إمارة الخليل: مشروع تفكيك الضّفّة وإسقاط فلسطين

مدة القراءة 6 د

يتصدّر مشروع “الإمارات الفلسطينيّة” جدول أعمال الحكومة الإسرائيلية في الوقت الراهن، وقد خصّص رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو اجتماعاً لنقاش المشروع أمس في 31 آب مع وزير الأمن ووزير الصناعة وقادة المؤسّسة الأمنيّة.

 

 

عاد المشروع الإسرائيلي القديم إلى الأضواء في ظلّ تزايد الدعوات من قادة المستوطنين والوزراء إلى ضمّ الضفّة الغربية، والردّ على اعترافات دول العالم بدولة فلسطين لقتل أيّ إمكان لتطبيق حلّ الدولتين.

تعود فكرة مشروع “الإمارات الفلسطينية” إلى مردخاي كيدار، الباحث في الثقافة العربية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية، الذي يروّج لها منذ 20 عاماً، وعمل على تطويرها وصياغتها كمشروع سياسي. وقد تبنّاها وزير الاقتصاد والصناعة في حكومة نتنياهو، ورئيس بلديّة القدس نير بركات.

عاد المشروع الإسرائيلي القديم إلى الأضواء في ظلّ تزايد الدعوات من قادة المستوطنين والوزراء إلى ضمّ الضفّة الغربية

فرض السّيادة على الضّفّة

يقوم المشروع على تفكيك الضفّة الغربية إلى 7 مدن رئيسة تتمّ إدارة كلّ واحدة بشكل منفصل من قبل عشيرة أو عائلة، ويبدأ المشروع في مدينة الخليل، المدينة الكبرى جغرافيّاً والأكثر سكّاناً في الضفّة الغربية، لأنّ نجاح الفكرة في الخليل سيعني نجاحها في كلّ الضفّة الغربية. وسيتمّ بموجب المشروع استبدال قادة السلطة في الخليل (المحافظ، الأجهزة الأمنيّة) بعشائر محلّية، وإنشاء إمارة منفصلة تعترف بإسرائيل كدولة يهوديّة وتنضمّ إلى اتّفاقات أبراهام.

قال نير بركات عرّاب المشروع في تصريحات للقناة السابعة الإسرائيلية قبل أيّام: “هذا الوقت المناسب لفرض السيادة الإسرائيلية على الضفّة الغربية، وحلّ السلطة الفلسطينية”، مضيفاً: “مشايخ من الخليل يقولون لنا: لا نريد السلطة الفلسطينية، نحن نعرف إسرائيل”.

تابع بركات: “حان الوقت للذهاب إلى حلّ على شكل الإمارات، نبدأ بالخليل أوّلاً، وهذا الموضوع نعمل عليه بقوّة أنا ويسرائيل جنتس (رئيس مجلس مستوطنات بنيامين) مع الحكومة، وبعون الله سنتمكّن من حلّ السلطة الفلسطينية، ونذهب إلى نموذج الإمارات الفلسطينية”. بينما قال رئيس “مجلس مستوطنات بنيامين” إنّه طرح على الإدارة الأميركية قبل عدّة شهور ضمّ 65% من مساحة الضفّة الغربية، وفرض القانون الإسرائيلي عليها، وتحويل ما بقي إلى 20 كانتوناً فلسطينيّاً شرط ألّا تشكّل كياناً وطنيّاً فلسطينيّاً.

يعيد مشروع “الإمارات الفلسطينية” إلى الذاكرة مشروع سابق بدأت إسرائيل تنفيذه في الضفّة عام 1978، وبدأت به من الخليل، وعُرف بــ”روابط القرى”، وهو عبارة عن تشكيلات إداريّة وعسكريّة بديلة لمنظّمة التحرير، بدأت برابطة قرى الخليل، وكان يرأسها شخصيّة تدعى مصطفى دودين، وبعد نجاحها تمدّدت إلى المناطق الأخرى فنشأت رابطة رام الله، ثمّ رابطة بيت لحم، وبعد ذلك روابط في كلّ من نابلس وجنين وقلقيلية، لكن بدأ ذلك المشروع بالانهيار عام 1981 مع اغتيال يوسف الخطيب رئيس رابطة قرى رام الله، مع نجله جميل.

تعود فكرة مشروع “الإمارات الفلسطينية” إلى مردخاي كيدار، الباحث في الثقافة العربية بجامعة بار إيلان الإسرائيلية، الذي يروّج لها منذ 20 عاماً

أكّد لــ”أساس” محافظ الخليل خالد دودين، الذي يعدّ أعلى سلطة سياسية وإداريّة في المحافظة، أنّ مشروع “إمارة الخليل” لا ينحصر بالخليل، بل جوهره هو تصفية مشروع إقامة الدولة الفلسطينية، وبداية ذلك ستكون من الخليل ثمّ تُقسّم كلّ محافظات الضفّة لمنع إقامة الدولة الفلسطينية.

أوضح دودين أنّ “إمارة الخليل” تعدّ استنساخاً تاريخيّاً لتجربة روابط القرى، بهدف إحداث انقلاب جذريّ على السلطة الفلسطينية، بغضّ النظر عن البديل المقترح، خاصّة أنّ العشائر أبدت موقفها الرافض لذلك، مشيراً إلى أنّ إسرائيل تريد إضعاف السلطة، والزجّ بالعشائر في محاولة خبيثة ومغرضة، خاصّة أنّ العشائر لديها انتماء وطني وأفشلت سابقاً مشروع روابط القرى.

