الثّقة الباريسيّة المفقودة تفتح الباب لانتخابات مبكرة؟

مدة القراءة 6 د

وضع رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو نفسه في حرج دستوري، فيما تمرّ الإدارة الفرنسية بمرحلة دقيقة بدءاً من الحرب الأوكرانية وأزمة المديونيّة الشرسة، إلى المشاكل السياسية المحليّة. تراجعت شعبيّة بايرو بشكل قياسيّ، فيما يخشى من أن تصير رئاسة إيمانويل ماكرون رئاسة أقلّيّة نيابيّة. ماذا تغيّر؟ وما الذي يحدث تحت قبّة قصر البوربون مقرّ الجمعيّة الوطنيّة؟

 

بايرو انتحاريّ الإليزيه الجديد

ترنّحت حكومة بايرو من قبل. لكنّها لم تسقط. كان الأمر مختلفاً. نجت من مذكّرة تشريعية إقصائيّة. كانت يساريّة الهويّة. كُتب لها عمر إضافيّ لعدم  رغبة انضمام اليمين المتطرّف إلى أقصى اليسار في التصويت ضدّها. يتّهم الاشتراكيون بايرو بعدم التزام معايير التوافق على تفصيلات سنّ التقاعد وسياسة التقشّف بالنقاش البرلماني. هذا مع امتعاضهم من لجوء حكومات عهد الرئيس إيمانويل ماكرون إلى المادّة  49.3 من الدستور، التي تسمح للحكومة بتمرير مشاريع القوانين، من دون الاحتكام إلى التصويت في البرلمان.

يصف اليسار فرانسوا بايرو بالرجل الذي هُزم في الانتخابات. بات لا يشكّل سوى أقلّية في البرلمان، وأضحى رهينة اليمين وحزب الخضر اللذين اعتمد عليهما في التصويت له.

لم يعد يرى اليمين أيّ سبب وجيه لدعم هذه الحكومة. كان قد تحفّظ عنها من قبل، ورفض إسقاط بايرو لتجنّبه دخول مرحلة تصريف أعمال غير مجدية، وتشكيل حكومة جديدة غير مفيدة، فيما كان منشغلاً بالدعوى القضائية واتّهامات الفساد والاختلاس.

كان ذلك قبل مرور سنة على الانتخابات البرلمانية الأخيرة. لكنّ الأمور تغيّرت الآن وخسر اليمين الدعوى أمام القضاء. انقضت مرحلة السنة على آخر انتخابات، فخلع اليمين تحفّظه لعدم التناغم التشريعي والتعايش الحكومي، وعاد إلى موقفه الأساس الداعي إلى إسقاط الحكومة والضغط لإجراء انتخابات برلمانيّة.

ينطبق مصطلح رئاسة الأقلّيّة على ولاية ماكرون. بدأ العهد الأوّل مع أكثريّة نيابية، وأضحى حاليّاً محاطاً بأغلبيّة برلمانيّة تعارضه

أفلت فرانسوا بايرو من مذكّرة اليسار الأخيرة، لكنّه فخّخ نفسه بنفسه. جعل من منصب رئيس الوزراء، كما العادة، انتحاريّ الإليزيه الدائم. يواجه الانتحاريّ التنفيذي بايرو الحلفاء والمعارضين حتّى المستقلّين الرماديّين، ضمن خطّة خطرة. إذا نالت الحكومة الثقة، وهو أمر مستبعد إلى الآن، إن لم نقُل مستحيلاً، فسيعود بايرو أقوى لحكم الفترة الإضافية. أمّا إذا لم يحتفظ بها، وحُجبت عنه، فسيقوم الرئيس ماكرون بالانقلاب الكبير من خلال الدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانيّة جديدة.

سيكون الهدف منع مارين لوبن من إحراز تقدّم نسبيّ للفوز بالأكثريّة وعدم السماح لليسار بدخول الماتينيون (مقرّ رئيس الوزراء).

الأزمة أبعد من ثقة وزاريّة

يعلم العارفون أنّ الاتّكال على جمعيّة وطنيّة منقسمة على ذاتها من أجل نيل ثقة برلمانيّة أمرٌ معجونٌ بالمخاطرة الكبيرة.

في الظاهر، الأزمة هي مشاكل الحكومة وسياسات العهد مع الكتل البرلمانية، التي تعكس مزاج الأحزاب والمستقلّين. لكن في الجوهر هي اضطراب مغاير يعبّرعن ضيق في ملاءة العلاقة بين الرئاسة والبرلمان، خاصّة أنّه مجلس نيابيّ عجيب. تقع ضحيّته كما العادة مؤسّسة مجلس الوزراء بشخص رئيسها الذي يحمل على كتفيه عبء ومسؤوليّة سياسات القصر الرئاسي، ولذا تتمّ التضحية به إفساحاً في المجال أمام بدايات جديدة.

