قبل أيام، مرّت الذكرى الثامنة بعد المئة لوعد بلفور، الصادر في الثاني من نوفمبر عام 1917، حين منحت بريطانيا اليهود في العالم وعدًا بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين. تلك الرسالة التي لم تتجاوز سبعةً وستين كلمة، كانت كفيلة بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وتقويض توازناته التاريخية، وإطلاق مسار جديد من الصراعات السياسية والحضارية ما زال يتفاعل حتى اليوم.
لقد شكّل وعد بلفور أقوى وثيقة مكتوبة في التاريخ الحديث من حيث تأثيرها. إذ قسّم الأرض، وأربك التاريخ، وأنتج كيانًا غريبًا عن محيطه، وزرع بذرة احتلالٍ غاصبٍ غير شرعي في قلب العالم العربي. ويبقى السؤال: كيف استطاع هذا النص القصير أن يغيّر وجه العالم؟ ولماذا طُبّق شقّه الأول المتعلّق بإقامة الوطن القومي اليهودي، بينما أُهمل الشق الثاني الذي ينص على حماية حقوق السكان الأصليين غير اليهود في فلسطين؟ وهل كان الوعد في حقيقته وعدين؟ وهل وجد بلفور نفسه عالقًا بينهما؟
تحولات عميقة
صدر الوعد بينما كانت الحرب العالمية الأولى في أوجها، والعالم يمرّ بمرحلة انتقالية صاخبة. كانت المنطقة العربية منهكة بلا صوتٍ ولا نفوذ، والحلفاء يستعدون لاقتسامها وفق اتفاقية سايكس ـ بيكو. في هذا السياق، عبّرت بريطانيا عن نيتها دعم إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وأعلنت ذلك رسميًا في 9 نوفمبر 1917.
وعد بلفور من الناحية القانونية يفتقر إلى أيّ مشروعية
جاء الالتزام البريطاني في الربع الأخير من الحرب العالمية الأولى، حاملاً معه تحوّلاتٍ فكرية وسياسية عميقة، كان من شأنها أن تطمس الشق الثاني من الوعد — ذاك الذي كان من الممكن أن يمنع المآسي والنكبات اللاحقة. لكن الأحداث أعادت في السنوات الأخيرة إحياء النقاش حول هذا الجزء المنسي، خاصة بعد السابع من تشرين الأول 2023، ومع تصاعد الدعوات إلى حلّ الدولتين بقيادة وإصرار السعوديّة. فقد فتح هذا الخيار الباب أمام إمكانية تفعيل الشق الثاني من الوعد، أي إقامة كيانٍ فلسطينيٍّ متوازيٍ في الحقوق والسيادة مع الكيان الإسرائيلي.

منذ اتفاق غزة عام 2025، تزايدت القناعة بأن لا استقرار ولا سلام في الشرق الأوسط دون تطبيقٍ متوازنٍ لكلا شقّي وعد بلفور، رغم ما يحمله من خبثٍ تاريخي. لقد تجاوزت بريطانيا ودولٌ غربيةٌ أخرى حالة الحرج الأخلاقي التي لازمتها لعقود، وحاولت تبرير مواقفها عبر سردياتٍ تزعم أن نيتها لم تكن تهجير الفلسطينيين، بل “خلق كيانين” يعيشان بأمان. غير أن الواقع أثبت أن القوة الصهيونية، والتواطؤ الدولي، قلبا المعادلة، وجعلا من هذا التبرير عذرًا أقبح من الذنب.
مرحلة جديدة؟
إن وعد بلفور، من الناحية القانونية، يفتقر إلى أيّ مشروعية. فقد كانت بريطانيا دولة انتدابٍ لا تملك حق التصرّف بأرض فلسطين أو التنازل عنها، في مخالفةٍ صريحةٍ لأحكام القانون الدولي العام ولنظام عصبة الأمم. لم تلتزم بريطانيا بمسؤولياتها في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية أو إعدادها للاستقلال، بل فتحت الباب لقيام الكيان الإسرائيلي على أنقاضها.
شكّل وعد بلفور أقوى وثيقة مكتوبة في التاريخ الحديث من حيث تأثيرها إذ قسّم الأرض وأربك التاريخ
بعد أكثر من قرنٍ على صدور الوعد، تبدو المنطقة مقبلةً على مرحلةٍ جديدة. فبفضل صمود الشعب الفلسطيني والتغيّرات الدولية والعربية، تعود فكرة “حلّ الدولتين” لتشكّل الإطار العملي لتصحيح المسار التاريخي، بدءًا من قراءة الأحرف المنسية في نصّ الوعد ذاته، الذي جعل بلفور وبريطانيا عالقين بين وعدين: وعدٍ تحقق، وآخر ينتظر تنفيذه.
لقد مثّل وعد بلفور نقطة التحوّل الكبرى في التاريخين اليهودي والعربي. فهو لم يغيّر فقط موازين القوى، بل غيّر طبيعة الوعي العربي ومستقبل المنطقة برمتها. كان ثمرة انتصار القوى الغربية وصعود الحركة الصهيونية وترهّل المشروع القومي العربي، فكرّس خللاً تاريخيًا ما زالت المنطقة تدفع ثمنه.
إقرأ أيضاً: أزمة الحكم الفرنسية: اختبار صعب للجمهورية الخامسة
اليوم، حين تعترف بريطانيا بالدولة الفلسطينية، فإن هذا الاعتراف يشكّل تصحيحًا جزئيًا لخطيئتها التاريخية، وخطوةً في مسارٍ طويلٍ نحو استكمال الوعد الثاني — وعد الحرية والسيادة للشعب الفلسطيني. فبريطانيا وبلفور كليهما، أصبحا بالفعل عالقين في التاريخ بين وعدين: وعدٍ تحقق على حساب العدالة، ووعدٍ ينتظر الإنصاف.
لمتابعة الكاتب على X:
