سوريا: انقلاب كاد أن ينجح

مدة القراءة 6 د

خطاب الرئيس أحمد الشرع فجر الخميس الذي تأخّر ساعات، ربّما كان يحمل كلّ الإجابات عن أحداث الأيّام الأخيرة. لقد قالها صراحة، إنّه لا يخشى الحرب، وكانت على وشك الاندلاع مع إسرائيل يوم أمس الأربعاء، فتكون حرباً مفتوحة، لكنّه فضّل على هذا، الاستمرار في بناء سوريا، حتّى لو بدا وكأنّه مضطرّ إلى الانسحاب من السويداء وتسليمها للمسلّحين المحلّيّين. لقد دُفع دفعاً إلى متاهة معروفة النتائج مسبقاً، فإمّا جعل جنوب سوريا كلّه منزوع السلاح وصولاً إلى ضواحي دمشق، وإمّا اجتياح برّي إسرائيلي لهذه المنطقة. أمّا أحداث السويداء فكانت الذريعة، والطريق إلى ما يريده نتنياهو لا حكمت الهجري.

 

قال لهم قبيل سقوط دمشق: أنا أحمد الشرع. أصرّ حكمت الهجري: بل أنت الجولاني. قال لهم: حرّرتكم من نظام بشّار الأسد. ردّ عليه بكلّ ثقة: لا تملك حتّى الشرعية الثورية، بل وصلنا إلى دمشق قبلك. بهذه العدميّة السلبيّة، بدأ حوار الطرشان بين دمشق والسويداء، منذ اللحظة الأولى. ولم يطُل الأمر حتّى قعقع السلاح مرّتين في جرمانا الضاحية القريبة من العاصمة، أواخر شباط الماضي، ثمّ أواخر نيسان. وبدلاً من علم الثورة السوريّة، راح الشباب الدرزيّ المتحمّس يرفع علم إسرائيل، في استفزاز ليس لمشاعر السوريّين وحسب، بل تحدّياً لأكثر من مليار مسلم يشهد المذبحة اليومية في قطاع غزّة. وفي وقت كانت فيه دمشق تتناقل كرة النار بين الساحل والشرق، بين فلول النظام تارة، وقوّات “قسد” تارة أخرى، وهي تهدّد بالوصول إلى حمص، عقب انهيار المفاوضات لتطبيق اتّفاق آذار المنصرم بين الرئيس أحمد الشرع والقائد العامّ لـ”قسد” مظلوم عبدي، اندلعت فجأة في السويداء نفسها هذه المرّة، وهي مركز جبل الدروز، ومركز الثقل الدرزي في بلاد الشام مع الهجرات المتقطّعة إليه عبر السنين، من جبل السمّاق في شمال سوريا، وجبل الدروز في لبنان، ومن جبل الكرمل في فلسطين، ومن المناطق المحيطة بها.

خطاب الرئيس أحمد الشرع فجر الخميس الذي تأخّر ساعات، ربّما كان يحمل كلّ الإجابات عن أحداث الأيّام الأخيرة

بدأت الأحداث في السويداء باشتباكات محلّية بين الدروز والعشائر العربية، والتوازن الديمغرافي الديني دقيق وحسّاس. وتطوّرت بسرعة بعد إيقاع رجال الأمن في كمين دمويّ، وتدحرجت تدريجاً إلى ما هو أشدّ. ولمّا كان الحدث الأوّل منعزلاً بطبيعته، ولا يستدعي كلّ هذا التوتّر، فإنّ قراءة المشهد ذهبت إلى اتّجاهات مختلفة. فمن قائل إنّ لقاء الشرع مع الرئيس إلهام علييف في أذربيجان، قبل أيّام قليلة من الأحداث، تمخّض عن اتّفاق مع إسرائيل لإنهاء ملفّ السويداء مقابل تنازلات سوريّة في الجولان، وفي الجنوب السوري عموماً. وقال آخرون إنّ هجوم الهجري على العشائر العربية في السويداء، انعكاسٌ مباشر لبدء تفكيك ميليشيات “قسد”، عبر شقّ المنضوين فيها من العشائر. فعندما تفتح النار على هذه العشائر في أقصى الجنوب، ستأتي الفزعات من كلّ مكان، وستتعرقل الانشقاقات العربية عن “قسد”. ثمّ إنّ سيناريو دخول إسرائيل مخطّط له مسبقاً، لوقف الصعود التسلسليّ لقوّة الرئيس السوري يوماً بعد آخر، وكسر هيبته، من خلال الغارات الإسرائيلية المنسّقة مع عمليات الكرّ والفرّ لمقاتلي الهجري. فمن أطلق الرصاصة الأولى، يدرك برنامج التحرّك المضادّ والآتي من دمشق. وكما استفزّ القتل الجماعي لرجال الأمن العامّ في إحدى ليالي رمضان الدامية، كان متوقّعاً أن يكون الأثر نفسه، بعد الغدر برجال الأمن الداخلي وأرتال وزارة الدفاع. وتكون قد تحقّقت النتائج التالية:

– إخراج شخصيّة الجولاني إلى الواجهة مجدّداً بالقوّة، وتذكير الأقليّات والمنطقة والعالم بماضيه الجهاديّ، فيكون نكوصٌ كريه عن كلّ الوعود الورديّة، والإنجازات السريعة التي حقّقها الرئيس الشرع في فترة وجيزة جدّاً، وغير مسبوقة في تاريخ الثورات الجذريّة.

