تنقسم دول الشرق الأوسط حول أميركا إلى قسمين: قسم يقيم علاقات وطيدة معها يمكن وصفها بالاستراتيجيّة، وقسم يجاهد لتطوير علاقاته بها وتعظيم الاستفادة منها.
الدولة الوحيدة التي تورّطت في حرب مع أميركا هي إيران، غير أنّ نقلة كبيرة حدثت بين الأيّام الأولى للثورة الخمينيّة وأيّامنا هذه، إذ تغيّرت أدبيّات العلاقة من عنوانها الصارخ في ذلك الوقت “الشيطان الأكبر” إلى عنوان مختلف هو الاستعداد المتبادل للتفاهم والتعاون والاستثمار المشترك، تحت شروطٍ مخفّفة، هي أقرب إلى الإغراءات منها إلى العداء.
الملفّ الأميركي الإيراني مفتوح على استبعاد الحرب والاكتفاء بالتلويح بها، لمصلحة تفاوض يسعى إلى إنتاج علاقة جديدة تستفيد منها إيران المرهقة من أعباء الحصار الماليّ المدمِّر لحياة شعبها، وفوقها أعباء الحرب مع إسرائيل، ويستفيد منها مقاول السياسة الأوّل في العالم ترامب بانفتاح دولة غنيّة على الاستثمار فيها. ولقد ظهر ذلك في محدوديّة الدور الأميركي في الحرب الإسرائيلية على إيران، والترويج الأميركي المبالَغ فيه لِما يصفه ترامب بالانتصار النهائي عليها، ليتسنّى له إقناع نفسه وأميركا بأن لا مبرّر لحرب جديدة عليها.
الدولة الوحيدة التي تورّطت في حرب مع أميركا هي إيران، غير أنّ نقلة كبيرة حدثت بين الأيّام الأولى للثورة الخمينيّة وأيّامنا هذه
المحطّة الأهمّ
إذا كان هذا هو حال إيران مع أميركا، فحال جميع دول المنطقة معها أفضل بكثير، حيث هناك إجماعٌ على أساسيّة العلاقة، وهذا ما أعاد الاعتبار لمبدأ الرئيس أنور السادات رحمه الله، الذي قاد انقلاباً مصريّاً تاريخيّاً على العلاقة مع أميركا، وفق مبدأ أنّ تسعة وتسعين في المئة من أوراق الحلّ في الشرق الأوسط بيدها، وقد خدمت التطوّرات التي تلت طرحه هذا المبدأ، حين أنجزت الرعاية الأميركية للمفاوضات المصرية الإسرائيلية معاهدة السلام بين الجانبين، ولم يكن رابين أو بيريز هما المفاوضين آنذاك، بل كان الأكثر يمينيّة وتشدّداً وشراسةً مناحيم بيغن.
نُسب نجاح المفاوضات المصريّة الإسرائيليّة إلى جرأة السادات على كسر المحرّمات، وفاعليّة الرئيس كارتر في فرض الموقف الأميركي على إسرائيل، فوُلد اتّفاق “تاريخيّ” كان في عالم الخيال، وأصبح الحقيقة الأكثر رسوخاً في الواقع.
تشجّع الفلسطينيون بفعل التحوّل الذي طرأ على الموقف الأميركي منهم، على فتح حوار مباشر معهم، ثمّ رعاية مشروع تسوية مع إسرائيل عبر مدريد الدولية وأوسلو الثنائيّة.
كان من قبيل التداعيات التلقائيّة لِما حدث فلسطينيّاً ومصريّاً أن يحدث امتداد أردنيّ له، وفي الحالات الثلاث إن لم تكن أميركا هي صاحبة البدايات فهي صاحبة القدرة على الاستيلاء على النهايات والبناء عليها ولو متأخّرةً. أمّا مسار الاتّفاقات الإبراهيمية، الذي أنتج تطبيعاً متّسعاً شمل دولاً عربيّةً، فقد أنعش الرغبة الأميركية في تعميم التجربة بالوصول إلى المحطّة الأهمّ في المسار كلّه، وهي المحطّة السعوديّة.
ملخّص الحالة الأميركية مع العرب وأهل المنطقة عموماً هي على النحو الآتي: سعيٌ أميركيّ لوقف الحرب على غزّة ولبنان وإقامة علاقاتٍ إيجابيّة مع إرهابيّي الأمس وسلميّي اليوم في سوريا، وتحييد الحوثي جزئيّاً عن الاحتكاك المباشر مع أميركا، وبحكم العلاقات الخاصّة مع إسرائيل تقتصد إدارة ترامب في الحديث عن حلّ القضيّة الفلسطينية التي فتحت المملكة العربية السعودية ملفّها بمشاركةٍ مع فرنسا ومباركة جميع دول العالم، وما علينا إلّا مراقبة تطوّرات الموقف الأميركي تجاه هذا الملفّ.
نُسب نجاح المفاوضات المصريّة الإسرائيليّة إلى جرأة السادات على كسر المحرّمات، وفاعليّة الرئيس كارتر في فرض الموقف الأميركي على إسرائيل، فوُلد اتّفاق “تاريخيّ”
يقظة أميركيّة؟
هنا لا بدّ من نظرةٍ موضوعيّةٍ إلى الدور الإسرائيلي في اللعبة الأميركية الشاملة تجاه الشرق الأوسط، الذي اصطُلح على تسميته بالجديد، ويتعيّن على المتصدّين للبحث في هذا المجال النظر إلى اختلاف الأجندات بين أميركا وإسرائيل، دون الشطط حدّ تجاهل الأسس العميقة للعلاقة الأميركية الإسرائيلية.
بالتدقيق في الأجندات الإسرائيلية التي أوصلت الدولة العبرية والمنطقة إلى حالة حرب، والاختلاف بينها وبين الأجندة الأميركية الشاملة في المنطقة، نجد ما يلي:
خلاف على كيفية معالجة حالة غزّة، وخلاف على حدود الأزمات والحلول مع إيران، وخلاف على التعامل مع الحالة السوريّة.
إقرأ أيضاً: سلاح المخيّمات خطّ دفاع أوّل عن سلاح “الحزب”؟
ما هو الشرق الأوسط غير هذه الحالات مجتمعة أو متفرّقة؟ وكيف يولد الجديد وإسرائيل تجرّ أميركا من منطق التفاهم مع الدول إلى حالة الحرب، وهذه المرّة مع دول تتطلّع إلى ترسيخ علاقات وطيدة مع أميركا، ليس أساسها الإذعان وإنّما التوافق قدر الإمكان.
هذه هي الصورة الحقيقية لحالة المنطقة مع أميركا، والدور الفظّ الذي تلعبه إسرائيل، وباختصار شديد يمكن إجمال الحالة بجملة قصيرة: ترامب مكبّل اليدين باعتبارات العلاقة التاريخية العميقة مع الدولة العبريّة، وإسرائيل تعتصر أميركا حتّى القطرة الأخيرة، وأهل المنطقة يكابدون عامل الزمن ويقدّمون كلّ ما هو مطلوب منهم وأكثر، لعلّ يقظة أميركية تحدث نحو توازن جديد.
