ما هي الحقيقة المجرّدة لملكيّة مزارع شبعا؟ هل هي أراضٍ لبنانيّة أم سوريّة؟ وكيف يُمكن للدولة أن تتعاطى مع هذا الملفّ بواقعيّة وحِرفيّة، بعيداً من المناكفات السياسية أو المواقف المسبقة؟
مزارعُ شبعا وتلالُ كفرشوبا قضيّةٌ لبنانيّةٌ وطنيّةٌ. ومن الناحيةِ القانونيّةِ، هي مسألةٌ يختصُّ بها القانونُ الدوليُّ بكلّ تفرّعاتِه، ودراستُها من هذه الناحيةِ يمكن أنْ تصلَ إلى نتائجَ محدَّدةٍ، وهي ليستِ الحالةَ الأولى التي يتعرّضُ لها القانونُ الدوليُّ. أمّا من الناحيةِ السياسيّةِ، فستخضعُ قضيّةُ المزارعِ للعبةِ المصالحِ، خاصّةً في زمنِ سقوطِ أنظمةٍ وصعودِ أخرى، وحروبِ المشاريعِ الاقتصاديّةِ الإقليميّةِ والدوليّةِ، حيثُ احتمالاتُ تغييرِ الخرائطِ واردةٌ، وإنْ لم يكنْ جغرافيّاً، فالتغييرُ حتميٌّ في الحدودِ السياسيّةِ للقوى المتنازعةِ.
لماذا لم نلجأْ إلى القانونِ، وكانتِ القضيّةُ دوماً خاضعةً للسياسةِ والأخذِ والرّدِّ؟ لا شكَّ أنّ الاحتلالَ الإسرائيليَّ كان السببَ الأساسيَّ ولا يزالُ. وهذهِ حقيقةٌ، لكنْ ليستْ كاملةً، فالجزءُ المُهمَلُ من الحقيقةِ هو أنّ إدارةَ الصراعِ مع إسرائيل كانتْ بيدِ النظامِ السوريِّ لعقودٍ، ومن بعدِ ضعفِه انتقلتِ السلطةُ إلى محورِ الممانعةِ في لبنان، الذي اتّخذ من الاحتلالِ ذريعةً لتبريرِ وجودِ سلاحِه وتأجيلِ تثبيتِ الحقوقِ بين لبنان وسوريا، إلى أنْ سقطَ نظامُ الأسدِ، مورِّثاً النظامَ الجديدَ عدمَ ترسيمِ الحدودِ بين لبنان وسوريا.
تعيشُ قضيّةُ المزارعِ اليومَ فصلاً جديداً من عمرِها المديدِ، والفارقُ الأساسيُّ فيه هو سقوطُ النظامِ السوريِّ وانهيارُ محورِ الممانعةِ
منصّةٌ لإطلاق التّهم
تعيشُ قضيّةُ المزارعِ اليومَ فصلاً جديداً من عمرِها المديدِ، والفارقُ الأساسيُّ فيه هو سقوطُ النظامِ السوريِّ وانهيارُ محورِ الممانعةِ، إلّا أنّ الصخبَ اليومَ في ملفِّ المزارعِ ما يزال يتعاملُ مع القضيّةِ بأدوات النظامِ السوريِّ ومحور الممانعةِ ومنهجيّتهما.
كما كلّ الملفّاتِ والقضايا، يُحوَّلُ ملفُّ المزارعِ إلى منصّةٍ لإطلاقِ التّهمِ على كلِّ من يفكّرُ من خارجِ صندوقِ الممانعةِ، ويُتَّهَمُ الرأيُ المختلفُ بالخيانةِ والعمالةِ وما إلى ذلك. يُصعِّبونَ طريقَ فهمِ هذه القضيّةِ التي تتلخّصُ بالآتي: هي أراضٍ لبنانيّةٌ تحتلّها إسرائيلُ وتدّعي بأنّها سوريّةٌ، أيْ في ذلكَ حقيقتانِ اثنتانِ:
- المزارعُ أراضٍ عربيّةٌ، إمّا لبنانيّةٌ وإمّا سوريّةٌ.
- المزارعُ أراضٍ محتلّةٌ من قبلِ الكيانِ الإسرائيليِّ.
