تونس وهي تفتح ملفّات زمن النّهضة

مدة القراءة 5 د

أمّا وقد أصدر القضاء التونسي قراره بالحكم على رئيس الوزراء الأسبق علي العريض بالسجن لسنوات طويلة، فإنّ ذلك يعني أنّ حركة النهضة فقدت آخر رموز عصرها الذهبي، ولم تعد لديها القدرة على اتّخاذ قرار يؤكّد نفوذها على مستوى النشاط الشعبي المباشر، بعدما صار زعيمها راشد الغنوشي ومعظم قادتها خلف القضبان محكومين لسنوات طويلة بتهم تمسّ أمن الدولة واستقرارها.

 

 

ليس من المستبعد أن يفتح القضاء ملفّات جديدة سيكون من شأنها أن تزيد من ثقل الأحكام في حقّ أعضاء الحركة التي حكمت تونس عشر سنوات على مرحلتين: مرحلة الترويكا حين تحالفت مع حزبين رئيسيَّين، ومرحلة انفردت فيها بالحكم. كان علي العريض وزيراً للداخلية في حكومة حمادي الجبالي الذي هو نهضويّ أيضاً، ثمّ أصبح رئيساً للحكومة.

إذا كانت التهم، التي حوكم بموجبها راشد الغنوشي وهو زعيم الحركة، قد تفاوتت بين تسلّم تمويل أجنبي وغسل الأموال والتحريض الإعلامي على أمن الدولة، فإنّ تسفير التونسيين إلى مواقع التوتّر في سوريا والعراق وليبيا هي التهمة التي استحقّ العريض بسببها السجن لأكثر من ثلاثين سنة.

حكمت الحركة تونس إثر النجاح السريع وغير المتوقّع للحراك الشعبي في إزاحة زين العابدين بن علي من السلطة، وغطّت على فساد استراتيجيتها المريبة بشعارات دينية ذات طابع شعبوي، بحيث لم يؤثّر كثيراً تدنّي المستوى المعيشي للتونسيّين في ظلّ حكمها على ما كان زعيمها يتميّز به من تقدير شعبي.

ليس من المستبعد أن يفتح القضاء ملفّات جديدة سيكون من شأنها أن تزيد من ثقل الأحكام في حقّ أعضاء الحركة التي حكمت تونس عشر سنوات

اليسار الذي خان خطابه

لو لم يفُز رجل قانون هو قيس سعيّد عام 2019 بمنصب رئيس البلاد في انتخابات شفّافة ونزيهة، وكان مأمون الجانب بالنسبة لحركة النهضة، لاستمرّ حكم الحركة إلى هذا اليوم، على الرغم من كلّ ما خالطه من فساد ومؤامرات للانحراف بتونس من طابعها المدني وإدخالها في دوّامة التعصّب الديني، الذي كان تسفير التونسيين للقتال إلى جانب التنظيمات الإرهابية واحداً من أهم مظاهره.

قد يتساءل البعض عن سرّ غياب التيّارات اليسارية في ذلك الوضع المتشنّج الذي عاشته تونس بعد ما سُمّي بثورة الياسمين، وهو سؤال يفرضه تاريخ من التفكير المدني الذي سبق المجتمع التونسي من خلاله الكثير من المجتمعات في المنطقة.

لم يكن ذلك غائباً عن تفكير حركة النهضة التي اعتقد زعيمها أنّها البديل الجاهز لنظام بن علي الذي يمثّل، وإن بشكل مخفّف وجزئي، دولة الاستقلال التي أسّسها الحبيب بورقيبة. لذلك كانت الاغتيالات السياسية هي الوسيلة السريعة لمعالجة أيّة مفاجأة يمكن أن تحدث بسبب محاولة اليسار توسيع دائرة نفوذه شعبياً، على الرغم من أنّ خطابه كان متعالياً وغامضاً ويغلب عليه الطابع النظري.

ما يسترعي الدهشة والاستغراب، هو أنّ ردّ فعل اليسار التونسي على ما حدث كان بمنزلة واحدة من أعظم نكساته. لقد دافع اليساريون عن حركة النهضة في مواجهة الحملات الحكومية لتقييد حركتها تمهيداً لجرّها إلى القضاء. ذلك ما أوحى للحركة بالمزيد من الثقة بالنفس، وفي المقابل ضيّع على التونسيين فرصة التفكير في خيارات ديمقراطية متنوّعة في ظلّ الصراع الذي خاضه قيس سعيّد من أجل إعادة الاعتبار إلى القانون، والعمل على جعله المرجعية الوحيدة في النظر إلى ما فعلته الحركة عبر العشر سنوات التي حكمت فيها تونس.

بالغت حركة النهضة، باعتبارها واحداً من فروع جماعة “الإخوان”، في الكشف عن مشاريعها المستقبلية بالتعاون مع مصادر تمويلها الخارجية من أجل تحويل تونس إلى ولاية إخوانية

تشويه سمعة تونس

قبل سنوات لم يكن أحد يتوقّع أن تنتهي الحال برجل تونس القويّ وشيخ حركة النهضة سجيناً إلى ما لن تتّسع له حياته من سنوات. غير أنّ ذلك التوقّع كان مبنيّاً على تقديرات غير صحيحة حتّى من قبل الغنّوشي نفسه. فالرجل الذي قضى الجزء الأكبر من حياته منفيّاً لم ينظر إلى الدولة التي كان يزعم أنّه يناضل من أجل تحريرها من الاستبداد إلّا باعتبارها غنيمته التي في إمكانه أن يفعل بها ما يشاء.

لقد بالغت حركة النهضة، باعتبارها واحداً من فروع جماعة “الإخوان”، في الكشف عن مشاريعها المستقبلية بالتعاون مع مصادر تمويلها الخارجية من أجل تحويل تونس إلى ولاية إخوانية، وفي الوقت نفسه سنّت قوانين كثيرة سمحت لأعضائها بالاستيلاء على المال العامّ.

إقرأ أيضاً: الانتخابات العراقيّة: متى يعود الصّدر ويقلب الطّاولة؟

كانت هناك سرقة منظّمة رافقها جهد حثيث للزجّ بتونس في مغامرات جماعة “الإخوان المسلمين”، وبالأخصّ بعد الفشل الذي مُنيت به في مركزها مصر. كان علي العريض في منصبه الرفيع واحداً من أهمّ زعماء حركة النهضة الذين ندّدوا بما سمّوه انقلاباً في مصر.

الآن وقد حانت لحظة الحقيقة، فإنّ كلّ ما يُقال عن تسييس المحاكمات إنّما هو نوع من الدفاع الهزيل الذي يُغلّب الخصام السياسي على الثوابت الوطنية. وفي كلّ الأحوال أدّت السياسات التي اتّبعتها حركة النهضة عبر السنوات العشر التي حكمت فيها تونس، إضافة إلى ما سبّبته من انهيارات اقتصادية، إلى تشويه سمعة تونس باعتبارها مصدِّرة للإرهابيين، الذين قامت حكومة النهضة يوم كان العريض رئيساً للحكومة باستقبال المئات منهم بعدما أرجعتهم الشركات الأمنيّة من مواقع عملها.

مواضيع ذات صلة

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…