دولة “Compatible” في لبنان

مدة القراءة 6 د

ثمّة مقاربتان لأوضاع لبنان والمنطقة. واحدة تتبنّى الشعارات والسرديّات الجامدة أو تتلطّى بها، وأخرى تعكس الوقائع والتحوّلات بسلبها وإيجابها.

 

منذ وعد بلفور في 1917 إلى اليوم، حصلت حرب عالمية وخمس حروب عربية – إسرائيلية وحروب إقليمية. وباتت لإسرائيل دولة قائمة واقتصاد معولَم وجيش متمكّن وقدرات نوويّة، في مقابل انقسامات داخلية حادّة وتطرّف مفرط واحتلال متواصل.

منذ مطلع الخمسينيّات سطع نجم جمال عبدالناصر زعيماً شعبيّاً نافذاً على امتداد العالم العربي، حاملاً لواء الوحدة باسم القوميّة العربية. وجاء خلفه أنور السادات حاملاً لواء مصر أوّلاً، وأنهى النزاع مع إسرائيل بعد حرب كبرى بمعاهدة سلام، واستعاد أرض مصر المحتلّة، ثمّ سقط قتيلاً على يد جماعة إسلامية متطرّفة.

في فلسطين، منذ “الثورة الكبرى” في الثلاثينيّات، مروراً بمنظّمة التحرير وأخيراً حركة حماس، نزاع متواصل مع الاحتلال. ومنذ 1979 نزاع بين إيران الإسلامية ودول المحيط الإقليمي، وخصوصاً إسرائيل. وأخيراً التصدّي لطموحات إيران النووية من إسرائيل وأميركا أشعل حرباً لم تنتهِ فصولاً بعد.

ثمّة مقاربتان لأوضاع لبنان والمنطقة. واحدة تتبنّى الشعارات والسرديّات الجامدة أو تتلطّى بها، وأخرى تعكس الوقائع والتحوّلات بسلبها وإيجابها

حالة مختلفة

في المقابل، جنوب لبنان ساحة مواجهات عسكريّة مع إسرائيل منذ أكثر من نصف قرن، وما من شيء تبدّل سوى هويّة المقاتلين من الجانب اللبناني وانتماءاتهم. بدأ النزاع مع التمدّد الفلسطيني المسلّح بعد هزيمة 1967 في ظلّ انقسامات داخلية حادّة في لبنان. وفي عام 2000 تمّ تحرير الجنوب على يد “الحزب” وانحصر الاحتلال بمزارع شبعا وجوارها. وقعت الحرب مجدّداً في 2006 ولاحقاً في العامين الأخيرين، واستعادت إسرائيل احتلال مواقع لبنانية.

في المرحلة الراهنة، ما من مسألة بقيت على حالها في المنطقة وفي السياسة الدولية إلّا في لبنان، وتحديداً لجهة عدم قدرة الدولة على اتّخاذ قرار تلتزمه وتتحمّل مسؤوليّته في ما يخصّ النزاع مع إسرائيل، لا سيما بعد قرار مجلس الأمن 1701 المعزّز بمقدّمة جديدة ملزِمة في 2024.

أمّا في دول الطوق العربية المتاخمة لإسرائيل فالتطوّرات مختلفة. الجولان المحتلّ الذي ضمّته إسرائيل في 1981 ساده الهدوء منذ 1974. من جهتها، سارت مصر بمعاهدة كامب ديفيد منذ 1979، وعندما جاء الإخوان المسلمون إلى الحكم أحدثوا تغييرات واسعة في الداخل، إلّا أنّهم التزموا معاهدة السلام مع إسرائيل. بدورها وقّعت منظّمة التحرير الفلسطينية اتّفاق أوسلو مع إسرائيل في 1993 وعاد ياسر عرفات إلى فلسطين على رأس السلطة الوطنية. وأخيراً وقّع الأردن معاهدة سلام مع إسرائيل في 1994 وأقام علاقات طبيعية مع كلّ من السلطة الوطنيّة وإسرائيل. اللافت أنّ الاتّفاقات بين مصر والأردن وإسرائيل لم تتأثّر بحرب غزّة الأخيرة وتداعياتها.

إزاء هذا الواقع، يبقى لبنان حالة مختلفة، بل مغايرة للمسار العامّ على الرغم من التحوّلات الكبرى في السياسة والميدان منذ السبعينيّات إلى اليوم. لم يعد جنوب لبنان تحت الرقابة الدولية فحسب، بل البلاد كلّها و”الحزب” تحديداً.

يمكن طبعاً إيجاد التبريرات بالكلام عن المؤامرة والمخطّطات الإمبريالية الداعمة للصهيونية وتخاذل الأنظمة العربية وانعزالية أطراف لبنانية. ويمكن الكلام عن تحرير فلسطين سبيلاً لتحرير لبنان، وعن إيران المستهدَفة من الأعداء، وصولاً إلى الزعم أنّ التطبيع على الأبواب.

