جوهري في طبيعة الصراع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ.

 

على الرغم من تهكّم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس من فكرة ضمّ الضفّة، صوّتت الكنيست الإسرائيليّة في تمّوز الماضي بأغلبيّة 71 صوتاً مقابل 13 لمصلحة اقتراحٍ غير ملزم يدعو إلى “تطبيق السيادة الإسرائيليّة على يهودا والسامرة”.

بعد أسابيع، أقرّ البرلمان في قراءة تمهيديّة مشروع قانون يهدف إلى ضمّ أجزاء من الضفّة الغربيّة إلى إسرائيل. على الرغم من أنّ هذه الخطوات لا تحمل بعد صفة القانون النافذ، تكشف بوضوح عن تحوّلٍ في المزاج السياسيّ داخل المؤسّسة الإسرائيليّة، حيث بات الضمّ يُطرح كخيار طبيعيّ لا كاستثناء.

كيف تبدو صورة الضمّ في المشهد السياسيّ المقبل؟ ما هو تأثيره على مستقبل الدولة الفلسطينيّة؟  هل ينجح اليمين الإسرائيليّ في الضمّ وتُنجز آخر حلقات تفكيك مشروع الدولة الفلسطينيّة؟

الضمّ قناعة أيديولوجيّة راسخة

تحتلّ الضفّة الغربيّة في الفكر الدينيّ الصهيونيّ أبعاداً دينيّة وقوميّة وأمنيّة. إذ يرى التيّار الدينيّ القوميّ أنّ الضفّة هي قلب “أرض إسرائيل التوراتيّة” التي وعد بها الله بني إسرائيل. تشكّل بنظرهم العمق الاستراتيجيّ الذي تفتقر إليه إسرائيل إذا ما عادت إلى حدود الـ67.

في هذا الإطار، يشرح الباحث الإسرائيليّ ميخائيل ميلشتاين في مقالته المنشورة في صحيفة يديعوت أحرونوت بعنوان “الضمّ هو النظريّة الجديدة”، كيف تحوّلت فكرة الضمّ من شعارٍ سياسيّ إلى قناعةٍ أيديولوجيّة راسخة داخل اليمين الإسرائيليّ.

منذ احتلال إسرائيل للضفّة الغربيّة عام 1967، لم تتوقّف محاولات الحكومات الإسرائيليّة عن ابتكار صيغ قانونيّة وسياسيّة تُكرّس السيطرة على الأرض الفلسطينيّة

يقول ميلشتاين إنّ هذه النظريّة الجديدة “تقوم على افتراض أنّ الظروف نضجت لتنفيذ خطوات الضمّ، وأنّ الرئيس الأميركيّ، مهما تغيّرت هويّته، سيقف دائماً إلى جانب إسرائيل في أيّ سيناريو”. يضيف أنّ هذه الفكرة تعبّر عن “إيمانٍ أيديولوجيّ مفعمٍ بالأوهام والرغبات العاطفيّة” أكثر منها عن رؤية استراتيجيّة مدروسة.

يعكس هذا التحليل تحوُّلاً في بنية التفكير السياسيّ الإسرائيليّ. بدلاً من اعتبار الضفّة منطقةً متنازعاً عليها تخضع للمفاوضات، ينظر إليها الطيف الحزبيّ اليمينيّ في إسرائيل بوصفها “أرضاً إسرائيليّة” تحتاج فقط إلى “شرعنةٍ قانونيّة”. لذلك لا يتردّد نوّاب اليمين في المطالبة بسنّ قوانين لتغيير تسمياتٍ رسميّة، مثل استبدال “الضفّة الغربيّة” بـ”يهودا والسامرة”، في إشارةٍ رمزيّة إلى مفهومها التوراتيّ.

قوانين وتشريعات تلاقي الوقائع

كان قانون تنظيم المستوطنات الذي أقرّته الكنيست عام 2017  خطوةً أساسيّةً على طريق الضمّ الفعليّ. شرعن للمرّة الأولى بؤراً استيطانيّة أُقيمت على أراضٍ فلسطينيّة خاصّة، مانحاً المستوطنين غطاءً قانونيّاً لمواصلة التوسّع. على الرغم من أنّ المحكمة العليا الإسرائيليّة أبطلت أجزاءً من هذا القانون لاحقاً، كانت رمزيّته السياسيّة كبيرة، إذ فتحت الباب أمام عشرات مشاريع القوانين المشابهة.

عام 2025، عاد الملفّ بقوّة إلى جدول أعمال الكنيست. حظي مشروع القانون الذي طُرح في تشرين الأوّل الماضي لضمّ مستوطنات الضفّة بقراءةٍ تمهيديّة بفارق صوتٍ واحدٍ فقط، في إشارةٍ إلى تزايد التأييد البرلمانيّ للضمّ.

أمّا التصويت الرمزيّ في تمّوز فاعتُبر “بالون اختبار” لقياس ردود الفعل الدوليّة، التي بدت أكثر بروداً من السابق.