عزا دودين سبب اختيار الخليل قاعدةً لانطلاق مشروع “الإمارات الفلسطينية” إلى عدّة أسباب، منها أنّ الخليل تعدّ أكثر محافظة تعمّق فيها الاستيطان الإسرائيلي، والأكثر سكّاناً، وهي مقسّمة إلى قسمين، أحدهما يخضع بالكامل للسيطرة الإسرائيلية، عدا عن أسباب دينية يهوديّة تتعلّق بالخليل، ومنها زعم أحقّيتهم بالحرم الإبراهيمي.

إسرائيل تصطدم بالعالم؟

رأى دودين أنّ هناك حصانة وطنيّة لمواجهة المشروع الإسرائيلي قائلاً: “هذا البرنامج لن يمرّ، فهو استنساخ لتجربة فاشلة، ولا توجد عائلة أو عشيرة تقف ضدّ مشروعنا الوطني، والسلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنيّة وكلّ المنظومة متوافقون على منع ذلك، وأيّ بديل للسلطة سيكون الاحتلال فقط”.

يعيد مشروع “الإمارات الفلسطينية” إلى الذاكرة مشروع سابق بدأت إسرائيل تنفيذه في الضفّة عام 1978، وبدأت به من الخليل، وعُرف بــ”روابط القرى”

كانت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية كشفت في تمّوز الماضي عن رسالة وقّعها خمسة من شيوخ الخليل تقترح تأسيس كيان مستقلّ تحت اسم “إمارة الخليل” والانفصال عن السلطة الفلسطينية، والانخراط في اتّفاقات أبراهام عبر الاعتراف بيهوديّة دولة إسرائيل.

وجّه الشيوخ وعلى رأسهم وديع الجعبري رسالةً إلى وزير الاقتصاد الإسرائيلي نير بركات، الذي استضاف الشيوخ في منزله والتقى بهم أكثر من عشر مرّات منذ شباط، يطالبون فيها بإقامة “إمارة الخليل التي ستعترف بدولة إسرائيل دولةً قوميّةً للشعب اليهودي، ودولة إسرائيل ستعترف بإمارة الخليل ممثّلةً للسكّان العرب في محافظة الخليل”.

تطلب الرسالة تحديد جدول زمنيّ للتفاوض من أجل الانضمام إلى اتّفاقات التطبيع والتوصّل إلى تسوية “عادلة ولائقة” تحلّ محلّ اتّفاقات أوسلو، التي يقولون إنّها “جلبت فقط الضرر والموت والكوارث الاقتصاديّة والدمار”.

رأى د. أحمد رفيق عوض، مدير المركز المتوسّط للدراسات الإقليمية، في حديث لــ”أساس” أنّ إسرائيل تستطيع بالقوّة إقامة “إمارة الخليل”، لكنّ تلك القوّة ستجعلها تصطدم بالعالم والاتّحاد الأوروبي، وربّما الإدارة الأميركية، لأنّ ذلك المشروع يعني إسقاط السلطة الفلسطينية، وهذا ليس قراراً دوليّاً ولا أميركيّاً.

إقرأ أيضاً: “السّلطة” في غزّة: عقدة “الدّولة” المرفوضة إسرائيليّاً..

أضاف عوض أنّ إسرائيل ربّما تريد من خلال الحديث عن هذا المشروع إضعاف السلطة والضغط عليها لإجبارها على الرضوخ للشروط الإسرائيلية، كعدم التوجّه للمحاكم والهيئات الدولية ومحاصرة إسرائيل دوليّاً ودبلوماسيّاً وقانونيّاً.

أشار عوض إلى أنّ إسرائيل بهذا المشروع تغامر بعلاقتها بكلّ الأطراف، فـ”إمارة الخليل” رسالة سيّئة للعالم العربي، ووقف فعليّ لاتّفاقات أبراهام، وإشارة سيّئة للاتّحاد الأوروبيّ لأنّها تعني البدء الفعليّ بضمّ الضفّة الغربية، وبالتالي تحدٍّ لدول أوروبا التي بدأت الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة.

مواضيع ذات صلة

همّ أوروبيّ – لبنانيّ مشترك: ماذا بعد “اليونيفيل”؟

على مسافة نحو عام من مغادرة آخر جنديّ من “اليونيفيل” لبنان، يبدو السؤال عمّا بعد قوّات الطوارئ الدوليّة همّاً مشتركاً أوروبيّاً ولبنانيّاً، في ظلّ ضغط…

التّفاوض “المدنيّ” يُستأنف بمشاركة فرنسيّة “ثابتة”

أثبتت تطوّرات وأحداث الأيّام الماضية تحرير الحكومة نفسها، كما قيادة الجيش ورئاسة الجمهوريّة، من أيّ مهل زمنيّة في ما يخصّ نزع سلاح “الحزب”، بما في…

لا حرب كبرى على لبنان… ومفاوضات تحت الطّاولة

في المشهد السياسيّ العامّ، تتكاثر الأخبار، التي يندرج قسم منها في إطار التمنّيات والتهويل، فيما يدخل قسم آخر في خانة الحسابات السياسيّة الباردة. لكنّ الثابت…

من يُضرَب أوّلاً: “الحزب” وإيران… أم إسرائيل؟

ما هي سيناريوهات المرحلة المُقبلة في لبنان؟ من يُضرَب أوّلاً: “الحزب” أم إيران؟ كيف فكّكَ فلاديمير بوتين فتيل انفجار كبير ليلةَ رأسِ السّنة؟   أثناء…