“اليونيفيل” تواكب سحب السّلاح والتّفاوض مع إيران؟

مدة القراءة 6 د

16 شهراً لإنهاء مهمّة “اليونيفيل” في لبنان، فهل هي المهلة المُمَدَّدة التي يمكن لأميركا التسامح بها لإنجاز حصريّة السلاح بيد الدولة اللبنانية؟

ظهرت إشارات عدّة في الأيّام الأخيرة قد تعني أنّ المجتمع الدولي يتفهّم صعوبة سحب سلاح “الحزب” من قبل الجيش مع نهاية 2025، وفق ما طلبه الجانب الأميركي. آخرها نجاح فرنسا ودول عدّة في إقناع واشنطن بأنّه يستحيل إنهاء مهمّة قوّات الأمم المتّحدة فوراً، كما طالب البعض في الإدارة الأميركية بناءً على إلحاح إسرائيليّ.

 

قبل رفض “الحزب” قرار مجلس الوزراء اللبناني في 5 آب تكليف الجيش وضع خطّة نزع سلاحه في مهلة تنتهي آخر العام الحالي، كان دبلوماسيون غربيون ودوليون يقرّون في الغرف المغلقة وفي مداولاتهم مع مسؤولين لبنانيّين بأنّ العمليّة لن تُنجز بين ليلة وضحاها. هؤلاء يدركون صعوبات الواقع اللبناني وتشابكه مع الظروف الإقليمية، وتأثير امتناع إسرائيل عن الانسحاب من التلال، التي تحتلّها جنوباً، على تأخير تنفيذ القرار.

منطق فرنسا: التّمديد لتحضير الأرض

الإبقاء على مهمّة “اليونيفيل” 16 شهراً أخرى، وفق قرار مجلس الأمن التجديد لانتدابها الصادر فجر الخميس، جاء نتيجة تمسّك فرنسا والدول الأوروبية ببقائها، وتقاطعها في هذا الموقف مع الجانبين الروسيّ والصينيّ في مجلس الأمن. الحجّة الفرنسية والأوروبية الرئيسة كانت أنّ توقيت سحب القوّات الدولية من الجنوب خاطئ إذا كان الهدف تطبيق حصريّة السلاح بيد الدولة وضمان السيادة اللبنانية على الأراضي كافّة. اعتبرت الدول الرافضة لمطلب إسرائيل إنهاء مهمّة “اليونيفيل” أنّ سحبها يتمّ بعد تحضير الأرض للانتقال إلى واقع جديد. فإذا كان مطلوباً تجريد “الحزب” من السلاح، وكذلك المنظّمات الفلسطينية، لا بدّ للمساعدة الأمنيّة الدولية من أن تسهم في التهيئة لذلك. الأدلّة كثيرة على هذه الحجّة بنظر باريس وغيرها من الدول المتعاطفة مع لبنان، أبرزها أنّ القوّات الدوليّة تساهم في اكتشاف ما بقي من مخازن أسلحة وأنفاق وترشد الجيش إليها لتفكيكها ومصادرتها، كما حصل خلال الأسبوعين الماضيين.

ظهرت إشارات عدّة في الأيّام الأخيرة قد تعني أنّ المجتمع الدولي يتفهّم صعوبة سحب سلاح “الحزب” من قبل الجيش مع نهاية 2025

ليس “الحزب” وحده العائق… نتنياهو أيضاً

واقع الأمر أنّ رفض “الحزب” قرار مجلس الوزراء لأسباب كثيرة أهمّها مواكبته لمقتضيات التفاوض وتبادل الضغوط بين أميركا وإيران، لم يكن السبب الوحيد للتعثّر المنتظَر في تطبيق حصريّة السلاح. فهناك أيضاً رفض بنيامين نتنياهو تقديم أيّ خطوة مقابل قرار مجلس الوزراء، وفق وعد الموفد الرئاسي الأميركي توم بارّاك للبنان، كي يمضي في الترجمة العمليّة لتنفيذه. كان المسؤولون اللبنانيون أقنعوا بارّاك بالحصول على “شيء ما” من تل أبيب، كي يواصلوا من جهتهم ضغوطهم على “الحزب” حتّى يقبل مبدأ “الخطوة مقابل خطوة”. وما سُمّي “إحباط” رئيس البرلمان نبيه برّي من نتائج زيارة الموفد الأميركي الأخيرة، الخامسة لبيروت، يعود إلى أنّه حصل منه، منذ زيارته الثالثة أواخر تمّوز الماضي، على وعد بمحاولة انتزاع وقف الانتهاكات الإسرائيلية من قتل وتدمير لمدّة 15 يوماً، يجري بعدها “تشجيع الحزب” ودفعه للتجاوب مع ورقة بارّاك المعدّلة. في زيارته الثالثة لبيروت، وبعد اجتماعه العلني مع برّي، عاد بارّاك واجتمع في اليوم نفسه، ثانية، ليلاً، إلى رئيس البرلمان، بعيداً من الأضواء، وتمّت بلورة اقتراح برّي الحصول على “شيء ما” من إسرائيل في اجتماع بين بارّاك والمستشار السياسي والإعلامي لبرّي علي حمدان.

