الدّولة الفلسطينيّة… والتباس الموقف الأميركيّ

مدة القراءة 4 د

شكّل إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون قرار فرنسا الاعتراف بالدولة الفلسطينية من على منبر الأمم المتّحدة في أيلول المقبل، اختراقاً نوعيّاً يعتدّ به ويصلح لأن يُبنى عليه.

 

 

بديهيٌّ أن يأتي الردّ الإسرائيلي فوريّاً في توقيته، وجنونيّاً في حدّته، ذلك أنّ قادة إسرائيل يعرفون حقّ المعرفة معنى أن تلقي دولةٌ بحجم ومكانة فرنسا بثقلها وراء حتميّة قيام الدولة الفلسطينية كأساسٍ للأمن والاستقرار الإقليميَّين والدوليَّين.

إنّ ما يزعج إسرائيل حدّ الرعب هي التطوّرات التي سيحدثها الموقف الفرنسي والحاضنة الدولية التي تقترب من الإجماع، وهذا من شأنه نقل حلّ الدولتين من حالة الشعار والمبدأ إلى تأسيس آليّاتٍ تنفيذية لتحقيقه. وهذه هي أبرز مهامّ المؤتمر العالمي الذي سيُعقد في نيويورك برئاسة السعوديّة وفرنسا.

إذا كان الجنون الإسرائيلي من الاعتراف الفرنسي بالدولة له ما يبرّره، إلّا أنّ ما يلفت الانتباه هو تماهي الموقف الأميركي المعلن مع الإسرائيلي، وفي حالاتٍ عدّة بدا أكثر مغالاةً، سواءٌ من خلال تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو أو الموقف الذي أعلنه السفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي.

شكّل إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون قرار فرنسا الاعتراف بالدولة الفلسطينية من على منبر الأمم المتّحدة في أيلول المقبل، اختراقاً نوعيّاً يعتدّ به ويصلح لأن يُبنى عليه

المزايدة الإسرائيليّة

خرج وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن اللياقة حين وصف الموقف الفرنسي بالمتهوّر، وأمّا السفير هاكابي فقد زايد على وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن الإسرائيلي إيتامار بن غفير حين اقترح قيام الدولة الفلسطينية في الريفييرا الفرنسية.

يبدو الموقف الأميركي غير واقعي ولا منطقي. بالعودة إلى فكرة حلّ الدولتين، سنجد أنّها فكرةٌ أميركيّة أوروبيّة، وقد تطوّرت واتّسعت لتصبح محلّ إجماعٍ دوليّ، حتّى الرئيس دونالد ترامب لم يتّخذ موقفاً جذريّاً منها، ولو أنّ اعتراض أركان إدارته على المبادرة الفرنسية ينطلق من الموقف الأميركي التقليدي المعترِض على أيّ دور أوروبي فعّال في أزمات الشرق الأوسط، وتحديداً ما يتّصل منها بالقضيّة الفلسطينية وتطوّراتها.

المبادرة الفرنسية سبقتها مبادراتٌ من دول أوروبيّة وستلحق بها دولٌ عديدة، والمؤتمر العالمي الذي تقوده السعودية وفرنسا، لن يكون مؤتمراً تضامنيّاً يقول كلمته ويمضي

أوروبا جهة غير مؤهّلة

إنّ ما يُضعف الموقف الأميركي واعتراض أركان إدارة ترامب، أنّ الدولة العظمى لا ترى في أوروبا جهةً مؤهّلةً لتقديم حلول، بل يجب أن تظلّ في إطار التبعية المطلقة لما ترتئيه الإدارة الأميركية. توغّلت هذه الإدارة كثيراً في عزلةٍ غير مسبوقةٍ عن دول أوروبا، وما يزيد من عزلتها أنّها لم تقدّم مشروعها السياسي الذي يليق بشعارات ترامب عن إنهاء الحروب في العالم، وولادة شرق أوسط جديد.

لم تقدّم تصوّراً لما هو أقلّ من ذلك مثل اليوم التالي على حرب غزّة، ولم تظهر موقفاً محدّداً من التوجّهات الإسرائيلية نحو توسيع الاستيطان في الضفّة من دون إخفاء النيّة المبيّتة لضمّها، وقد تجلّى ذلك في تصويت الكنسيت الأخير على مشروعيّة الضمّ، والذي سبقه تصويتٌ مماثل على تحريم قيام الدولة الفلسطينية.

أين أميركا من كلّ هذا؟ وأين صدقيّة سياستها في الشرق الأوسط؟ مع الأخذ في الاعتبار أنّ العائق الوحيد لولادة شرق أوسط جديد هي إسرائيل، وأنّ حروبها جميعاً تُلحق ضرراً بالغاً بدولٍ وشعوبٍ تقيم علاقاتٍ طبيعيةٍ مع الولايات المتّحدة، وتسعى لعلاقاتٍ متوازنة مع إسرائيل، أساسها حلّ القضيّة الفلسطينيّة وفق مبادئ وقرارات الشرعيّة الدولية، التي لا تملك أميركا مسوّغاً منطقياً أو أخلاقياً لاعتراضها عليها.

إقرأ أيضاً: إنزال سعوديّ اقتصاديّ – سياسيّ في دمشق

آليّة جديدة

المبادرة الفرنسية سبقتها مبادراتٌ من دول أوروبيّة وستلحق بها دولٌ عديدة، والمؤتمر العالمي الذي تقوده السعودية وفرنسا، وتعترض عليه أميركا حتّى الآن، لن يكون مؤتمراً تضامنيّاً يقول كلمته ويمضي، ولن يكون تجمّعاً لامتصاص الاحتقان العميق الذي فرضته حروب إسرائيل في المنطقة، بل هو آليّةٌ جديدة فيها مقوّماتٌ عمليّة لبناء شرق أوسط جديد، وإذا كانت القضيّة الفلسطينية التي لم تحلّ حتّى الآن هي المفاعل الأكثر إنتاجاً للحروب فمن المنطقي أن يكون حلّ هذه القضيّة هو بوّابة العبور إلى الشرق الأوسط الجديد، وما على أميركا إلّا أن تحسب وتوازن جيّداً بين مصالحها المتجمّعة في دول المنطقة، وبين أعبائها المتزايدة جرّاء ممالأتها لإسرائيل والجري وراء مغامراتها التي لا نهاية لها.

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…