شكّلت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة لموسكو، وهما أوّل مسؤولين سوريَّين يزوران موسكو منذ سقوط نظام بشّار الأسد، مؤشّراً إلى بداية مرحلة دبلوماسية جديدة في تاريخ سوريا الحديث. فماذا حملت هذه الزيارة؟
تتحرّك دمشق ما بعد الأسد ضمن فضاء إقليمي ودولي واسع، مستفيدة من الانفتاح العربي والغربي عليها، ساعية إلى إعادة صياغة موقعها خارج مظلّة التحالفات التقليدية التي ارتبطت بها لعقود.
موسكو، التي كانت يوماً الراعي العسكري والسياسي الأبرز لنظام الأسد، تواجه اليوم اختباراً مزدوجاً: المحافظة على مصالحها الاستراتيجيّة في سوريا من جهة، والتكيّف مع سلطة جديدة تحاول الانفتاح على محيطها العربي والدولي من جهة أخرى.
لا تبدو زيارة الشيباني وأبو قصرة لموسكو بروتوكوليّة فحسب، بل تكشف عن محاولة سوريّة لاختبار حدود العلاقة مع روسيا في زمن التحوّلات الإقليمية، حيث تتقاطع ملفّات الأمن وترتيبات النفوذ بين موسكو وواشنطن والعواصم العربية، وتعكس رغبة القيادة السوريّة الجديدة في إظهار استقلاليّة نسبيّة عن إرث التحالف مع إيران وروسيا، عبر تبنّي دبلوماسيّة مرنة تتيح إعادة التموضع ضمن معادلة الشرق الأوسط ما بعد الحرب.
لا تبدو زيارة الشيباني وأبو قصرة لموسكو بروتوكوليّة فحسب، بل تكشف عن محاولة سوريّة لاختبار حدود العلاقة مع روسيا في زمن التحوّلات الإقليمية
وساطات وزيارة استباقيّة
تدخل محادثات موسكو بين أسعد الشيباني والمسؤولين الروس في متاهة ملفّات متشابكة، تحمل إرث عقود من التعقيد السياسي والأمنيّ. فالعلاقة بين دمشق وموسكو لم تعد قائمة فقط على التحالف العسكري الذي رسّخته سنوات الحرب، بل باتت مرتبطة بسلسلة من القضايا الحسّاسة التي تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية والدولية: الجنوب السوري، ملفّ قوّات سوريا الديمقراطية وتشابكاتها الأميركية – الروسية، إضافة إلى مستقبل العلاقة مع إسرائيل، والأهمّ ملفّ الساحل السوري المرتبط بالوجود العسكري الروسي.
هذه الملفّات مترابطة إلى درجة يصعب معها فصل أحدها عن الآخر وتجعل الزيارة أشبه باختبار أوّلي لقدرة السلطة السورية الجديدة على تفكيك عِقد الماضي وفتح صفحة واقعيّة مع القيادة الروسية.
بحسب مصدر دبلوماسي تركي لـ”أساس”، جاءت زيارة الشيباني بناءً على ترتيبات تركية – عربية، في ضوء المحادثات الأخيرة بين وزير الخارجية السوري ونظرائه الأتراك والعرب خلال الشهرين الماضيَين، حيث طرحت دمشق أهميّة المساعدة الإقليمية في ترتيب الملفّات مع روسيا.
أوضح المصدر ذاته أنّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ناقش مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين منتصف تموز ضرورة إيجاد صيغ تفاهم مع دمشق لطيّ صفحة الماضي، مشيراً إلى أنّ بوتين تلقّى اتّصالات مماثلة من مسؤولين عرب وخليجيّين مهّدت لهذه الزيارة.
إلى ذلك زار وفد روسي دبلوماسي–استخباريّ دمشق أواخر تمّوز، والتقى وزير الخارجية أسعد الشيباني ومدير المخابرات حسين سلامة، إضافة إلى الأمين العامّ لرئاسة الجمهورية ماهر الشرع، للتحضير للزيارة السوريّة ووضع جدول أعمال ليومين يشمل لقاء بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف، ومسؤولين في وزارة الدفاع الروسيّة.

ماذا حمل الشّيباني لموسكو؟
كثيرة هي الملفّات التي حملها وزير الخارجية السوري إلى موسكو، لكنّ طبيعة الوفد المرافق له تحمل دلالات مهمّة، أبرزها وجود ماهر الشرع، شقيق الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف بخبرته في السياسة الروسيّة ودراسته هناك لسنوات.
بحسب مصدر دبلوماسي سوريّ لـ”أساس”، تضمّنت الملفّات المطروحة:
1- القواعد العسكرية الروسيّة في الساحل السوري: دمشق لا ترغب بإغلاقها، لكنّها وضعت تصوّرات لدورها المستقبلي ضمن توازنات سياسية وعسكرية جديدة.
- العلاقات الدبلوماسية والثقافية والإعلامية: بحث آليّة إعادة تبادل البعثات بما يتلاءم مع التحوّلات في سوريا والمنطقة.
- مصير الرئيس السابق بشّار الأسد: طرح الشيباني إمكان محاكمته أمام محكمة دولية تشرف عليها محكمة العدل الدولية بتهم جرائم حرب، إلّا أنّ موسكو لم تُبدِ تجاوباً مع المقترح.
- الاتّفاقات الاقتصادية الموروثة: تقرّر تشكيل لجنة مشتركة لإعادة دراستها، خصوصاً تلك الموقّعة بعد 2015 وصبّت في مصلحة موسكو مقابل دعمها العسكري للنظام السابق.
- الإطار التنسيقي الروسي – الإسرائيلي: بحث إعادة صياغته بمشاركة دمشق وأطراف أخرى، بما ينسجم مع سياسة السلطة الحالية الرامية إلى لعب دور مباشر في ترتيبات خفض التصعيد السوري–الإسرائيلي.
- ملفّ شمال شرق سوريا: نقاش صريح حول “قسد”، مع الإشارة إلى اتّصالات روسيّة مع جناح فيها ولقاء وفد منها أخيراً في موسكو.
- ملفّ الأمم المتّحدة: طلبت دمشق تصويت موسكو لرفع اسم الرئيس أحمد الشرع عن لوائح الإرهاب، والتحضير لزيارته موسكو منتصف تشرين الأوّل بالتزامن مع إعادة افتتاح السفارة السوريّة.
إقرأ أيضاً: إيران: تصلّب في لبنان وهدوءٌ في العراق..
زيارة أبو قصرة: لقاء بوتين وحلول عسكريّة
بالتوازي، زار وزير الدفاع السوري اللواء مرهف أبو قصرة موسكو للمشاركة في لقاء الوفد السوري مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولعقد محادثات مع نظيره الروسي أندريه بيلوسوف حول القواعد العسكرية والتنسيق الأمنيّ والدفاعيّ والواقع الميداني في الساحل السوري.
تعكس زيارتا الشيباني وأبو قصرة بداية مسار دبلوماسي–عسكري جديد لسوريا ما بعد الأسد، عنوانه الأساسي إعادة التموضع وبناء شراكات واقعية مع القوى الدولية والإقليمية. تحاول دمشق كسر أسر التحالفات الضيّقة التي كبّلت حركتها لعقود، بينما تجد موسكو نفسها أمام شريك يحاول الموازنة بين إرث الحرب وضرورات الانفتاح العربي والغربي.
