الحرب الرّوسيّة – الأوكرانيّة: التّاريخ يتحدّى الجغرافيا

مدة القراءة 6 د

منذ أن اندلعت الحرب الروسيّة – الأوكرانيّة، والعالم يقف على تخوم سؤالٍ لا يجد له جواباً مقنعاً: متى ينتهي هذا النزيف؟ فالحروب الكبرى لا تنتهي بالصدفة ولا بالصدمة، بل تحتاج إلى مناخ تاريخيّ كامل لكي تُطوى صفحتها. وما جرى أخيراً من فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في إقناع فلاديمير بوتين بقبول وقفٍ لإطلاق النار، ليس تعثّراً في مفاوضات سياسية وحسب، بل هو مؤشّر إلى أنّ هذه الحرب تجاوزت لغة الوسطاء وأضحت كينونةً قائمةً بحدّ ذاتها، كأنّها جغرافيا جديدة للعالم، أو مرآة تعكس اختلال التوازن بين القوى العظمى.

 

في المشهد التقليديّ للحروب بدايةٌ واضحة ونهايةٌ متوقّعة: معركة تنتهي بمنتصر ومهزوم، باتّفاق سلام أو استسلام مذلّ. أمّا في الحرب الأوكرانية، فإنّ الزمن يتمدّد بلا نهايات، ويتحوّل الصراع إلى فصلٍ مفتوح من رواية لم تكتمل، حيث لا تكفي قوّة السلاح ولا مهارة الدبلوماسية لإغلاق الصفحة. هنا بالذات تبرز المفارقة: بلد صغير نسبيّاً من حيث الجغرافيا والسكّان، لكنّه تحوّل إلى مسرحٍ يعيد تشكيل خريطة العالم، ويختبر حدود الصبر الغربي وحدود المخيال الروسيّ معاً.

إنّ فشل دونالد ترامب في إقناع فلاديمير بوتين لا يُقرأ بمعزل عن تحوّلات الداخل الأميركي نفسه. فالولايات المتّحدة لم تعُد قادرة على صياغة “صفقات القرن” كما اعتادت، بل غدت غارقة في جدل داخليّ يعكس اهتزاز ثقتها بذاتها. وبوتين، الذي يعرف تماماً كيف يقرأ لحظة الوهن هذه، لم يعُد مستعدّاً لأن يُملي عليه أحد نهاية الحرب، لأنّه بات يراها معركةَ وجود لا نزاعاً حدوديّاً وحسب. إنّ حرب أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا ليست حرباً على جغرافيا، بل على التاريخ والهويّة، على امتداد الإمبراطورية الذي لا يقبل القَصّ أو البتر.

الأفق في هذه الحرب ليس خطّاً مستقيماً ينتهي عند نقطة واضحة، بل هو متاهة تزداد تشعّباً كلّما حاول أحد أن يختصرها

حرب بين زمنَين

في العمق، ما نشهده ليس صراعاً بين دولتين، بل بين زمنين: زمن ما بعد الحرب الباردة الذي حلم الغرب بأنّه سيبقى ملك يديه، وزمن جديد تفتتحه روسيا، حيث يتمرّد الشرق على أحاديّة الغرب ويعيد التوازن إلى معادلة مضطربة. من هنا نفهم لماذا تبدو محاولات إقناع بوتين أشبه بمحاولة إقناع التاريخ بالتوقّف: الأمر يتجاوز الرؤساء والاتّفاقات، ويدخل في جوهر الصراع على هويّة القرن الحادي والعشرين.

أوكرانيا، في هذا السياق، ليست أرضاً مهدّدةً وحسب، بل هي مرآة. في مرآتها يرى الغرب هشاشته، ويرى الروس أطياف ماضيهم الإمبراطوريّ. صارت أوكرانيا مختبراً للتاريخ، حيث تُختبر الأسلحة الحديثة بقدر ما تُختبر التحالفات والقيم. ومن هنا تأتي خطورة هذه الحرب: إنّها ليست فقط حرباً على الجغرافيا، بل على المعنى، على السرديّة التي سيُكتب بها القرن الجديد نفسه.

لكن أين هو الأفق إذاً؟

الأفق في هذه الحرب ليس خطّاً مستقيماً ينتهي عند نقطة واضحة، بل هو متاهة تزداد تشعّباً كلّما حاول أحد أن يختصرها. كلّ مبادرة سلام تبدو مثل حبل قصير في بئرٍ عميقة. فالمفاوضات التي تبدأ من برلين أو أنقرة أو واشنطن، تنتهي غالباً إلى صدى الكلمات ذاتها: “وقف إطلاق نار مؤقّت”، “ممرّات إنسانيّة”، “تبادل أسرى”. أمّا السؤال الأكبر، أي سؤال الأمن الأوروبي والهويّة الروسيّة ودور الولايات المتّحدة، فيبقى بلا جواب.