– إن لم يؤدِّ ذلك إلى إسقاط النظام الجديد، بمساعدة فعّالة من الخارج، لا سيما من إسرائيل المتربّصة، وبتواطؤ أميركي واضح، فعلى الأقلّ، تشويه النظام، وإسقاط سرديّة الدولة الموحّدة، ورفع أسهم اللامركزية أو الفدرالية المقنّعة كحلّ لا بديل منه.

– إن صمد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وصبر على الاستفزاز، وحافظ على شخصيّة رجل الدولة المسؤول، فإنّ اضطراره إلى التراجع من السويداء، بضغط إسرائيلي عسكري، وضغط أميركي دبلوماسي، يصيب صورته الزاهية لدى الأكثرية، وهذا أمر ليس بالقليل في معناه السياسي.

بدأت الأحداث في السويداء باشتباكات محلّية بين الدروز والعشائر العربية، والتوازن الديمغرافي الديني دقيق وحسّاس

محاولة انقلاب؟

لقد كان العنوان مختلفاً هذه المرّة عن السياق، وكانت الذريعة بعيدة كلّ البعد عن الطريقة. فإذا كان متوقّعاً اشتعال النار في السويداء بعد استعصام حكمت الهجري بموقفه الرافض للنظام الجديد في دمشق، فإنّ توقيت المعركة، وحجم الدعم الإسرائيلي عسكريّاً لمقاتلي الهجري، وطريقة قطع طرق الإمداد على قوّات الأمن والجيش عقب وصولها إلى السويداء، لا منذ انطلاقها من أماكن بعيدة، ثمّ سلسلة الضربات والاغتيالات التي نفّذتها إسرائيل ضدّ القيادات العسكرية للجيش السوري الجديد، علاوة على قصف قلب دمشق، واستهداف مركزين سياديَّين، عسكري (هيئة الأركان)، وسياسي (القصر الرئاسي) ولو بشكل رمزي، وانكشاف خطّة عسكريّة كاملة تصل إلى اجتياح برّي واسع لجنوب سوريا، قد يصل إلى دمشق نفسها، كلّ هذا يدلّ على وجود خطّة محكمة لإسقاط النظام الجديد، ولا تنتظر إلّا اللحظة المناسبة، وقد كانت يوم الأربعاء. إلى ذلك، تحرّكت مجموعات محدودة من فلول النظام السابق، في الساحل ودرعا. واستعرضت قوّات سوريا الديمقراطية آليّاتها بالقرب من خطوط التماسّ مع القوات الحكومية، وهو ما استدعى استنفاراً عسكريّاً في منطقة حلب، تحسّباً لأيّ هجوم مفاجئ. لكنّ هذه المرّة كانت مختلفة عن أحداث الساحل التي شهدت هبّة شعبية هائلة ردّاً على عمليّات الفلول في الساحل. وعلى الرغم من الفوضى النسبية التي شهدتها محاور القتال في محافظة السويداء، بسبب تدافع القوّات العشائرية من كلّ ناحية، نصرةً لأشقّائهم الذين تعرّضوا للحصار في بداية المعركة، إلّا أنّ إرسال الألوية الأمنيّة ثمّ العسكريّة، ثمّ قوات النخبة في الجيش الجديد، بشكل تدريجي، من أنحاء سوريا، جعل ممكناً ملء الفراغات حتّى لا يستغلّها أيّ من ميليشيات الداخل للقيام باختراقات مفاجئة. مع ذلك، فوجئ الشرع بتباطؤ الولايات المتّحدة بل تغيير موقفها، من الموقف الأوّل الداعم لجهود الحكومة بسط سيطرتها على الجغرافية السورية، إلى الطلب منها الانسحاب من المحافظة بعد سقوط المئات من رجال الأمن والجيش. ولا بدّ أنّه للمرّة الأولى، منذ تسلّمه السلطة، يستيقظ من بعض الأوهام، وربّما أخطرها: إذا سمعتَ أحداً يبالغ في كيل المديح لك، فلا تغترّ به، لأنّ السياسة كما خبرها الجولاني منذ البداية، لا تعترف بالعواطف عند المصالح.

إقرأ أيضاً: هل السويداء ضاحية من تل أبيب؟

 

لمتابعة الكاتب على X:

@HishamAlaywan64

مواضيع ذات صلة

تساقط المدن

كانت هناك مدينتان تحملان اسم طرابلس. الأولى في ليبيا، والثانية في لبنان. وللتمييز بينهما سميت الأولى طرابلس الغرب، والثانية طرابلس الشام. أما لماذا ليس طرابلس…

لبنان… والفرصة السورية

يحتاج لبنان من جنوبه إلى شماله، حيث مأساة طرابلس، إلى تذكير نفسه بتحوله إلى بلد إضاعة الفرص. لم يستفد، مثلا، من فرصة تفاديه المشاركة في…

إسرائيل: نصف اتّفاق مع إيران أخطر من القنبلة

أثار قلقاً بالغاً في إسرائيل إعلانُ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب ارتياحه لنتائج الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط بين الأميركيّين والإيرانيّين، ووصفه إيّاها بأنّها “جيّدة…

فرنسا في سوريا: هاجس الأمن وحسابات النّفوذ

كثّفت باريس حضورها في الملفّ السوريّ عبر جولة وزير الخارجيّة جان نويل بارو في دمشق وإربيل، مؤكّدةً مواصلة محاربة تنظيم داعش، ومشيدةً بدور المقاتلين الأكراد…