“الحزب”… بعد تسليم سلاحه (5/5)

مدة القراءة 9 د

يقول “الحزب” إنّ سلاحه ضروري “لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي” و”حماية لبنان” في ظلّ ضعف الدولة اللبنانية وعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها بشكل كامل. هذا السرد، على الرغم من اعتراضات داخلية لبنانية كبيرة، يمنحه بعضاً من الشرعية الداخليّة للحفاظ على سلاحه ودوره العسكري.

 

لكنّ وجود السلاح يمنح “الحزب” نفوذاً سياسياً كبيراً داخل لبنان، ويسلّحه بكلمة عليا في قرارات الحرب والسلام، ويجعله لاعباً رئيسيّاً لا يمكن تجاهله في أيّ تشكيل حكومي أو سياسي.

أمّا من وجهة نظر إسرائيل، فإنّ رفض “الحزب” تسليم سلاحه، خاصّة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000 باستثناء مزارع شبعا المتنازَع عليها، يُنظر إليه على أنّه استمرار لحالة العداء ويقدّم ذريعة دائمة للتدخّل الإسرائيلي. وبغضّ النظر عن نوايا “الحزب”، فإنّ بقاء سلاحه خارج إطار الدولة يظلّ نقطة ضعف يمكن لإسرائيل استغلالها.

بالخلاصة، إنّ رفض “الحزب” تسليم سلاحه هو بالفعل عامل رئيس تستفيد منه إسرائيل لتبرير استمرار عدائيّتها تجاه لبنان، وتغطية حروبها في المنطقة، وفي غزّة بالذات، وتكريس حالة عدم الاستقرار. يضع هذا الوضع المعقّد لبنان في مأزق، إذ يصبح سلاح “الحزب”، الذي يراه البعض ضمانة لأمن لبنان، في الوقت نفسه ذريعة دائمة للعمليّات العسكرية الإسرائيلية ويؤثّر سلباً على السيادة والاستقرار اللبنانيَّين.

الإشكال اللبنانيّ هو أنّ “الحزب” أُنشِئ أوائل الثمانينيّات ليكون جزءاً من جهد إيراني لتجميع المجموعات الشيعية اللبنانية المسلّحة تحت مظلّة واحدة، وبدعم وتدريب من الحرس الثوري الإيراني. وقد أعلن وثيقته السياسية “الرسالة المفتوحة” عام 1985، وتضمّنت مبادئ وأهدافاً من بينها “إزالة إسرائيل من الوجود” ومواجهة الهيمنة الغربية. ويؤمن “الحزب” بولاية الفقيه ويتبع خطّ الإمام الخميني. من هنا، تحوُّله إلى حزب سياسي غير مسلّح موضوع معقّد ويواجه تحدّيات كبيرة جدّاً.

يبقى الأهمّ في الولاءات الخارجية، فارتباط “الحزب” الوثيق بإيران وولائه للمرشد الأعلى الإيراني يخلقان توتّراً مع مفهوم السيادة الوطنية اللبنانية

نزع السّلاح يُضعف نفوذ إيران

عند التأسيس كان “الحزب” حركة مقاومة مسلّحة، ويُعدّ “سلاح المقاومة” جزءاً لا يتجزّأ من هويّته وعقيدته. فالتخلّي عن السلاح يعني التخلّي عن جزء أساسي من كيانه ومبرّر وجوده، وهو ما يقول عنه أنّه خطّ أحمر. وبما أنّ “الحزب” هو الذراع العسكرية والسياسية الأبرز لإيران في المنطقة، استثمرت طهران عشرات المليارات في دعمه، ولا تبدو مستعدّة للتخلّي عن هذا الاستثمار الذي منحها الدور المحوري في الشؤون الإقليمية.

من هنا، سيُضعف نزع سلاح “الحزب” نفوذ إيران بشكل كبير. فـ”الحزب” يعمل، بتصريح واضح من زعمائه السابقين والحاليّين، وكيلاً لإيران في صراعات إقليمية متعدّدة، ودوره هذا يتطلّب منه الحفاظ على قوّته العسكرية. وبالطبع يسوّغ “الحزب” بقاء سلاحه بوجود التهديد الإسرائيلي المستمرّ، فحتّى لو انسحبت إسرائيل من الأراضي المتنازَع عليها، تقوم عقيدته على ضرورة مقاومة إسرائيل حتّى “إزالتها من الوجود”.

لكنّ الأهمّ هو أنّ السلاح يمنح “الحزب” نفوذاً سياسياً هائلاً داخل لبنان، ويجعله قوّة لا يمكن تجاوزها في المشهد السياسي اللبناني. التخلّي عن السلاح يعني التنازل عن جزء كبير من هذه القوّة.

عقيدة “الحزب” وطبيعة لبنان

من هنا، سيكون غيرَ ممكن طرحُ بقاء “الحزب” تنظيماً سياسياً غير مسلّح. فعقيدة “الحزب” السياسية لا تتناسب بأيّ شكل من الأشكال مع طبيعة لبنان المتعدّدة طائفيّاً. فـ”الحزب” يتبنّى مبدأ ولاية الفقيه، وهو نظام حكم ديني يستند إلى اجتهاد فقهي شيعي.