الحقيقةُ الأولى
إذاً هذهِ الأراضي متنازَعٌ على سيادتِها بين لبنان وسوريا، وقد أكّدَ ميثاقُ الأممِ المتّحدةِ مبدأَ التسويةِ السلميّةِ للمنازعاتِ الدوليّةِ ومنعَ الاستيلاءِ على الأراضي بالقوّةِ. وعند وقوعِ نزاعٍ على أرضٍ بين دولتين، فإنّ القانونَ الدوليَّ يُوفِّرُ وسائلَ متعدّدةً لمعالجةِ الأمرِ، منها: التفاوضُ المباشرُ، الوساطةُ والتوفيقُ عبر طرفٍ ثالثٍ، التحكيمُ الدوليُّ بعدَ اتّفاقِ الطرفين، مثل تحكيمِ لجنةِ “بارتون” بين فلسطينَ المنتدَبةِ ومصر عام 1906، أو تحكيمِ “طابا” عام 1988 بين مصر وإسرائيل، أو اللجوءُ إلى محكمةِ العدلِ الدوليّةِ، أو الخضوعُ لقراراتِ مجلسِ الأمنِ الدوليِّ والأممِ المتّحدةِ، أو محكمةِ التحكيمِ الدائمةِ.
لم يحِدْ الموقفُ اللبنانيُّ عن المطالبةِ بانسحابِ إسرائيلَ من مزارعِ شبعا، وبالتالي لبنانيّة المزارعِ وتلالِ كفرشوبا مسألةٌ لا لَبسَ فيها لدى الدولةِ اللبنانيّةِ
هناك عشراتُ الأمثلةِ على قضايا النزاعِ على الأراضي، مثل جزرِ ليغيتان وسيبادان بين إندونيسيا وماليزيا، وقطاعِ أوزو بين تشاد وليبيا، وقضيّةِ الحدودِ بين قطر والبحرين، وخليجِ فروز (خور عبدالله) بين العراق والكويت، إضافةً إلى نزاعاتٍ لا تزالُ عالقةً، ككشمير وجزيرةِ هنشال وحلايب والصحراءِ الغربيّةِ. القاسمُ المشتركُ بينها أنّ القانونَ الدوليَّ يُوفِّرُ أدواتٍ للحلِّ، لكنّها تتطلّبُ إرادةً سياسيّةً لاحترامِ القراراتِ أو الأحكامِ الصادرةِ، وفي غيابِ هذه الإرادةِ قد تبقى النزاعاتُ مجمّدةً لعقودٍ.
تستوجبُ هذهِ الحقيقةُ المباشرةَ الفوريّةَ بالتواصلِ مع الدولةِ السوريّةِ والعودةَ إلى جامعةِ الدولِ العربيّةِ للبدءِ دون إبطاءِ في البحثِ في ملفِّ مزارعِ شبعا وتلالِ كفرشوبا. ويمكنُ الاسترشادُ ببعضِ المبادئِ القانونيّةِ الدوليّةِ التي أرستْها المحاكمُ الدوليّةُ، وأهمُّها مبدأ “أوتي بوسيديتيس جوريس”، أي احترامُ الحدودِ الموروثةِ من الحقبةِ الاستعماريّةِ، ولبنانُ يمتلكُ كلَّ الوثائقِ لتأكيدِ هذا الحقِّ.
الحقيقةُ الثّانية
بدأ احتلالُ المزارعِ منذ حزيرانَ 1967 بعدَ الحربِ العربيّةِ الإسرائيليّةِ، التي كانت إحدى نتائجِها احتلالَ إسرائيلَ لأراضٍ عربيّةٍ، ومنها مزارعُ شبعا، التي لم يُحتلَّ كلُّها دفعةً واحدةً. وتبلغُ مساحةُ المزارعِ 200 كلم²، وتضمُّ 15 مزرعةً، وقد اكتملَ وقوعُ الاحتلالِ على كاملِ المزارعِ وتلالِ كفرشوبا في نيسانَ 1989 باحتلالِ مزرعةِ بسطرة، التي عادت وتحرّرتْ عام 2000.
لم يحِدْ الموقفُ اللبنانيُّ عن المطالبةِ بانسحابِ إسرائيلَ من مزارعِ شبعا، وبالتالي لبنانيّة المزارعِ وتلالِ كفرشوبا مسألةٌ لا لَبسَ فيها لدى الدولةِ اللبنانيّةِ. وهذا لا يُعفي الدولةَ من تقصيرِها التاريخيِّ في حمايةِ السيادةِ الوطنيّةِ وتعويضِ المتضرّرينَ عن خسائرِهم التي تمتدُّ لأجيالٍ.