يعمل الاشتراكيّون لدخول قصر الماتينيون، والقبض على منصب رئاسة الحكومة. يعتبرونه حقّهم المكتسب. فيما يضغط اليمين المتطرّف لإجراء انتخابات  جديدة. يريدون دخول الجمعيّة الوطنية من جديد بأكثريّة نسبيّة. ويسعى اليسار مع ضعفه إلى عزل ماكرون، والدفع إلى إجراء انتخابات رئاسيّة مبكرة.

ماكرون

يضع فرانسوا بايرو مصير الحكومة على المحكّ. يغامر حتّى يدرك الجميع الوضع الماليّ والسياسيّ والاقتصاديّ. قد يجبَر على الاستقالة ومغادرة الماتينيون، بعد المرور بفترة تصريف الأعمال، وتكليف الرئيس ماكرون خلفاً له. هذا في حال جاءت نتيجة التصويت غير مؤاتية، وإذا لم يحصل على الأغلبيّة، وهو الأمر المرجّح.

مجموعة ماكرون تقرّ بوجود تناقض في الأداء بين الجدّية والشجاعة من جهة، والضعف والتردّد من جهة أخرى

ثمّة ثلاثة أبعاد لهذا الاستحقاق بين الفرنسيّين:

1- مجموعة ماكرون تقرّ بوجود تناقض في الأداء بين الجدّية والشجاعة من جهة، والضعف والتردّد من جهة أخرى.

2- أنصار مارين لوبان أضحوا مقتنعين بأنّ بايرو غير صادق، ويجبر البسطاء والفقراء على دفع الثمن، وهو ما يؤجّج الغضب الاجتماعي.

3- رفاق زعيم اليسار جان جاك ميلانشون باتوا يشتكون من تراجع أخلاقيّ، تزيّنه مصطلحات منمّقة مليئة بالأكاذيب ونماذج تعابير اليمين القديم.

مرحلة رئاسة الأقلّيّة

تجسّد قضيّة بايرو أزمة ثلاثيّة، سياسيّة واجتماعيّة، وتمثيليّة أيضاً، وتتجاوز بكثير إشكاليّة العلاقة بين الحكومة والبرلمان. تثير تساؤلات عن علاقة الثقة ليس في الحكومة فقط، بل في النظام بين مؤسّسات الحكم والمواطن.

ينطبق مصطلح رئاسة الأقلّيّة على ولاية ماكرون. بدأ العهد الأوّل مع أكثريّة نيابية، وأضحى حاليّاً محاطاً بأغلبيّة برلمانيّة تعارضه، والبعض منها يخاصمه، وفئة تتعامل معه على القطعة داخل جمعيّة وطنيّة مقسّمة إلى عدّة برلمانات. يزيد ذلك من الضغط الحكومي ودخول البلاد في مرحلة من اللاستقرار الوزاريّ. يبرز الفشل في التواصل السياسي، الاختلال في الديناميكيّة المؤسّساتيّة وانعدام الثقة بالهيكليّة الضامنة، وخاصّة ناحية النخب، يغذّيها شعور بعدم الأمان الاجتماعي وفقدان صدقيّة الخطاب السياسي.

إقرأ أيضاً: المتغيّرات بين سايكس- بيكو ويالطا وألاسكا

يواصل رئيس الجمهوريّة دستوريّاً وبحكم صلاحيّاته ممارسة شكل من أشكال الهيمنة على رئيس الحكومة والوزراء. ولكنّه يواجه صعوبة في التعامل مع البرلمان. يفقد القدرة أمام كتلة من الأغلبيّة السلبيّة، لم يكتسبها إلّا نسبيّاً، وبناء على تحالفات مشرذمة تشريعيّاً وغير ثابتة. وهو ما يُدخل البلاد في مزيد من التناقضات المتفاقمة الرئاسية والوزاريّة والتشريعية. قد تؤدّي إلى سقوط إضافيّ لكلّ معايير الثقة بالمؤسّسات الدستوريّة الفرنسيّة.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@ElMehiedine

مواضيع ذات صلة

مجلس الوزراء: كسب الوقت على صفيح ساخن

بانتظار تداعيات المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة، يبدو لبنان كالسفينة التائهة في البحر تضربها الأمواج من كلّ صوب. لا يزال لبنان كياناً لا يقوى على الوقوف…

لا حماسة دوليّة لتعويم مؤتمر دعم الجيش

على وقع السباق بين الحرب والمفاوضات النوويّة، يتحرّك الملفّ اللبنانيّ، الذي سيكون واحداً من ساحات تجلّيات النتيجة التي ستخلص إليها مفاوضات عُمان، سواء سلكت طريق…

“الحركة” تخسر كلّ أوراقها: هل وقعت في فخ ترامب؟

حركة حماس خارج السلطة في غزّة رسميّاً، إلّا أنّ خطابها السياسيّ بات أيضاً خارج الواقع الذي صنعته عمليّة طوفان الأقصى في 7 تشرين الأوّل 2023….

أسرار إدراج الكويت 8 مستشفيات لبنانيّة على القائمة السّوداء

لا يأتي قرار الكويت إدراج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمتها الخاصّة بمكافحة الإرهاب من خارج السياق. سبق لوزير داخليّتها الشيخ فهد اليوسف أن كان واضحاً…