الضّمّ الزّاحف والضّمّ الفعليّ

يقول باحثون فلسطينيّون إنّ إسرائيل تمارس منذ سنوات ما يُعرف بـ”الضمّ الزاحف”، أي فرض وقائع ميدانيّة تدريجيّة تجعل أيّ انسحابٍ مستقبليّ مستحيلاً. تشمل هذه السياسة توسيع المستوطنات ومصادرة الأراضي وربط البنى التحتيّة بين الكتل الاستيطانيّة داخل إسرائيل وتغيير القوانين التي تنظّم حياة الفلسطينيّين في المنطقة “ج”.

لذلك لا يتردّد نوّاب اليمين في المطالبة بسنّ قوانين لتغيير تسمياتٍ رسميّة، مثل استبدال “الضفّة الغربيّة” بـ”يهودا والسامرة”

آخر مشاريع الربط هذه هي بناء ثلاثة آلاف وحدة استيطانيّة لربط مستوطنة “معاليه أدوميم” بالقدس. يهدف هذا المشروع إلى فصل شمال الضفّة عن جنوبها والقضاء على التواصل الجغرافيّ لمشروع الدولة الفلسطينيّة.

بهذا المعنى، يصبح الضمّ التشريعيّ تتويجاً لمسارٍ طويلٍ من السيطرة الفعليّة على الأرض. وهذا ما تؤكّده أيضاً وزيرة النقل الإسرائيليّة ميري ريغيف، التي قالت في مقابلةٍ مع القناة 22 الإسرائيليّة إنّ وزارتها “تمضي في تنفيذ خطوات ضمٍّ فعليٍّ للضفّة الغربيّة على أرض الواقع”، موضحةً: “أعتقد أنّه في نهاية المطاف ستكون هناك سيادة إسرائيليّة في الضفّة الغربيّة… وعلى أيّ حال، نحن في وزارة النقل نمارس السيادة الفعليّة هناك. إذا نظرتَ ستجد عدد الطرق والإنارة التي نبنيها للمستوطنين”.

تكشف تصريحات ريغيف أنّ الضمّ لا يقتصر على المجال السياسيّ، بل يمتدّ إلى مؤسّسات الدولة الإسرائيليّة التي تتعامل مع الضفّة الغربيّة كجزءٍ لا يتجزّأ من إسرائيل في مشاريعها وخططها الخدميّة.

يؤكّد ميلشتاين في مقالته أنّ هذه المقاربة “تنطلق من قناعةٍ بأنّ الأزمات الاقتصاديّة والأمنيّة والدبلوماسيّة التي قد تنتج عنها، ليست سوى عقباتٍ صغيرةٍ على طريق الخلاص”. يضيف أنّ أصحاب هذا الاتّجاه “لا يرون في الأزمات إخفاقاتٍ تستدعي المراجعة، بل امتحانات مرحليّة لمسارٍ تاريخيٍّ محتوم”.

الدّولة الفلسطينيّة بين الضّمّ ورؤية ترامب

لا يمكن فصل سياسات الضمّ عن النقاش المتجدّد في مستقبل الدولة الفلسطينيّة. تتقاطع المواقف الإسرائيليّة المتشدّدة مع رؤية بعض المفكّرين الإسرائيليّين المقرّبين من اليمين، الذين يرون أنّ فكرة الدولة الفلسطينيّة كما طُرحت في إطار “صفقة القرن” لم تكن سوى شكلٍ رمزيٍّ بلا مضمونٍ سياديّ حقيقيّ.

في مقالةٍ للمؤرّخ الإسرائيليّ إيال زيسر في صحيفة يسرائيل هيوم اليمينيّة بعنوان “الدولة الفلسطينيّة بحسب ترامب”، يكتب أنّ “إسرائيل لا يمكنها الاعتماد على الفلسطينيّين لعدم تخريب عرض ترامب… بل عليها أن تروّج سياسيّاً رؤيةً بديلةً تزيل الظلّ المهدِّد لدولةٍ فاسدةٍ يُراد أن تُقام إلى جانب إسرائيل”.

تكشف تصريحات ريغيف أنّ الضمّ لا يقتصر على المجال السياسيّ، بل يمتدّ إلى مؤسّسات الدولة الإسرائيليّة التي تتعامل مع الضفّة الغربيّة

يضيف أنّ أيّ محاولة لفرض دولةٍ فلسطينيّة كاملة “قد تفتح الباب أمام جولةٍ جديدةٍ من العنف وسفك الدماء بدلاً من تحقيق السلام”.

يعكس هذا الطرح جوهر الموقف الإسرائيليّ الذي يرى في الضمّ خطوةً مكمّلة لرؤية ترامب، لا متعارضةً معها. بدلاً من السعي إلى إقامة دولةٍ فلسطينيّة ذات سيادة، تُطرح بدائل مثل “الحكم الذاتيّ الموسّع” أو “الكيان الإداريّ” تحت السيطرة الأمنيّة الإسرائيليّة. هكذا يتحوّل الضمّ إلى أداةٍ لتفريغ مفهوم الدولة الفلسطينيّة من مضمونه السياسيّ والقانونيّ.

