العراق ينتخب بإشراف إمبراطور “الماريغوانا”

مدة القراءة 7 د

أولى أولويّات طهران بعد النكسات المتلاحقة التي أصابت محورها، ولا سيما انهيار جسرها السوريّ، هي حماية نفوذها في العراق، بوصفه خطّ الحماية الأخير لأمنها القوميّ. تدرك إيران أنّ خسارة بغداد تعني نقل المواجهة إلى داخل أراضيها، لذا تبذل كلّ ما بوسعها لضمان بقاء حكومة عراقيّة موالية تحفظ مصالحها وتحتوي الصدمات الإقليميّة الموجعة. تعمل على إبقاء العراق في إطار فدراليّ هشّ يسهّل عليها التلاعب بالتوازنات بين مكوّناته ويحول دون قيام دولة مركزيّة قويّة قد تهدّد نفوذها.

 

هكذا لم تعُد الانتخابات التشريعيّة العراقيّة في 11 تشرين الثاني المقبل استحقاقاً محليّاً صرفاً، بل باتت مفصلاً حاسماً في المواجهة الجيوسياسية بين واشنطن وطهران.

يفوق اهتمام طهران بهذا الاستحقاق اهتمامَها بانتخاباتها الداخليّة. ليس العراق جاراً لإيران تجمعه بها حدود تمتدّ لأكثر من 1,600 كيلومتر وحسب، بل هو حصنها الأخير اقتصاديّاً وأمنيّاً. لم تتوقّف زيارات المسؤولين الإيرانيّين الكبار، وفي مقدَّمهم أمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي لاريجاني وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، لمقرّات الشخصيّات العراقيّة في بغداد من أجل تقديم “النصح” وتوفير الدعم.

في المقابل يتقاطر قادة “الحشد الشعبي” والأحزاب والفصائل والشخصيّات العراقية إلى طهران لـ”الاستماع” وأخذ “الملاحظات”. تسعى طهران من خلال دعم تحالفات شيعيّة مثل “تحالف الفتح” و”الإطار التنسيقيّ” إلى ضمان موقع مؤثّر في مجلس النوّاب والحكومة المقبلين. تتطلّع إلى الوزارات السياديّة مثل الداخليّة والدفاع والطاقة، وتعدّها مفاتيح لضمان استمرار نفوذها السياسيّ والأمنيّ في العراق.

إمبراطور “الماريغوانا” يُطلق مقاربة أميركيّة جديدة

في المقابل، تتحرّك واشنطن بقوّة غير مسبوقة في الساحة العراقيّة، مدفوعة بزخم رؤيتها لـ”شرق أوسط جديد”. فالرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أوفد مبعوثاً خاصّاً هو مارك سافايا، العراقيّ المسيحيّ الكلدانيّ ذو الخلفيّة التجاريّة المثيرة للجدل، في خطوة تعبّر عن مقاربة أميركيّة جديدة للتعامل مع العراق بعيداً عن القنوات الدبلوماسيّة التقليديّة.

 ليس العراق جاراً لإيران تجمعه بها حدود تمتدّ لأكثر من 1,600 كيلومتر وحسب، بل هو حصنها الأخير اقتصاديّاً وأمنيّاً

شغل وسائلَ التواصل الاجتماعي نشاطُ سافايا التجاريّ المرتبط بإمبراطوريّته لصناعة القنّب (الماريغوانا). سجّل أوّل حضور عمليّ في العراق باضطلاعه بدور محوريّ في المفاوضات الخاصّة بإطلاق الباحثة الإسرائيليّة الروسيّة إليزابيت سوركوف التي ظلّت محتجزة لمدّة 900 يوم لدى “كتائب حزب الله العراقي”.

اعتبرت أوساط عراقيّة أنّ خلفيّته التجاريّة وولاءه السياسيّ وأصوله العراقيّة تمنحه مدخلاً مرناً إلى المشهد العراقيّ المعقّد، وتعبّر عن رغبة ترامب في التفاوض على 3 قضايا محوريّة:

– العقود النفطيّة العراقيّة والتركيز على إدخال الشركات الأميركيّة وتعزيز العلاقة الاستراتيجيّة في مجال النفط والغاز.

العراق

– التفاوض مع القوى المتحالفة مع إيران لتغيير تموضعها.

– الامتداد الصينيّ في العراق.

يعتقد البعض أنّ واشنطن تحاول من خلال دعم المفوضيّة العليا المستقلّة للانتخابات والمنظّمات المدنيّة تعزيز حرّية الانتخابات كوسيلة لكبح النفوذ الإيرانيّ. تراهن على صعود قوى تكنوقراطيّة ومدنيّة أو تحالف وطنيّ معتدل يسمح بإبقاء العراق في حالة “شبه توازن” من دون الانزلاق إلى المحور الإيرانيّ الكامل.

