أميركا معزولة… في دعمها لإسرائيل

مدة القراءة 5 د

عندما استخدمت الولايات المتّحدة حقّ النقض (الفيتو) للمرّة السادسة في مجلس الأمن ضدّ قرار يطالب بوقف فوريّ لإطلاق النار في غزّة، لم يكن ذلك إجراءً دبلوماسيّاً روتينيّاً وحسب، بل كشف عن معضلة عميقة في السياسة الأميركيّة: كيف يمكن لواشنطن أن تحافظ على دعمها غير المشروط لإسرائيل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سمعتها كقوّة عالميّة قادرة على توحيد الأطراف حول حلول سلميّة ومنصفة؟

 

على الصعيد الداخلي أصبح الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي جزءاً أساسيّاً من النقاش السياسي اليوميّ في الولايات المتّحدة. تُظهر استطلاعات الرأي انخفاضاً ملحوظاً في دعم العمليّات العسكرية الإسرائيليّة، خاصّة بين الشباب والديمقراطيّين، الذين يرون فيها تجاوزاً للحدود الإنسانيّة.

على سبيل المثال، أظهر استطلاع حديث أنّ حوالي 50% من الأميركيّين يعتقدون أنّ الردّ العسكريّ الإسرائيليّ في غزّة “تجاوز الحدّ”، مقارنة بـ40% في تشرين الأوّل 2023.

في الكونغرس، ترتفع الأصوات المطالبة بتعزيز الرقابة على المساعدات العسكريّة لإسرائيل، مع اقتراح مشاريع قوانين لوقف بعض التحويلات أو ربطها بشرط الامتثال للقانون الدوليّ. تحوِّل هذه الانقسامات حرب غزّة إلى عامل مؤثّر في الانتخابات المقبلة، خاصّة مع تنامي نفوذ الناخبين العرب والمسلمين الأميركيّين الذين يشعرون بخيبة أمل من السياسات الحاليّة.

أمّا خارجيّاً فقد عمّق الفيتو الأميركي الأخير من شعور العزلة الدوليّة لواشنطن. ففي حين صوّت غالبيّة أعضاء مجلس الأمن (14 من 15) لمصلحة الدعوة إلى وقف النار، وقفت الولايات المتّحدة وحدها في العالم العربيّ والإسلامي في المرصاد.  يُنظر إلى هذه المواقف كانحياز كامل لإسرائيل على حساب الاعتبارات الإنسانيّة والقانونيّة، وهو ما يقوّض دور واشنطن التاريخيّ كوسيط فاعل بين العرب والإسرائيليّين.

أدّى الدعم الأميركي الثابت لإسرائيل في حرب غزّة إلى فقدان الولايات المتّحدة لقيادتها الأخلاقيّة التي كانت تتغنّى بها سابقاً على الساحة العالميّة

أدّى الدعم الأميركي الثابت لإسرائيل في حرب غزّة إلى فقدان الولايات المتّحدة لقيادتها الأخلاقيّة التي كانت تتغنّى بها سابقاً على الساحة العالميّة. يرى خبراء ومحلّلون أنّ واشنطن، من خلال تقديم مليارات الدولارات من الأسلحة والحماية الدبلوماسية، على الرغم من الهجمات التي تتسبّب بخسائر وكلفة كبيرة على المدنيين، ومنع المساعدات الإنسانية، كشفت عن نفاق في ادّعائها دعم “النظام القائم على القواعد” وحقوق الإنسان، وهو ما أضعف صدقيّتها الأخلاقيّة وأعطى أعداءها حججاً للتشكُّك في دورها كقوّة خيّرة.

عزلة أميركا

لم يجعل هذا الانهيار في القيادة الأخلاقيّة الولايات المتّحدة أقوى أو أكثر أماناً، بل زاد من عزلتها، خاصّة في الجنوب العالميّ، حيث يُنظر إلى سياستها ككارثة أخلاقيّة واستراتيجيّة.