صارت أوكرانيا مختبراً للتاريخ، حيث تُختبر الأسلحة الحديثة بقدر ما تُختبر التحالفات والقيم

من هنا نفهم أنّ فشل ترامب ليس فشلاً لشخصه بقدر ما هو فشل لفكرة الوسيط الأميركي القادر على فرض الحلول. بوتين لم يعُد ينظر إلى واشنطن كمرجع، بل كمنافسٍ يجب استنزافه في الميدان الأوكرانيّ، حيث تتحوّل أوكرانيا إلى ساحة تصفية حساباتٍ كبرى لا نزاعٍ إقليميّ فقط. وحتّى الداخل الأميركي الذي كان ينظر إلى ترامب باعتباره “صانع صفقات”، يكتشف الآن أنّ الصفقة التي تتجاوز حدود الأطلسي ليست أرقاماً ماليّةً أو تفاهماتٍ انتخابيّة وحسب، بل هي صراع على من يمتلك تعريف النظام الدولي نفسه.

ربّما ما يضاعف غموض الأفق أنّ أوروبا، التي تقف على خطّ النار اقتصاديّاً وجغرافيّاً، تبدو عاجزة عن صياغة موقف مستقلّ. فهي بين مطرقة الاعتماد الأمنيّ على الولايات المتّحدة وسندان الخوف من تمدّد النفوذ الروسيّ. لذلك تظلّ أوروبا رهينة لسيناريوهات لا تصوغها بيدها. وما يجعل هذه المعضلة أكثر قتامة أنّ شعوبها بدأت تئنّ تحت ثقل الأزمة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات والحرب، في حين تتّسع الفجوة بين النخب السياسيّة والرأي العامّ.

أوكرانيا

إنّ الصراع الروسيّ – الأوكرانيّ يذكّرنا بأنّ الحروب الكبرى ليست حدثاً عابراً فقط، بل هي لحظة تأسيسية يُعاد فيها رسم العالم، كما حدث بعد الحرب العالميّة الثانية، وكما حدث بعد سقوط الاتّحاد السوفيتي. وما يجري الآن ربّما يكون المخاض العسير لولادة نظام عالميّ جديد لا تعود فيه الهيمنة مطلقة للغرب، ولا يكتفي فيه الشرق بدور الظلّ.

الوقت لمصلحة بوتين

يعرف بوتين أنّ الزمن في مصلحته، وأنّ طول الحرب يستنزف خصومه أكثر ممّا يستنزفه. والولايات المتّحدة تعرف أنّ التراجع الآن يعني الاعتراف بنهاية زعامة امتدّت لعقود. أمّا أوكرانيا نفسها فتتحوّل من وطنٍ ملموسٍ إلى رمزٍ متنازَعٍ عليه: رمز للهويّة الأوروبية من جهة، ورمز للوفاء للتاريخ الروسيّ من جهة أخرى.

أوكرانيا نفسها فتتحوّل من وطنٍ ملموسٍ إلى رمزٍ متنازَعٍ عليه: رمز للهويّة الأوروبية من جهة، ورمز للوفاء للتاريخ الروسيّ من جهة أخرى

إذاً الأفق ليس في وقفٍ قريبٍ لإطلاق النار، بل في إعادة تعريف العالم لنفسه. وكلّما تأخّر الحلّ، تجذّر السؤال: هل نحن أمام صراعٍ سيظلّ يتكرّر بأشكالٍ مختلفة، كما تكرّرت الحروب الدينية في أوروبا لقرون، أم تكون هذه الحرب لحظة القطع الكبرى التي تغيّر مسار التاريخ؟

إقرأ أيضاً: صفقة أوكرانيا: روليت ترامب الرّوسيّة

في النهاية، يمكن القول إنّ فشل ترامب في إقناع بوتين هو فصل صغير في كتابٍ أكبر بكثير، كتابٍ لا يزال مفتوحاً على احتمالات مريرة. قد تنتهي الحرب باتّفاق هشّ أو هدنة طويلة، لكنّ أثرها في بنية النظام العالمي سيظلّ أعمق وأطول. فالحرب، حين تتحوّل إلى أفق، لا تنتهي بتوقيعٍ، بل تظلّ مثل ندبة على وجه العالم تذكّر الجميع بأنّ الجغرافيا لا تُمحى، وأنّ التاريخ، مهما حاولنا إسكاته، يعود ليكتب نفسه بدماء جديدة.

 

* كاتب وصحافي أردنيّ.

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…