بدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعبارات قاسية وقرارات متسرّعة ما استثمره أسلافه من جهد ووقت وتنازلات في بناء علاقات مع الهند وتهيئتها كي تكون القوّة الديمقراطيّة الموازنة للصين في آسيا.
تغيّر كلّ شيء في مطلع الصيف، عندما وصف الرئيس الهند بـ”الاقتصاد الميت”، وعاقبها برسوم جمركيّة خانقة لشرائها النفط الروسيّ. رفضت نيودلهي “الإذلال الوطنيّ” ودفعها غضبها إلى إعادة النظر بعلاقتها بواشنطن، والبحث عن مسارها الخاصّ وشركاء جدد. ولم تتردّد في أن تخطو خطواتها الأولى في الاتّجاه الجديد نحو منافستها الأبرز والخصم الأكبر لأميركا: الصين، وتعميق علاقتها بروسيا.
الانقلاب من الودّ إلى الخلاف
أوّل شرارة تحوّل الودّ المتبادل والعناق الحارّ بين ترامب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إلى خلاف، كانت في حزيران الماضي عندما ادّعى الرئيس الأميركي أنّه أوقف النزاع العسكري الأخير بين الهند وباكستان، وطلب من المسؤول الهنديّ أن يرشّحه لنيل جائزة نوبل للسلام على غرار ما فعلت إسلام آباد. فما كان من مودي سوى الردّ خلافاً لرغبة ترامب والتشديد على أنّ وقف النار في حرب الأيّام الأربعة جاء بناءً على اتّصالات ثنائية مباشرة، من دون أيّ دور أميركيّ.
حاول البيت الأبيض تخفيف حدّة التوتّر عبر ترشيح سيرجيو غور، أحد المقرّبين من ترامب، سفيراً في الهند، مع تكليفه أيضاً مهمّة “مبعوث إقليمي”. لكنّ نيودلهي رأت في الجمع بين “الهند وباكستان” تحت لقب “إقليميّ” إهانة إضافيّة. وزاد الطين بلّة الإعلان الأميركي لصفقة مع الدولة الخصم للهند، باكستان، لتطوير احتياطاتها النفطية.
مع بدء سريان الرسوم الجمركيّة الأميركيّة، سيواجه الاقتصاد الهندي ضغوطاً شديدة متزايدة
لم تمضِ أسابيع على الطلب والردّ المضادّ، حتّى صعّد ساكن البيت الأبيض بإعلان فرض رسوم جمركيّة بنسبة 25 في المئة على الواردات الهنديّة، قبل أن يضيف 25 في المئة أخرى بسبب شراء نيودلهي النفط الروسي، لتصل النسبة إلى 50 في المئة.
برّر البيت الأبيض الخطوة بأنّها جزء من معاقبة روسيا والتأثير على مصادر تمويل حربها، ووصف أحد مساعدي ترامب بيتر نافارو الهند بأنّها تستغلّ الحرب لشراء النفط الروسيّ بأسعار مخفّضة وبيعه إلى أوروبا، وقال إنّ “الهند ليست سوى مغسلة ملابس للكرملين”.
لكنّ العقاب الأميركي لم يشمل دولاً أخرى تشتري النفط الروسي، ولا سيما أكبر المشترين الصين. واقتصر الأمر على الهند والبرازيل التي يخوض رئيسها لولا دا سيلفا خلافاً سياسيّاً حادّاً مع ترامب. لذا بدت معاقبة نيودلهي أيضاً سياسيّة بامتياز.

ترافقت العقوبات الجمركية مع تضييق أميركيّ على حاملي تأشيرات العمل “إتش -1بي”، ومعظمهم من الهنود، وتشديد القيود على تأشيرات الطلّاب الأجانب الذين يشكّل الهنود ربع عددهم الإجمالي، وسبق ذلك ترحيل مئات الهنود مكبّلين بالقيود على متن طائرات، فتسبّب ذلك بإحراج بالغ لمودي بينما كان يستعدّ لزيارة واشنطن في شباط الماضي.
مع بدء سريان الرسوم الجمركيّة الأميركيّة، سيواجه الاقتصاد الهندي ضغوطاً شديدة متزايدة يُمكنها أن تبطئ وتيرة النموّ الاقتصادي، وتبدو العلاقات الأميركية مع باكستان، في أعقاب المواجهة العسكرية في أيّار، وكأنّها تتعزَّز أكثر فأكثر، ومعها تشعر الهند بأنّها أقلّ أهميّة وأكثر هامشيّة في مشهد جيوسياسي معقّد.
بدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعبارات قاسية وقرارات متسرّعة ما استثمره أسلافه من جهد ووقت وتنازلات في بناء علاقات مع الهند
مودي يقلب الصّفحة
مع دخول الرسوم الجديدة حيّز التنفيذ، واستمرار مستشاري ترامب في انتقاد الهند ووصف مقاربتها التجارية بـ”المتعجرفة”، اختار رئيس الوزراء الهندي قلب الصفحة. أطلق شعار “الاكتفاء الذاتيّ” وأعاد إحياء حملته “صنع في الهند” بديلاً عن الرهان على اتّفاق تجاريّ مزمع مع واشنطن.