لبنان، بطبيعته، دولة تعدّدية طائفية وديمقراطية برلمانية، وفرض نموذج ولاية الفقيه أو حتّى السعي غير المباشر إلى ترسيخه يتعارض مع الميثاق الوطني اللبناني الذي يقوم على الشراكة والمساواة بين الطوائف. على الرغم من أنّ “الحزب” أعلن تخلّيه عن السعي المباشر إلى إقامة دولة إسلامية في لبنان نظراً لخصوصيّات الواقع اللبناني، تظلّ عقيدته الأساسية متّجهة نحو هذا المفهوم. وهذا يتعارض مع مفهوم الدولة المدنية الحديثة التي يطمح إليها كثير من اللبنانيين.

لبنان، بطبيعته، دولة تعدّدية طائفية وديمقراطية برلمانية، وفرض نموذج ولاية الفقيه أو حتّى السعي غير المباشر إلى ترسيخه يتعارض مع الميثاق الوطني اللبناني

يبقى الأهمّ في الولاءات الخارجية، فارتباط “الحزب” الوثيق بإيران وولائه للمرشد الأعلى الإيراني يخلقان توتّراً مع مفهوم السيادة الوطنية اللبنانية. هذا الولاء الخارجي يُنظر إليه من قبل الكثير من اللبنانيين، خاصّة من الطوائف الأخرى، على أنّه يضع مصالح إيران فوق مصالح لبنان.

تجربة انخراط “الحزب” في صراعات إقليمية بناءً على أجندته الأيديولوجية والولاء لإيران تجرّ لبنان إلى هذه الصراعات معرّضة إيّاه لمخاطر لا تتّفق مع رغبة الكثير من اللبنانيين في النأي بالنفس وحماية بلادهم من التوتّرات الإقليمية.

صحيح أنّ “الحزب” نفسه جزء لا يتجزّأ من النسيج اللبناني ولديه قاعدة شعبية واسعة ضمن الطائفة الشيعية، لكنّ طبيعته العسكرية وعقيدته السياسية المترسّخة في ولاية الفقيه وولاءاته الخارجية تشكّل تحدّياً كبيراً لمستقبل لبنان كدولة تعدّدية ذات سيادة كاملة. التحوّل إلى حزب سياسي غير مسلّح يبدو مستبعداً في المستقبل المنظور من دون تغييرات جوهرية في عقيدته وبنيته، لكنّ هذه التغييرات تعني زوال مفهوم التبعيّة لولاية الفقيه السياسية.

نهاية نظام الملالي نهاية لـ”الحزب”؟

إنّ السؤال عمّا إذا كانت نهاية نظام الملالي في إيران ستؤدّي إلى نهاية “الحزب” والميليشيات الأخرى المرتبطة بمشروع ولاية الفقيه، سؤال معقّد ولا توجد إجابة قاطعة له. فقد نشأ “الحزب” بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني في أوائل الثمانينيّات. ليس ارتباطه بولاية الفقيه ارتباطاً سياسيّاً أو ماليّاً، بل هو ارتباط عقائدي وجوديّ.

يرى العديد من المحلّلين أنّ “الحزب” وُلد مع نظام ولاية الفقيه وقد ينتهي معه. وتعتمد ميزانيّته بشكل كبير جدّاً على التمويل الإيراني الذي يقدّر بـ700 مليون إلى مليار دولار سنويّاً، بالإضافة إلى الأسلحة والتدريب. بدون هذا الدعم الحيوي، سيواجه “الحزب” صعوبات كبيرة جدّاً في الحفاظ على قدراته العسكرية والبقاء بالمستوى نفسه من الفاعليّة.

وجود السلاح يمنح “الحزب” نفوذاً سياسياً كبيراً داخل لبنان، ويسلّحه بكلمة عليا في قرارات الحرب والسلام، ويجعله لاعباً رئيسيّاً

عقيدة “الحزب” مبنيّة على “ولاية الفقيه”، وهو ما يجعله تابعاً روحيّاً وسياسيّاً للمرشد الأعلى في إيران. هذا العمق العقائدي يعني أنّ التغيير في إيران يمكن أن يؤثّر على أساسيّات فكر “الحزب” وهيكل قيادته.

لكن، بالمقابل، يمتلك “الحزب” قاعدة شعبية واسعة ودعماً قويّاً داخل الطائفة الشيعية في لبنان، ليس فقط بسبب دوره المقاوم، بل أيضاً لدوره الاجتماعي والخدماتي من مستشفيات ومدارس وجمعيّات خيريّة. هذا الدعم الشعبي لن يختفي مباشرة بانتهاء النظام في إيران، لكنّه قد يتأثّر بشدّة.