الولايات المتّحدة

يأتي في هذا السياق مؤتمر نيويورك المرتقب حول حلّ الدولتين، الذي دعت إليه السعوديّة وفرنسا ومجموعة من الدول الأوروبية والعربية بدعم من الأمم المتحدة. يُتوقّع أن يشكّل هذا المؤتمر منصّة جديدة لتعزيز الإجماع الدولي على ضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة، في وقت ترفض واشنطن الانخراط بشكل إيجابيّ في مخرجاته انسجاماً مع مواقف حكومة بنيامين نتنياهو.

يرى مراقبون أنّ امتناع الولايات المتّحدة عن المشاركة الفاعلة، أو محاولتها عرقلة توصيات المؤتمر، سيؤدّي إلى اتّساع الفجوة بينها وبين شركائها التقليديّين، ويعمّق من صورة العزلة التي باتت تلاحقها في المؤسّسات الدولية. الأسوأ أنّ هذا الموقف قد يرسّخ الانطباع بأنّ واشنطن لم تعُد راغبة أو قادرة على قيادة جهد عالميّ منسجم لحلّ النزاع الفلسطينيّ – الإسرائيليّ.

على الصعيد الداخلي أصبح الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي جزءاً أساسيّاً من النقاش السياسي اليوميّ في الولايات المتّحدة

أضاف إلى حدّة هذا الابتعاد للهجوم الأخير على الدوحة، حيث شنّت إسرائيل هجوماً جوّيّاً على قيادة “حماس” في العاصمة القطريّة في أيلول 2025، أسفر عن مقتل خمسة أعضاء من الحركة ومسؤول أمنيّ قطريّ، لكنّ قيادات رئيسة نجت. أثار هذا التطوّر قلقاً شديداً في الدول الخليجيّة والعربيّة، إذ يُرى أنّ الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل قد يعرّض أمنها واستقرارها للتهديد المباشر. بدأ بعض هذه الدول بالفعل في استكشاف بدائل، مثل تعزيز التعاون مع الصين وروسيا، أو إطلاق مبادرات إقليميّة تقلّل من الاعتماد على الغطاء الأميركيّ التقليديّ.

مخاطر تلاحق الوجود الأميركيّ

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الوجود الأميركي في المنطقة مخاطر أمنيّة متزايدة. تعرضت القواعد الأميركيّة في العراق وسوريا لهجمات متكرّرة من ميليشيات مرتبطة بإيران في 2025، مع تصعيد في حزيران وحده. ويتعرّض الأسطول الأميركيّ في البحر الأحمر لهجمات مستمرّة من الحوثيّين، الذين استأنفوا عمليّاتهم ضدّ السفن المرتبطة بإسرائيل في تمّوز 2025.

في إفريقيا، خاصّة في منطقة الساحل والقرن الإفريقي، تواجه المصالح الأميركية تحدّيات أمنيّة متصاعدة مع تزايد الغضب الشعبيّ من السياسات الأميركية في الشرق الأوسط. حتّى في آسيا وأميركا اللاتينية، ينتشر خطاب معادٍ لواشنطن يستخدم صور غزّة كرمز لـ”ازدواجيّة المعايير”، وهو ما يصعّب الحفاظ على النفوذ الأميركي أمام منافسين مثل الصين وروسيا.

إقرأ أيضاً: أميركا ليست بخير: الانقسامات القاتلة

ما يحدث في غزّة ليس اختباراً للسياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط، بل امتحان لصدقيّتها العالميّة ولقدرتها على التوفيق بين أولويّاتها الاستراتيجيّة وقيمها المعلنة. إذا فشلت في ذلك، فلن تقتصر التكلفة على الجانب السياسي، بل ستكون أخلاقيّة أيضاً، وهو ما قد يترك أثراً طويلاً على دورها كقوّة عظمى في النظام الدوليّ.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@mouafac

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…