إيران تجلس في بيتنا… وإسرائيل ضدّ القرآن

مدة القراءة 6 د

أما وقد وقعت الحرب، فقد صار لزاماً علينا أن نستشرف، ليس مستقبل إيران فحسب، بل مستقبل المنطقة برمّتها، وذلك استناداً إلى تاريخ طويل من معرفتنا الدقيقة بإيران وبإسرائيل، ولا بأس هنا من مقاربات سريعة لخطورة المشروعيَن على المنطقة وعلى العرب.

 

 

سمعنا مراراً وتكراراً عن إسرائيل الكبرى التي تمتدّ من الفرات إلى النيل. سمعنا أكثر عن نبوءات توراتيّة تمتدّ إلى أربعة آلاف من السنين. لكنّنا ما وجدنا وما عرفنا إلّا إسرائيل الصغرى، المختنقة بفلسطينيّي الداخل في أراضي الـ48، والمطوّقة بفلسطينيّي الضفّة والقطاع، ويكاد هذا التطويق وهذا الاختناق أن يأخذا مكانتهما في أساس وجودها، حيث أظهرت كلّ المؤشّرات والدراسات أنّ الغرق الديمغرافي سيؤدّي في نهاية المطاف إلى بعثرة الكيان على نحو هادئ ومتدرّج.

خطورة إسرائيل القصوى أنّها عدوانيّة وتوسّعية وعقائدية، ولن تتوانى عن الذهاب بعيداً في لعبة القضم والاستحواذ وفرض الأمر الواقع بمنطق الحديد والنار، ولا أحد سيقف في وجهها، لا عسكريّاً ولا سياسيّاً، لأنّها كانت وستبقى ذراع أميركا الضاربة، ويدها المخصّصة لإنجاز الأعمال القذرة، وستواظب قطعاً على حمايتها ورعايتها، ولو بأشفار العيون.

لكنّ إسرائيل هذه تكاد تكون عاجزة تماماً عن الاندماج الطبيعي في محيطها، وهذا لا يعود إلى طبيعتها الإجراميّة أو كيانها الغاصب، بقدر ما ينطوي على شعور عامّ يمتدّ من سواحل الهند إلى شواطئ المغرب، ومردّ هذا الشعور ليس وطنيّاً أو نضاليّاً أو آنيّاً فحسب، بل هو عداء مركزيّته القرآن، وهذه معضلة غائرة ليست تحلّها كلّ علاجات الأرض.

أما وقد وقعت الحرب، فقد صار لزاماً علينا أن نستشرف، ليس مستقبل إيران فحسب، بل مستقبل المنطقة برمّتها، وذلك استناداً إلى تاريخ طويل من معرفتنا الدقيقة بإيران وبإسرائيل

كلام النّصوص ونقش النّفوس

إسرائيل هذه أصغر بكثير من أيّ قدرة على التوسّع، ولو انتصرت انتصاراً ساحقاً وماحقاً ولا غبار عليه. ولو رمت الفلسطينيين كلّهم في عرض البحار. ولو صارت اليد الطولى عسكريّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً في المنطقة. ولو استثمرت في مشاريع التقسيم والتفتيت والأقلّيات. هذا كلّه لن يمنحها الشرعيّة. وستظلّ جسماً غريباً في قلب بحر من المسلمين، سنّةً وشيعةً ودروزاً، وستبقى في عميق عميقهم كياناً غاصباً يلفظه الله ورسوله والمؤمنون، ومن يقول بخلاف ذلك، فإنّما قوله هو الكفر الخالص.

قد تتسيّد إسرائيل المنطقة لعقود، بلا رادع أو مانع، وقد تُقيم علاقات سلام مع دول المنطقة بأسرها، لكنّ ذلك لن يُغيّر حرفاً واحداً من ثوابت العقيدة، ولنا أن نستحضر تجربتَي مصر والأردن بعد اتّفاق كامب ديفيد ووادي عربة، لنتأكّد أنّ العلاقات الرسمية ظلّت رسمية على الرغم من مرور خمسة عقود، وأنّ مزاج الشعبين المصري والأردني ومعهما المزاج العامّ، ظلّ مشابهاً تماماً للمزاج في بيروت وفي الرباط وفي الخرطوم. هذه ثوابث لا يُمكن تغييرها أو تبديلها أو تجميلها أو إعادة تفسيرها، وإذا تغيّرت في النصوص، فستظلّ محفورة حفراً في النفوس.

في مقابل هذا الجنون، ثمّة جنون آخر، سمّوه تصدير الثورة، أو الهلال الشيعي، أو إيران الكبرى، وكلّ تلك التوصيفات تصبّ في خانة واحدة، وهي على قدر كبير من الخطورة، بحيث تختلف جذريّاً عن إسرائيل ومشروعها، لأنّها قادرة على خرق الأنسجة الاجتماعية للمنطقة، والدخول عميقاً في تشعّباتها وحساسيّاتها، حيث إنّ أدواتها الكاسرة هم أهل المنطقة أنفسهم، وسلاحها الفتّاك هو العقيدة التي خرجت من المشكاة نفسها، وهو ما يعني أنّ المعركة المستعرة تدور رحاها في جسد واحد ووفق عقيدة واحدة.