في الواقع أنّ القوى المدنيّة التي خرجت من عباءة انتفاضة تشرين 2019 تلاشى تأثيرها إلى حدّ كبير بسبب الانقسامات والتشرذم في صفوفها والتحاق قادتها بقوى الأمر الواقع، الأمر الذي يترك الساحة الانتخابيّة شبه مفتوحة لقوى المال والسلطة والسلاح.

لذلك يعتقد البعض أنّ واشنطن تتطلّع من خلال هذا التعيين المفاجئ والخارج عن السياقات التقليديّة إلى نهج يعتمد على مفاوضة بعض قوى الأمر الواقع والقوى المسلّحة الأكثر اعتدالاً والأكثر استجابة، ومفاوضتها لنقل بندقيّتها وتموضعها السياسيّ وإغرائها بعوائد العقود الاستثماريّة الكبيرة، والتركيز على شكل الحكومة الجديدة واسم رئيس الوزراء المقبل.

في ظلّ الوضع الراهن الذي تواجهه في العراق، تتّجه طهران إلى اتّباع مقاربة أكثر حذراً وواقعيّة في إدارة العمليّة الانتخابيّة العراقيّة

تفضّل واشنطن ضمناً، على ما يبدو، عودة رئيس الحكومة الحاليّ محمد شيّاع السوداني لتولّي ولاية ثانية. على الرغم من تلقّيه دعماً من فصائل مدعومة من إيران يسعى إلى تحقيق توازن في علاقاته مع كلّ من واشنطن وطهران. ففيما يطالب بحصر السلاح في يد الدولة، وهو شعار تدعمه واشنطن وترفضه الفصائل المسلّحة الموالية لطهران، ينتقد العقوبات الأميركية التي فُرضت على هذه الفصائل.

في آذار 2025، طرح الكونغرس الأميركيّ مشروع قانون “تحرير العراق من إيران”، وقد أتبعت إدارة ترامب ذلك في تشرين الأوّل 2025 بفرض عقوبات على جماعات عراقيّة، مثل حركة “النجباء” و”كتائب سيّد الشهداء” و”أنصار الله الأوفياء” و”كتائب الإمام عليّ”، بعد إدراجها في قوائم الإرهاب.

شكّلت هذه الخطوة ضربة مباشرة لمحاولات إيران دمج “الحشد الشعبي” في مؤسّسات الدولة، وأضعفت شرعيّته داخليّاً ودوليّاً. هذا ما دفع بالسوداني إلى وصف هذه العقوبات بأنّها “قاسية قد تدمّر العراق”، وهو تصريح يعكس حجم القلق داخل بغداد من الانعكاسات الاقتصاديّة والأمنيّة المحتملة.

مقاربة إيرانيّة أكثر حذراً

بالتوازي مع ذلك، تخشى طهران من تحوّل الأراضي العراقية إلى ساحة محتملة لضربها أو لضرب الفصائل الموالية لها من جانب الولايات المتّحدة أو إسرائيل، خصوصاً بعد تقارير تحدّثت عن استخدام المجال الجوّي العراقي في هجمات ضدّ إيران خلال التصعيد العسكريّ الأخير.

تفضّل واشنطن ضمناً، على ما يبدو، عودة رئيس الحكومة الحاليّ محمد شيّاع السوداني لتولّي ولاية ثانية

في ظلّ الوضع الراهن الذي تواجهه في العراق، تتّجه طهران إلى اتّباع مقاربة أكثر حذراً وواقعيّة في إدارة العمليّة الانتخابيّة العراقيّة. لذا لم تلجأ إيران بعد إلى فرض مرشّحين بأعينهم أو التدخّل المباشر في المسار السياسيّ، بل ركّزت على تقوية الكتل البرلمانيّة القادرة على حماية مصالحها داخل البرلمان العراقيّ.

راحت أيضاً تعمل على استخدام أدوات الاقتصاد والطاقة والاستثمار في مشاريع البنية التحتيّة كقنوات للتأثير في المزاج الشعبيّ والقرار السياسيّ العراقيّ، خصوصاً في المناطق الشيعيّة والحدوديّة. بدأت تدرك خطورة الانخراط في ضغوط مباشرة على الحكومة العراقيّة. لذلك تتبنّى مقاربة أكثر حذراً، معتمدة على النفوذ غير المباشر عبر شبكات محلّية من الحلفاء والأطراف السياسيّة الموالية لها، بدلاً من المواجهة العلنيّة التي قد تؤدّي إلى نتائج عكسيّة.

إقرأ أيضاً: الانتخابات العراقيّة: “الحشد” في البرلمان لا الحكومة (2/2)

في المحصّلة، لن تغيّر الانتخابات المقبلة حياة العراقيّين اليوميّة، لكنّها ستكرّس العراق كساحة اشتباك بين واشنطن وطهران. إذا خسرت القوى المقرّبة من إيران نفوذها، فإنّ قدرة طهران على التأثير السياسي والعسكري في العراق ستتقلّص، وستضعف استراتيجيّتها الإقليميّة في مواجهة التحوّلات الجيوسياسيّة السريعة في الشرق الأوسط.

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…