منذ وعد بلفور في 1917 إلى اليوم، حصلت حرب عالمية وخمس حروب عربية – إسرائيلية وحروب إقليمية

مهمّة حصريّة؟

إلّا أنّ ذلك بات بلا جدوى وخارج سياق الواقع والوقائع. بالتأكيد إسرائيل توسّعيّة ومعتدية. وإيران لا تريد الحرب بل فكّ الحصار دفاعاً عن مصالحها. والقدرات العسكرية اللبنانية غير كافية للتصدّي لإسرائيل التي استطاعت أن تسيطر على الأجواء الإيرانية في الحرب الأخيرة. إنّما هدوء الجبهة في لبنان برعاية دوليّة بات ضروريّاً بمعزل عن الحسابات العسكرية البحتة. فالأمن لا يأتي فقط بالآلة العسكرية، على ما تبيّن في الحرب الأخيرة. وإذا افترضنا أنّ الأمن مطلق فعلى لبنان تطوير السلاح النووي لمواجهة إسرائيل النوويّة.

في حين أنّ دعم أميركا لإسرائيل مفتوح، إلّا أنّ لواشنطن مصالح في العالم العربي، ولا سيما مع السعودية ودول الخليج. هذا ورفضت مصر والأردن التهجير الجماعي من غزّة الذي أراده ترامب.

لكن في المقابل ماذا نحن فاعلون، خارج إطار الإنكار والتهديد إمّا كسباً للوقت أو رهاناً على ظروف ملائمة علّها تأتي. وفي المشهد الآخر، العالم يتعامل مع لبنان استناداً إلى قواعد مختلفة، وتحديداً أميركا والدول العربية المعنيّة والمجتمع الدولي. فإمّا أن يعود لبنان دولة compatible تُشبه غيرها وتتعامل مع سواها وفق أسس ومعايير واضحة، مثلما هي حال الدول في العالم، في إيران والسعودية ومصر والأردن وتركيا، على سبيل المثال لا الحصر، وإمّا العزلة والنسيان. وإذا لم نأخذ بالاعتبار أنّ هزيمة عسكرية وقعت وأنّ موازين القوى تبدّلت، فمن سيأخذ لبنان على محمل الجدّ ويتعاطى مع الدولة بمسؤوليّة والتزام؟

ماذا يفيد لبنان لو نالت إيران مطالبها وانهزمت الصهيونية في عقر دارها، بينما السلاح بلا ضوابط والدولة بلا قرار في مسائل تخصّها، والبلاد ساحة مواجهات يدفع ثمنها اللبنانيون مرّات متكرّرة. وماذا ينفع لبنان لو فشل عهد ترامب وسقط نتنياهو بينما ودائع الناس محتجَزة في المصارف والمنكوبون جرّاء الحرب الأخيرة بلا مساكن أو مورد رزق؟

إقرأ أيضاً: سوريا ودورها اللّبنانيّ: برودة سنّيّة وذعر أقلّويّ (2-2)

السؤال الملازم: هل التصدّي لإسرائيل عسكريّاً مهمّة حصريّة بلبنان، إلى ما لا نهاية؟ وكيف يمكن التصدّي بلا صمود يتشارك فيه كلّ اللبنانيين وبرعاية الدولة؟ وإذا كانت فلسطين محتلّة بالكامل ولا خيار لأهلها سوى مواجهة الاحتلال، فهل هذا هو واقع لبنان وخياره؟ أفلا يكون التصدّي مجدياً مع العرب مجتمعين، ممّن ساروا بالتطبيع ومن هم خارجه، علماً أنّ الجميع مُجمعون على قيام الدولة الفلسطينية إذا كان المراد السلام المنشود.

 

*أستاذ جامعي وسفير سابق

مواضيع ذات صلة

ما بعد “كابوس العراق”: مادورو ليس إلّا البداية

للهجوم على قراره القاضي باعتقال القوّات الأميركيّة الخاصّة الرئيس الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو وزوجته عقب عمليّة كوماندوس معقّدة في كراكاس، سيستعيد خصوم الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب…

إيران تترنّح: وصفة البقاء لم تعد كافية

خمسة وأربعون عاماً مضت منذ أن تحدّت الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران نبوءات زوالها. صمدت أمام حرب مدمّرة، عقوبات خانقة، اغتيالات وانتفاضات شعبيّة متكرّرة. في كلّ…

المفاوضات السّوريّة – الإسرائيليّة: انطلاقة مثمرة

عُقدت في باريس، بعد أشهر من الانقطاع، جولة جديدة من المباحثات بين سوريا وإسرائيل. رأسَ الوفد السوريّ وزير الخارجيّة أسعد الشيباني، فيما أرسلت إسرائيل وفداً…

فلسطين: طموحات سياسيّة تعرقلها التّحدّيات الأمنيّة

تدخل السلطة الفلسطينيّة عام 2026 بأجندة سياسيّة طموحة تهدف إلى تعزيز الديمقراطيّة وإنهاء الاحتلال، لكنّ التحدّيات الداخليّة والخارجيّة تجعل إنجاز هذه الأجندة أمراً صعباً، وربّما…