واشنطن تنحاز لنتنياهو مقابل DNA بارّاك

جرى تأكيد ذلك في الزيارة الرابعة لبارّاك لتهنئة الحكومة بصدور قرار الحكومة في 5 و7 آب، التي قال فيها بوضوح إنّه جاء دور إسرائيل كي تتجاوب. سبقت زيارة بارّاك الأخيرة، بعد لقائه المسؤولين الإسرائيليين، تصريحات مكتب نتنياهو التي راوغ فيها حين قال: “إذا اتّخذت القوّات الأمنيّة اللبنانية خطوات لنزع سلاح “الحزب” فسنتّخذ خطوات مقابلة لتقليص تدريجيّ لوجود الجيش الإسرائيلي بالتنسيق مع أميركا”. أسقط ذلك آليّة تنفيذ اتّفاق 27 تشرين الثاني الماضي، ومعها وعد بارّاك لبرّي، أي أن توقف تل أبيب عمليّاتها، فانتقل برّي إلى دفع “الحزب” للتجاوب مع توجّهات الحكومة. حتّى إنّ نتنياهو لم يذكر كلمة “الانسحاب” بعد سحب السلاح، بل أشار إلى “تقليص الوجود”، بما يعني أنّ احتلاله التلال التي أُضيفت إليها سيطرة جيشه على ثلاث نقاط جديدة ليس مضموناً حتّى بعد سحب سلاح “الحزب”.

ثمّة من يقول إنّ استجابة بارّاك لاقتراح برّي وقوله إنّ لبنان قدّم خطوة وعلى نتنياهو أن يقابلها بالمثل، تعود إلى الـDNA  اللبنانيّ للرجل

ثمّة من يقول إنّ استجابة بارّاك لاقتراح برّي وقوله إنّ لبنان قدّم خطوة وعلى نتنياهو أن يقابلها بالمثل، تعود إلى الـDNA  اللبنانيّ للرجل. وهو مثل العسكريّين الأميركيّين سلّم ضمناً بصحّة الموقف اللبناني بأن لا قيمة عسكريّة لاحتلال إسرائيل التلال الخمس في الجنوب وأنّها احتلّتها بعد اتّفاق وقف العمليّات العدائية في تشرين الثاني الماضي، في انتهاك واضح له. لكنّ المعادلة الطاغية هي أنّ إدارة دونالد ترامب تختار الانحياز إلى نتنياهو وليس إلى بارّاك ووعده بالحصول على تنازل إسرائيلي ولو جزئيّاً، حتّى لو كان من المقرّبين إلى الرئيس الأميركي.

مهمّة تتعدّى جنوب اللّيطاني.. بانتظار إيران

مع ذلك هناك ما يدفع للاعتقاد بأنّ قرار مجلس الأمن الإبقاء على “اليونيفيل” بدل صرفها من الخدمة بعد يومين يستبطن إشارات إيجابية، منها:

  • يحتمل قرار التمديد 16 شهراً التفسير القائل بأنّ هذه المدّة تعني القبول بأن يمتدّ سحب سلاح “الحزب” إلى ما بعد التاريخ الذي قد تتضمّنه خطّة الجيش لحصر السلاح بيد الدولة (الحكومة حدّدتها بـ31 كانون الأوّل 2025). وقد يتطلّب رفض “الحزب” المسبق للخطّة وقتاً لتتمّ العمليّة “بالإقناع”، كما قال بارّاك نفسه. فالتمديد لـ”اليونيفيل” يوكل إليها “تنفيذ مهمّة تشمل القرارين 1559 المتعلّق بسلاح الميليشيات كلّها، شمال الليطاني مثل جنوبه، وكذلك القرار 1680 الذي يتناول ترسيم الحدود الشمالية الشرقية مع سوريا. وهي مهمّة تتعدّى جنوب نهر الليطاني وفق القرار 1701، إلى شماله وسائر الأراضي اللبنانية.
  • سئل بارّاك بعد لقائه الرئيس جوزف عون: لماذا لا تتحدّثون مع إيران في شأن لبنان، إضافة إلى إسرائيل وسوريا؟ فأجاب: هل تعتقد أنّ ذلك لا يحصل؟ هذه إشارة إلى أنّ واشنطن تتناول مشكلة ستثير مشكلة سلاح “الحزب” مع طهران. لكنّ المباحثات معها قد تطول، وهو ما يتطلّب انتظار النتائج، سلبية كانت أم إيجابية، قبل الاستغناء عن “اليونيفيل”.

إقرأ أيضاً: لا تغيير ولا تبديل في الموقف.. والشّريط الحدوديّ “أرض بور”

لمتابعة الكاتب على X:

@ChoucairWalid

مواضيع ذات صلة

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…

أردوغان في الرّياض والقاهرة: توازن إقليميّ جديد؟

لم تأتِ فكرة التحالف الثلاثيّ التركيّ – السعوديّ – المصريّ صدفة، بل هي نتاج سنوات من التوتّرات والتحدّيات المشتركة والفرص الضائعة في المنطقة. ويبرز التعاون…