الأردن يواجه “إسرائيل الكبرى”: إسقاط فلسطين يُسقط عمّان

مدة القراءة 4 د

في اللحظة التي خرج فيها بنيامين نتنياهو ليتحدّث عن “إسرائيل الكبرى”، لم يكن يعلن رؤية سياسية باردة، بل كان يطلق إنذاراً استراتيجيّاً إلى كلّ من يجاور الكيان الإسرائيلي، وفي مقدَّمهم الأردن. هذا الخطاب ليس زلّة لسان انتخابية، ولا مناورة تفاوضيّة، بل امتداد لمشروع تاريخي يرى في الجغرافيا الأردنيّة ساحة مفتوحة لإعادة رسم الحدود والهويّة، إذا ما أُتيح له الظرف المناسب.

 

 

يقرأ الأردن، بخبرته الأمنيّة والسياسية، هذه التصريحات كخريطة تهديدات، لا كبيان إعلامي. فحديث نتنياهو عن كيان إسرائيلي ممتدّ يعني عمليّاً شطب الخطّ الفاصل بين الضفّة الغربية والأردن، وتحويل حدود المملكة الغربية إلى جبهة تماسّ مباشرة مع مشروع استيطاني توسّعي. وهذا بدوره يعني أمرين: أوّلاً، رفع احتمالات التهجير الجماعي للفلسطينيين إلى الضفّة الشرقية، وهو سيناريو “الوطن البديل” الذي لطالما اعتبرته عمّان خطّاً أحمر لا يقبل المساس. وثانياً، تقويض الوصاية الهاشميّة على المقدّسات في القدس، بما يحرم الأردن من أحد أعمدة شرعيّته السياسية والتاريخية. 

رسالة أمنيّة مباشرة

في علم الأمن القومي، لا يُقاس الخطر فقط بنوايا الخصم، بل بقدرته على تحويل النوايا إلى وقائع. ونتنياهو اليوم يتّكئ على بيئة إقليمية تتسارع فيها موجة التطبيع، وعلى انشغال النظام الدولي بأزمات أخرى، وهو ما يمنحه هامش حركة أوسع لفرض سياسات الأمر الواقع. لكنّ الأردن يدرك أنّ أيّ انكسار في الجدار الفلسطيني سيعني انكشافاً استراتيجيّاً غير مسبوق لجبهته الداخلية، حيث ستتداخل أزمة اللاجئين مع معادلات التوازن الديمغرافي والسياسي، وهو ما يهدّد أسس الاستقرار الوطني.

في علم الأمن القومي، لا يُقاس الخطر فقط بنوايا الخصم، بل بقدرته على تحويل النوايا إلى وقائع. ونتنياهو اليوم يتّكئ على بيئة إقليمية تتسارع فيها موجة التطبيع

لم يكن الردّ الأردني الرسمي على هذه التصريحات مجاملة دبلوماسية، بل رسالة أمنيّة واضحة: المساس بفلسطين هو مساس مباشر بالأمن الأردني. تعبّر هذه الرسالة عن قناعة راسخة بأنّ الحدود بين القضيّتَيْن ليست حدوداً جغرافيّة، بل جدار صدّ أمنيّ يمنع انتقال الفوضى والتهجير إلى الداخل.

الخطورة في خطاب “إسرائيل الكبرى” أنّه لا يكتفي بابتلاع الأرض، بل يسعى إلى إعادة صياغة الهويّة السياسية لشعوب المنطقة، وتحويل الأردن من دولة ذات دور إقليمي مستقلّ، إلى هامش جغرافيّ تابع لمركز القرار الإسرائيلي. وهذا التحوّل، إن حدث، فسيعيد ترتيب التحالفات الإقليمية على نحو يقوّض مكانة عمّان التاريخية ودورها كوسيط استقرار.