لكنّ الموقفَ اللبنانيَّ كان يخضعُ للهيمنةِ، ولم يفتحْ البابَ واسعاً للبحثِ في ملفٍّ حسّاسٍ كمزارعِ شبعا، متّخذاً مصلحةَ لبنانَ أوّلاً. وقد أصدرتِ الأممُ المتّحدةُ قراراتٍ عدّةً مرتبطةً بالقضيّةِ، بدءاً من القرار 242 (1967) الذي أدرجَ المزارعَ ضمنَ الأراضي السوريّةِ، والقرار 425 (1978) الذي طالبَ العدوَّ بالانسحابِ من الأراضي اللبنانيّةِ كافّة، وقد اعتبرتِ الأممُ المتّحدةُ في عام 2000 أنّ هذا الانسحابَ قد تمّ، في حين اعترضتِ الدولةُ اللبنانيّةُ على عدمِ شمولِ الانسحابِ مزارعَ شبعا والتلالِ.
اعتمدتِ الأممُ المتّحدةُ على الأمرِ الواقعِ السائدِ عام 1967، معتبرةً المزارعَ جزءاً من الجولانِ السوريِّ المحتلِّ. ومع ذلك، أكّدتْ أنّ هذا التحديدَ لا يمنعُ أيَّ اتّفاقٍ بين لبنان وسوريا على الحدودِ، إذ إنّ ترسيمَ الحدودِ من صلاحيّاتِ الدولتين.
تلخّصُ قضيّةُ مزارعِ شبعا وتلالِ كفرشوبا تعقيداتِ النزاعاتِ الحدوديّةِ، حيثُ تتداخلُ العواملُ التاريخيّةُ والسياسيّةُ والقانونيّةُ
في كلّ مرّةٍ كانتْ الأممُ المتّحدةُ تطلبُ من سوريا ولبنان القيامَ بما يلزمُ لتثبيتِ السيادةِ، كانت الحُجّةُ هي وجودَ الاحتلالِ الإسرائيليِّ، وكأنّ الاحتلالَ يأبهُ لمشاكلِ لبنان وسوريا!
لم ينتقلِ المفاوضُ اللبنانيُّ إلى خياراتٍ جديدةٍ إلّا بعد مضيّ 40 عاماً على الاحتلالِ، فقدّمَ لبنانُ، بعد حربِ 2006، ضمن خطّتِه المعروفةِ بالنقاطِ السبعِ، اقتراحاً بوضعِ مزارعِ شبعا تحت إدارةِ الأممِ المتّحدةِ المؤقّتةِ، إلى حينِ اتّفاقِ لبنان وسوريا على ترسيمِ الحدودِ وتحديدِ السيادةِ. لكنْ رفضتْ إسرائيلُ هذا المقترحَ ما لم يتمّ نزعُ سلاحِ “الحزبِ” كاملاً، وربطتْ الأمرَ بشروطٍ أمنيّةٍ، كما صرّحَ عام 2007 رئيسُ الوزراءِ إيهود أولمرت الذي قال إنّه مستعدٌّ لمناقشةِ وضعِ شبعا إذا ضُمِن عدمُ وجودِ سلاحٍ لـ”الحزبِ” في الجنوب. بالتالي لم يتحقّقْ هذا السيناريو. انتظرْنا من 1967 إلى 2006 لأخذِ خيارٍ كان متاحاً منذ 1967، إلّا أنّ موجباتِ الصمودِ والتصدّي كانتْ أولويّةً لدى محورِ الممانعةِ.
صكوك الملكيّة
الآن، وبعدَ الإجراءاتِ الأخيرةِ لتطبيقِ القرار 1701 المحدَّثِ، أليسَ من المصلحةِ الوطنيّةِ إعادةُ تفعيلِ هذا السيناريو؟ واستطراداً، يمكنُ للمفاوضِ اللبنانيِّ أنْ يأخذَ بالحسبانِ صكوكَ الملكيّةِ اللبنانيّةِ التي تؤكّدُ ملكيّةَ المواطنينَ اللبنانيّينَ لأراضي المزارعِ، ويطالبَ بتطبيقِ القانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ (قانونِ الاحتلالِ الحربيِّ)، الذي يتضمّنُ قواعدَ لحمايةِ الممتلكاتِ في الأراضي المحتلّةِ، وفقاً لاتّفاق لاهاي عام 1907، واتّفاق جنيف الرابع عام 1949 (المادّة 49).
