يعتقد الإسرائيليون، بشكل عامّ، أنّ ضعف “الحزب” والمحور الذي تقوده إيران بعد الحرب فتح فرصة لتغيير الواقع الأمنيّ على طول الحدود الإسرائيلية – اللبنانية، ويمكن أن يمهّد على المدى الطويل للتطبيع بين البلدين. وفي مقابل الدعوات إلى “استمرار استخدام القوّة والسيطرة على نقاط وراء الحدود… من أجل إظهار الثمن الذي قد يدفعه لبنان إذا اندلعت مواجهة واسعة جديدة مع إسرائيل”، أخذت بعض الأصوات الإسرائيلية والمؤسّسات، ومنها معهد دراسات الأمن القومي، تحذّر من ضياع هذه الفرصة.
يأتي هذا التحذير في ضوء الإمكانات التي ما زالت قائمة لدى “الحزب” لإعادة هيكلة قوّاته والعودة إلى مواجهة إسرائيل، إضافة إلى استمرار إسرائيل في سياسة فرض شروط غير واقعية على الحكومة اللبنانية. تنظر هذه الأصوات والمؤسّسات بواقعية إلى العقبات التي تواجه السلطات اللبنانية وعدم قدرتها على نزع سلاح “الحزب” وتفكيكه بالقوّة، وتعترف بأنّ مثل هذه الخطوة قد تؤدّي إلى حرب أهليّة في لبنان. وترى أنّ “تمتّع إسرائيل بحرّية عمل في ضرباتها اليومية ضدّ أهداف “الحزب” لا يمكن أن يشكّل ضمانة لإمكان مواصلتها طويلاً”، وعليه “من المفترض أن تقوم السياسة الإسرائيلية في لبنان على أهداف واقعيّة”.
إذاً ما هي الاستراتيجية التي يقترحها معهد دراسات الأمن القومي في ضوء العقبات التي تواجه الورقة الأميركية المطروحة؟ وهل يعطي نتنياهو الاهتمام لهذه الاستراتيجية، أم يستمرّ في فرض الشروط؟
يعتقد الإسرائيليون، بشكل عامّ، أنّ ضعف “الحزب” والمحور الذي تقوده إيران بعد الحرب فتح فرصة لتغيير الواقع الأمنيّ على طول الحدود الإسرائيلية – اللبنانية
استراتيجية المراحل الثلاث
نشرت أورنا مزراحي، على موقع القناة 12 العبرية، مضمون الورقة الصادرة عن معهد دراسات الأمن القومي، التي تقترح اعتماد خطّة متدرّجة ذات جدول زمني معقول للتنفيذ، تراعي بحسب المعهد العقبات التي تواجهها القيادة اللبنانية:
- المرحلة الأولى: نزع السلاح في جنوب لبنان استناداً إلى قرار مجلس الأمن 1701، في مقابل انسحاب إسرائيل من خمس نقاط ما زالت تسيطر عليها (يُنفَّذ الإشراف بواسطة قوّة أميركية بدلاً من قوّات “اليونيفيل”).
- المرحلة الثانية: إزالة وجود “الحزب” من سهل البقاع والمعابر الحدودية بين لبنان وسورية، في مقابل تسوية الخلافات على الحدود البرّية بين إسرائيل ولبنان (وربّما بالتوازي مع ترسيم الحدود اللبنانية – السوريّة).
- المرحلة الأخيرة: نزع سلاح “الحزب” في كامل لبنان، في مقابل وقف كامل للغارات الإسرائيلية والتزام احترام السيادة اللبنانيّة.
لا تطبيع.. بل عودة إلى اتّفاق الهدنة
منذ توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني الماضي، بدأت تظهر تحفّظات على هذا الاتّفاق. إذ رأى فيه الأمنيّون الإسرائيليون اتّفاقاً محدود النتائج ويعكس الحدود التي قيّدت العمليّة البرّية التي قام بها الجيش الإسرائيلي. وبدأت تتبلور مرتكزات العقيدة الأمنيّة الجديدة بعد عمليّة طوفان الأقصى، وأهمّها إقامة مناطق عازلة خارج الحدود الحاليّة لإسرائيل.
هذا ما يفسّر تمسّك حكومة بنيامين نتنياهو بالنقاط الخمس المحتلّة وعدم تقديم أيّ ضمانات للانسحاب منها حتّى بعد نزع سلاح “الحزب”. أمّا الكلام الذي سمعناه أخيراً من الموفد الرئاسي الأميركي توم بارّاك، والمتعلّق بإقامة منطقة اقتصاديّة على الحدود، هو واجهة للمنطقة العازلة التي يفكّر فيها الإسرائيليون.
بالطبع، الحديث عن المناطق العازلة وتغيير الأوضاع الأمنيّة على الحدود قاد العديد من الإسرائيليّين إلى استعجال فكرة التطبيع مع لبنان وسورية. لكن سرعان ما اكتشفوا التعقيدات الكبيرة في هذا المجال، إذ تتركّز المفاوضات مع الجانب السوري على ترتيبات أمنيّة في الجنوب السوري، بينما تتضمّن الورقة الأميركية الانسحاب الإسرائيلي من النقاط الخمس المحتلّة في لبنان.
منذ توقيع اتّفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في تشرين الثاني الماضي، بدأت تظهر تحفّظات على هذا الاتّفاق. إذ رأى فيه الأمنيّون الإسرائيليون اتّفاقاً محدود النتائج
يعتقد معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أنّ من الأفضل حاليّاً تأجيل أيّ مبادرات لتغيير الطابع الرسمي للعلاقات بين لبنان وإسرائيل، والاكتفاء بالعودة إلى اتّفاق الهدنة، لأنّ موضوع التطبيع لم ينضج بعد في لبنان. وبرأي الباحثين في المعهد، قد يسلك هذا الموضوع طريقه إذا ما انضمّت السعوديّة وسورية إلى اتّفاقات أبراهام.
نتنياهو في مكان آخر
تنطلق الاستراتيجية المتدرّجة المطروحة من معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، بالدرجة الأولى، من المصلحة الإسرائيلية وتقويم العقبات التي تواجه الورقة الأميركية والجدول الزمني القصير المعطى للدولة اللبنانية. لكنّ مواقف نتنياهو واستراتيجيته تبدو في مكان آخر، إذ لا يظهر أنّه في وارد النظر بواقعية إلى الشروط المحيطة بعمليّة حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية وإقناع “الحزب” بتسليم سلاحه.
إقرأ أيضاً: إسرائيل إلى الشّرع: لن ندعم التّقسيم
يسيطر أيضاً الغموض على موقفه ليس فقط من مبدأ “خطوة مقابل خطوة”، بل ومن فكرة الانسحاب من الجنوب. وينسحب هذا الموقف على المفاوضات مع السوريّين، التي يتمسّك فيها نتنياهو حتّى الآن بالبقاء على مرتفعات جبل الشيخ، وبالتالي هناك احتمال كبير أن يعمل على تكريس منطقة نفوذ في جنوب سوريا، والاحتفاظ بمنطقة عازلة في جنوب لبنان.
ليس واضحاً، حتّى الآن، ماذا سيكون عليه الموقف الأميركي إذا أقفل نتنياهو هذه النوافذ على المسارين اللبناني والسوري. وماذا سيكون الموقف من التشدّد الإيراني وتشجيع “الحزب” على رفض تسليم سلاحه؟ وبانتظار الثاني من أيلول، موعد مناقشة خطّة الجيش لسحب سلاح “الحزب”، سيظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
* أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة اللبنانيّة.