بنى “الحزب” على مدى عقود بنية تنظيمية قويّة، بما في ذلك أجهزة أمنيّة وعسكرية وسياسية واقتصادية. هذه البنية لديها قدرة على الصمود في وجه الصعوبات. وبالإضافة إلى الدعم الإيراني، يعتمد على مصادر تمويل أخرى، وإن كانت أقلّ حجماً، مثل التبرّعات من الشتات اللبناني الشيعي، واستثمارات، وبعض الأنشطة غير القانونية مثل تجارة المخدّرات، وهذه المصادر قد تصبح أكثر أهمّية في حال انقطاع الدعم الإيراني.

أكثر قدرة على الصّمود

اكتسب “الحزب” خبرة قتالية واسعة في صراعات متعدّدة، وهذه الخبرة العسكرية والقدرات الذاتية لا يمكن أن تتبخّر بين عشيّة وضحاها. وبينما تعتمد معظم الميليشيات الأخرى المدعومة من إيران مثل بعض فصائل الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن بشكل كبير على الدعم الإيراني وقد تضعف أو تتفكّك بشكل كبير مع نهاية نظام الملالي، فإنّ “الحزب” لديه خصوصيّة إضافية بسبب عمق قاعدته الاجتماعية والسياسية في لبنان.

لدى “الحزب” ارتباطات محلّية قويّة داخل لبنان لأنّه لاعب أساسيّ في الساحة اللبنانية. هذا يجعله أكثر قدرة على الصمود من ميليشيات أخرى قد تكون أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي وتفتقر إلى العمق الاجتماعي والسياسي نفسه.

يقول “الحزب” إنّ سلاحه ضروري “لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي” و”حماية لبنان” في ظلّ ضعف الدولة اللبنانية وعدم قدرتها على الدفاع عن نفسها بشكل كامل

لكنّ السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تؤدّي نهاية نظام الملالي إلى ضعف كبير في قدرات “الحزب” العسكرية والماليّة. فقد يضطرّ إلى تقليص عمليّاته، وتقليل حجم قوّاته، والتركيز بشكل أكبر على دوره السياسي والاجتماعي. وقد يحاول التكيّف مع الواقع الجديد، ربّما من خلال البحث عن مصادر تمويل ودعم بديلة، وهو أمر صعب للغاية، أو من خلال تغيير بعض جوانب عقيدته أو أولويّاته لتعكس الوضع الجديد.

يؤدّي غياب الدعم الإيراني وولاية الفقيه إلى صراعات داخلية على القيادة وتوجّه “الحزب”، إلى جانب تزايد الضغوط الدولية والداخلية على “الحزب” لتسليم سلاحه والاندماج بشكل كامل في الدولة اللبنانية، وهو ما سيصعب عليه رفضه بالقوّة نفسها إذا فقد الدعم الإيراني.

بالمحصّلة، إنّ نهاية نظام الملالي في إيران لن تؤدّي بالضرورة إلى “اختفاء” الحزب من الوجود بين عشيّة وضحاها، نظراً لعمق ارتباطه بالمجتمع اللبناني الشيعي وامتلاكه بنية تنظيمية قويّة. ومع ذلك، من المؤكّد أنّها ستؤثّر عليه بشكل جذري.

إقرأ أيضاً: أين لبنان من حلّ قضيّة اللّاجئين الفلسطينيّين؟ (4/5)

من المرجّح أن يؤدّي ذلك إلى ضعف كبير في قوّته العسكرية والماليّة، وإجباره على إعادة تقويم دوره واستراتيجيته، وقد يفتح الباب أمام تحوّلات داخلية في قيادته وتوجّهاته. أمّا الميليشيات الأخرى التي تفتقر إلى العمق الاجتماعي والسياسي نفسه، فمن المرجّح أن تكون أكثر عرضة للتفكّك أو الضعف الكبير.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@allouchmustafa1

مواضيع ذات صلة

ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف

لم تعرف الولايات المتّحدة في تاريخها رئيساً يمكن التشبيه به لفهم دونالد ترامب. يمكن أن نجد للترامبيّة منابع في يمينيّة قوميّة محافظة، بعضها عنصريّ، شهدتها…

نوري المالكي مجدّداً.. المرشد “يستنفز” جنوده!

هل يحتاج العراق اليوم إلى استعادة وجوه الماضي أم إلى فتح صفحة جديدة؟ هل يعكس ترشيح نوري المالكي قراءة داخليّة لمصلحة البلاد أم استدعاءً إقليميّاً…

اليَمَنُ وسُؤال الدولةِ الغائبةِ: متى يعود سعيداً؟

لم يعد استدعاء تسمية “اليمن السعيد” فعلاً لغوياً أو حنيناً تاريخياً، بل بات مدخلاً ضرورياً لفهم واحدة من أكثر أزمات العالم العربي تعقيداً وخطورة. فاليمن،…

المفاوضات الرّوسيّة – الأوكرانيّة…تدير السّلام ولا تُنهي الصّراع

بدأت مفاوضات السلام الروسيّة – الأوكرانيّة، لكنّها لم تتّخذ صفة محطّة تفاوضيّة عاديّة، بل كانت حدثاً محمّلاً بدلالات تتجاوز الجغرافيا والزمان. لا تُقرأ المفاوضات فقط…