من منظور أمنيّ بحت، يملك الأردن ثلاثة عناصر قوّة في مواجهة هذه الرؤية:

1- الخطّ الأحمر الشعبيّ: تشكّل القضيّة الفلسطينية جزءاً من وجدان المجتمع الأردني، فتصبح أيّ محاولة لتجاوزها تهديداً مباشراً للاستقرار الداخلي.

2- الشرعيّة الدينية والسياسية في ملفّ القدس، التي تمنح الأردن ثقلاً لا يمكن تجاوزه دون مواجهة رفض عربي وإسلامي واسع.

3- الموقع الجغرافي كحزام أمنيّ بين المشرق والخليج، وهو موقع لا يمكن المساس به دون تفجير توازنات إقليمية أكبر.

الخطورة في خطاب “إسرائيل الكبرى” أنّه لا يكتفي بابتلاع الأرض، بل يسعى إلى إعادة صياغة الهويّة السياسية لشعوب المنطقة

اختبار يوميّ للصّلابة

لكنّ هذه العناصر وحدها لا تكفي إن لم تُدعَم بتحرّك إقليمي ودوليّ ذكيّ. فالتاريخ علّم الأردن أنّ المشاريع التوسّعية لا تتراجع بالاحتجاجات وحدها، بل بخلق كلفة سياسية وأمنيّة واقتصاديّة على من يروّج لها. وهذا يعني أنّ مواجهة خطاب نتنياهو تحتاج إلى استراتيجية مضادّة، توظّف التحالفات، وتعيد تسليط الضوء على مركزيّة القضيّة الفلسطينية كشرط لاستقرار المنطقة، لا كعائق أمامها.

في النهاية، تصريحات “إسرائيل الكبرى” ليست ضجيجاً سياسيّاً وحسب، بل اختبار يوميّ لصلابة الموقف الأردني. وإذا كان التاريخ قد أثبت شيئاً، فهو أنّ الأردن حين يضع أمنه القومي في كفّة، لا يساوم عليها في أيّ صفقة، لأنّ أيّ تراجع هنا ليس خسارة لملفّ خارجي، بل بداية لتفكيك البنية الداخلية ذاتها.

هكذا لا يكون الردّ على نتنياهو بالخطابة فقط، بل بتحصين الجبهة الداخلية وبالتمسّك بفلسطين كجدار الحماية الأوّل لعمّان لأنّ من يُسقط هذا الجدار سيفتح الطريق أمام رياح التغيير التي لا ترحم الدول الصغيرة مهما كانت حذرة.

 إقرأ أيضاً: إسرائيل تطلق الرّصاصة الأخيرة على الدّولة الفلسطينيّة

مواضيع ذات صلة

برّي وسلام مع التّمديد؟

مع بدء العقد الاستثنائيّ لمجلس النوّاب يوم السبت الذي ينتهي في الأوّل من آذار المقبل، تجزم مصادر نيابيّة لـ”أساس” أنّ “موازنة 2026 ستكون ركيزة جلسات…

نموذج فنزويلّا درس لإيران ولبنان؟

شاهد العالم، السبت، واحداً من الأحداث التاريخيّة التي تشبه أفلام هوليوود. فريق “دلتا فورس”، نخبة الجيش الأميركيّ والمتخصّص بالمهمّات الصعبة، ينفّذ إنزالاً في عقر دار…

ضغوط لتسليم السّلاح شمال اللّيطاني ضمن مدّة زمنيّة

يَكتسب الإعلان الرسميّ اللبنانيّ لانتهاء المرحلة الأولى من خطّة سحب السلاح جنوب الليطاني، ومباشرة العمل شمال الليطاني، أهميّة استثنائيّة إن لناحية تداعياته على تعاطي “الحزب”…

السّيسي في مواجهة التّحدّيات: الأمن القوميّ أوّلاً

أدرَكَ الرّئيس المصريّ عبدالفتّاح السّيسي منذ اللحظة الأولى التي باشرَ فيها قسم اليمين الدّستوريّ أنّ مهمّتهُ لن تكونَ سهلة. كانت مصر، ولا تزال، محاطةً ببيئاتٍ…