الفلسطينيّون والخيارات المرّة

يرى الفلسطينيون في مشاريع الضمّ وسيلةً لتقويض فكرة الدولة المستقلّة. سيحوّل ضمّ مناطق “ج”، التي تشكّل نحو 60%؜ من مساحة الضفّة، التجمّعات الفلسطينيّة إلى جزرٍ معزولة محاطة بالمستوطنات، ويضع ملايين الفلسطينيّين أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء بلا حقوقٍ سياسيّة داخل دولةٍ يهوديّة موسّعة، أو التهجير القسريّ إلى خارجها.

يقول أحد الأكاديميّين الفلسطينيّين في رام الله إنّ “الضمّ لا يهدّد فقط الجغرافيا، بل ينسف أيضاً فكرة الشرعيّة الدوليّة التي قامت عليها عمليّة السلام منذ اتّفاق أوسلو”. يضيف أنّ “تحويل الاحتلال إلى ضمٍّ قانونيّ يعني نهاية مرحلةٍ كاملةٍ من المراهنة على الحلّ الدبلوماسيّ”.

التّصعيد سيّد الموقف 

على الرغم من الجدل الداخليّ في إسرائيل في كيفيّة تنفيذ الضمّ، تدلّ المؤشّرات على أنّ الاتّجاه العامّ يسير نحو ترسيخ السيطرة القانونيّة والسياسيّة على الضفّة الغربيّة.

في هذا الإطار، يلفت ميلشتاين في ختام مقالته إلى أنّ “الضرر الاستراتيجيّ العميق الذي تسبّبه هذه النظريّة الجديدة سيغيّر ملامح الدولة بالتدريج”، معتبراً أنّ “إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقعٍ سياسيّ لا يمكن السيطرة عليه”.

تحتلّ الضفّة الغربيّة في الفكر الدينيّ الصهيونيّ أبعاداً دينيّة وقوميّة وأمنيّة

تحذّر عدّة دراسات منشورة في موقع معهد دراسات الأمن القوميّ الإسرائيليّ من أخطار نهاية سياسة الانفصال عن الفلسطينيّين، الأمر الذي يهدّد برأيهم بنهاية المشروع الصهيونيّ.

في النهاية، لم يعُد شعاراً أيديولوجيّاً، بل سياسةٌ تتبلور تدريجاً داخل مؤسّسات الدولة الإسرائيليّة. كشف تقرير جديد صادر عن الامم المتّحدة أنّ الاعتداءات التي يتعرّض لها الفلسطينيّون في الضفّة أدّت إلى تهجير ما لا يقلّ عن ثلاثة آلاف منهم.

بالتأكيد، إذا لم تُواجَه سياسة الضمّ والاستيطان والاعتداءات بموقف دوليّ وأميركيّ واضح، فقد تصبح الضفّة الغربية بحكم الواقع جزءاً من إسرائيل قبل أن يدرك العالم خطورة ما يجري.

إقرأ أيضاً: إسرائيل تنتخب بعد غزّة: انعدام الثّقة بالقيادات

هل نرى تحرّكاً واضحاً لوقف الاستيطان وتعطيل إجراءات الضمّ أم تستمرّ سياسة تغيير الوقائع؟

 

* أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@WalidSafi16

مواضيع ذات صلة

محمد بن سلمان… “هندسة التوازن” في وجه جموح العدو و”الشقيق أيضاً”

“السلام ليس غياب الحرب، بل إدارة الصراع“ (ريموند آرون) كانت واحدة من اللحظات القليلة التي تجهّم فيها وجه الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال المؤتمر الصحافي…

أحمد الشّرع.. الأكثر إثارة للجدل

قد تختلف الآراء عند المحلّلين والمختصّين في السياسة الدوليّة على الشخصيّة السياسيّة الأبرز في عام 2025. الاختلاف أمر طبيعيّ، فقد كان عاماً مليئاً بالأحداث والتحوّلات،…

“داعش”: التّظلّم والمرض والانشقاق بين حمص وأستراليا

تشهد السنوات الثلاث الأخيرة تصاعداً في العمليّات الإرهابيّة المنسوبة إلى تنظيمَي داعش والقاعدة أو أحد التنظيمات أو الجماعات المتفرّعة عنهما أو المنتسبة إليهما. وكانت عمليّات…

عام 2026: أميركا تدير العالم “لا” إعادة ضياغته

مع اقتراب عام 2025 من نهايته، بدأت ملامح السياسة الأميركيّة للعام التالي تتبلور بوضوح. فإذا كان 2025 قد مثّل عام الاضطراب والتدخّل المباشر عبر ضربات…