تضمنُ صكوكُ الملكيّةِ للمالكينَ حقَّ الانتفاعِ، ولو انسحبتْ إسرائيلُ نظريّاً ووضعتْ المزارعُ تحت وصايةٍ أمميّةٍ، فمن حقِّ هؤلاءِ العودةِ إلى أراضيهم، والمطالبةِ بالتعويضِ عن الحرمانِ من استثمارِها.
سبق أنْ عالجَ القانونُ الدوليُّ حالاتٍ مشابهةً، مثل الجدارِ العازلِ في فلسطين (محكمةُ العدلِ الدوليّةُ، 2004)، وقضيّةِ لويدزيدو ضدَّ تركيا (المحكمةُ الأوروبيّةُ لحقوقِ الإنسان، 1996)، وحالاتٍ في كوسوفو وجورجي وقبرص حيثُ أُقرَّ بحقوقِ الملكيّةِ الفرديّةِ على الرغم من فقدانِ السيطرةِ الفعليّةِ.
تلخّصُ قضيّةُ مزارعِ شبعا وتلالِ كفرشوبا تعقيداتِ النزاعاتِ الحدوديّةِ، حيثُ تتداخلُ العواملُ التاريخيّةُ والسياسيّةُ والقانونيّةُ. وقد أدّى التقصيرُ التاريخيُّ والانصياعُ لإرادةِ الخارجِ وخضوعُ القرارِ الوطنيِّ لقوى داخليّةٍ إلى انفجارِ نزاعٍ مؤجّلٍ بعدَ عقودٍ. إنّ المصلحةَ الوطنيّةَ تقتضي فصلَ مسألةِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ للمزارعِ عن مسألةِ ترسيمِ الحدودِ بين لبنان وسوريا.
* باحث في العلاقات الدوليّة.
المرجعيات القانونية الدولية
اتفاقية لاهاي الرابعة (1907)، المواد 46–56.
اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، المواد 47، 49، 53.
رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري حول الجدار العازل (2004).
قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية لويدزيدو ضد تركيا (1996).
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (1970).
القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني (اللجنة الدولية للصليب الأحمر).
الأمم المتحدة – قرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006
وكالة رويترز – تصريحات مبعوث الأمم المتحدة حول مزارع شبعا (2007)
الجيش اللبناني – دراسة تاريخية وجغرافية عن مزارع شبعا-lebarmy.gov.lb
صحيفة الجزيرة نت (مقال 23/8/2006) – مزارع شبعا في قرارات الأمم المتحدة
بيان مجلس الأمن الدولي 18/6/2000 (المتضمن موقف الأمم المتحدة من الانسحاب وشبعا)
واشنطن إنستيتيوت – تقرير عن سياسة سوريا الخارجية ودعمها لموقف لبنان(2001) washingtoninstitute.org
صحيفة جيروزاليم بوست – تقرير عن موقف القمة العربية تجاه الجولان وشبعا (2019) jpost.com
موسوعة بريتانيكا – مادة نزاع نيجيريا والكاميرون حول باكاسي- britannica.com
قرار محكمة العدل الدولية في قضية معبد بخيرة فرا فيهيار 1962
قرار محكمة العدل الدولية التفسيري في قضية بخيرة فرا فيهيار 2013
الأمم المتحدة – بعثة يونيسفا في أبيي (خلفية النزاع والترتيبات المؤقتة)- unisfa.unmissions.org
الأمم المتحدة – أرشيف قضية القدس (قرار التقسيم 1947)- history.state.gov
اللجنة الدولية للصليب الأحمر – قاعدة بيانات القانون العرفي (قاعدة احترام الملكية تحت الاحتلال) – amnesty.org
قضية لويزيدو ضد تركيا – المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (ملخص الحكم بشأن حق الملكية) – opil.ouplaw.com
قناة الجزيرة الإنجليزية – أطلس تفاعلي لحدود إفريقيا (مقال 2025 عن حلايب وبئرطويل) – aljazeera.com