بيد أنّ التحوّل الأكبر كان حين حطّ رحاله في الصين للمرّة الأولى منذ سبع سنوات والتقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين معاً في مدينة تيانجين الساحليّة في تحدٍّ واضح لواشنطن. وشكّلت هذه الخطوة المفاجئة كسراً لخطوط التنافس الجيوسياسي، وتجاوزاً أيضاً للتوتُّر القائم في علاقات بلاده ذاتها بالصين.
كانت العلاقات قد توتَّرت بين نيودلهي وبكين على خلفيّة مناوشات حدوديّة عند جبال الهيمالايا عام 2020، إلى حدّ جعل البلدين يُنفِّذان تعبئة عسكريّة جزئيّة، فحشد كلّ منهما حوالي 50 ألف جندي في نقاط الاحتكاك، بالإضافة إلى وقف رحلات الطيران المُباشرة بينهما. ولم يكن ذلك سوى فصل في صراع ممتدّ على مدار عقود على أطول حدود دوليّة لم يتّفَق على ترسيمها بشكل نهائي إلى اليوم.
شكّل اللقاء مع بوتين تجاهلاً للتحفُّظات الأوروبية على الاحتفاء بالرجل الذي غزا أوكرانيا، وضرباً بعرض الحائط لتحفُّظات واشنطن على العلاقة القويّة والتاريخية بين الهند وروسيا. ورثت الهند شراكة عميقة مع موسكو منذ نهاية الحرب الباردة، لم يُغيِّرها سقوط الاتّحاد السوفيتي، على عكس دول كثيرة أدارت ظهرها لروسيا في الثمانينيّات والتسعينيّات، ولا تزال الهند إلى اليوم المشتري الأكبر للسلاح الروسي في العالم، في حين تعدّ موسكو مورّد الأسلحة الأهمّ للقوّات المسلّحة الهندية خلال السنوات السابقة.
“تعدّد الانحيازات” وتنويع الشّراكات
قبل ترامب استثمرت إدارات بيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما وجو بايدن رأس مال دبلوماسيّاً ضخماً لجذب الهند إلى الفلك الأميركي. وصفتها تباعاً بأنّها “حليف طبيعي” و”أخ في قضيّة الحرّية” و”شريك استراتيجيّ أساسيّ لهذا القرن”. نظرت واشنطن إلى الهند كسوق ناشئة ضخمة وواعدة، وثقل موازن محتمل للصين، وشريك رئيسيّ في الحفاظ على أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وقوّة صاعدة من شأنها أن تعزّز نظاماً دوليّاً قائماً على القواعد. وأبرمت مع نيودلهي اتّفاقاً للتعاون النوويّ السِّلميّ عُدَّ إقراراً بالبرنامج النووي الهندي الذي رفضت الولايات المتّحدة الاعتراف به قبل ذلك. وتخلّت الهند عن شكوكها تجاه واشنطن، واقتربت منها بثبات.
حاول البيت الأبيض تخفيف حدّة التوتّر عبر ترشيح سيرجيو غور، أحد المقرّبين من ترامب، سفيراً في الهند
اعتقدت نيودلهي أنّها كانت شريكاً لا غنى عنه للولايات المتّحدة في ما يتعلّق بالمنافسة الأميركية الصينية والصراع الجيوسياسي في المحيطين الهندي والهادئ. غير أنّ سياسات ترامب أطاحت بهذه التراكمات، فوجدت نيودلهي نفسها قوّة ثانويّة في الحسابات الأميركية الجديدة، القائمة على التفاوض مع القوى الكبرى فقط وتجاهل الدول المتوسّطة.
هذا ما دفعها إلى العودة إلى سياسة “تعدّد الانحيازات” لحماية نفسها من تقلّبات إدارة البيت الأبيض، أي بناء شراكات متعدّدة مع رفض التحالفات العسكريّة الصريحة. فهي تتعاون مع الولايات المتّحدة وإسرائيل، وتحافظ على علاقاتها مع روسيا وإيران، وتسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز حضورها في “الجنوب العالميّ” عبر الشراكة مع البرازيل وجنوب إفريقيا وغيرهما.
لا يعني الانفتاح الجديد على بكين تجاهل الخطر الصيني، بل محاولة التعامل معه مباشرة بدل التحالف مع واشنطن وإقلاق جارها العملاق. الصين، من جهتها، قد تجد مصلحة في التفاوض مع الهند وتخفيف سياساتها العدائية إذا أدركت أن نيودلهي تفضّل الحوار الثنائي على الارتهان لتحالف أميركي.
مع ذلك، يبقى ملفّ الحدود غير المرسّمة ودعم بكين الثابت لباكستان عقدة صعبة لا تختفي بسهولة. ولذا يظهر التفاعل الاقتصادي بين العملاقَيْن مُحفِّزاً كافياً لاستعادة العلاقات الودّية بينهما، لاسيما أنّ الهند قد تحتاج إلى الصين اقتصاديّاً أكثر في ظلّ جمارك ترامب.
إقرأ أيضاً: ضمّ الضّفّة: طار أوسلو… هل طارت الدّولة؟
في المحصّلة، دفعت سياسات ترامب الهند إلى الانخراط بجدّيّة في صوغ نظام عالمي متعدّد الأقطاب تسعى فيه إلى أن تكون قطباً قائماً بذاته، متحرّكاً بين القوى الكبرى ببراغماتيّة، متمسّكةً بأمل أن يتيح لها ذلك تعزيز مكانتها كقوّة عالميّة صاعدة.