استطاعت إيران بسرعة أن تنهش دولاً وعواصم عصيّة على النهش، حيث تسلّلت برفق إلى الشيعة، وصنعت لهم قوّةً وحضوراً وكياناً، وأردفتهم بالمال والسلاح والمدّ العقائدي والطريق إلى الله، فصاروا جنودها، ويدها الضاربة، وأذرعها المترامية على شاكلة الأخطبوط، وهؤلاء جزء لا يتجزّأ من نسيج اجتماعي ضارب ومتجذّر، فالشيعي في أقاصي الهرمل استحال نفسه الشيعي في الكوفة، وكذلك هي الحال مع كلّ شيعي يدبّ فوق الأرض.

دخلت إيران بيوتنا. صار المرشد الأعلى في إيران وليّاً مباشراً على الكثرة الكاثرة من شيعة المنطقة، ثمّ تمدّد نحو التقاط الأقليّات استناداً إلى ذعرهم المستدام، وبقايا اليسار بمنطق العداء لأميركا والغرب، ومجموعات لا بأس بها من السنّة من نافذة فلسطين. استحكمت إيران بمفاصل حسّاسة ودقيقة جدّاً. واستطاعت أن تمسك المجتمعات من دواخلها، وأن تقبض تماماً على عنقها، عبر سلسلة من التراكمات التي أفضت إلى تغيير الواقع السياسي، كما هي الحال في بيروت أو صنعاء، أو محاولة تغيير الواقع الديمغرافي والتاريخي، كما كانت الحال في دمشق.

استطاعت إيران بسرعة أن تنهش دولاً وعواصم عصيّة على النهش، حيث تسلّلت برفق إلى الشيعة، وصنعت لهم قوّةً وحضوراً وكياناً

يد إيران الضّاربة

خطورة إيران القصوى أنّها ليست جسماً غريباً يشبه إسرائيل. هي دولة تستخدم أناساً يلفظون الشهادتين، ويصومون ويصلّون ويحجّون، وليس يُفرّقهم عن البحر الذي يعيشون فيه سوى بعض الاختلافات الفقهية. كتابهم واحد ونبيّهم واحد وثقافتهم واحدة. وهم يتقاسمون المناطق والقرى والمدن منذ مئات السنين، وتجمعهم علاقات ودّ وصلة رحم ومصاهرات، وبالتالي يدها ضاربة في عميق نسيجهم، وقدرتها على العبث به ليست توازيها قدرة على الإطلاق، وهي تتجاوز في هذه النقطة تحديداً كلّ ما تُشكّله إسرائيل من خطورة، بحيث إنّ ثمّة فارقاً بين الخطورتين بما لا يُقاس.

حاولت إسرائيل مع أنطوان لحد. حاولت مع بشير الجميّل. حاولت مع شخصيّات وأحزاب وقوميّات ومذاهب. لكنّها خرجت من ذلك كلّه خالية الوفاض. لأنّهم جميعاً أصغر من القدرة على تشريعها، لو حاولوا فلن يستطيعوا، وقد جرّبوا مرّة ومرّتين وألفاً، وكلّ التجارب اصطدمت بجدار سميك. إيران مختلفة تماماً. تسرّبت إلى مجتمعاتنا دون عناء يُذكر. ثمّ صارت حجر الزاوية فيه. لتعود وتحصد كلمة الفصل في كلّ صغيرة أو كبيرة. وهنا تماماً تكمن خطورتها ونقاط قوّتها.

إقرأ أيضاً: طوفان دمشق يُلامس بيروت: ماذا عن السُنيّة السياسية؟

في الحرب بينهما، نحن نميل إلى الهزيمة المزدوجة لكلتيهما، أمّا إذا انتصرت إسرائيل وسقطت إيران، فذلك أمرٌ جلل، وربّما تندفع العربدة الإسرائيلية نحو منتهى الحماقة والجنون، لكن يبقى أنّ بينها وبين شعوب المنطقة فتقاً لا يُمكن رتقه حتّى نهاية الزمان، من حروب ودماء وتاريخ، إلى عقيدة وأنبياء وقرآن، وما أدراكم ما القرآن.

يُقال إنّه حين تقدّم ريمون إدّه بمشروع قانون لإقرار الزواج المدني داخل مجلس النوّاب، ثمّ خاض لأجله صولات وجولات من النقاش والتمحيص والتدقيق والحوار، وقف رشيد كرامي وهو يحمل المشروع بيديه، ثمّ توجّه إلى إدّه بالقول: هذا القانون ضدّ القرآن. صمت العميد لبرهة وهو يُفكّر بحذر. ثمّ قال: إذا كان ضدّ القرآن فأنا أعلن سحبه. وهكذا كان.

لمتابعة الكاتب على X:

@kassimyousef

مواضيع ذات صلة

رسائل انخراط محدود: أين اختفى حلفاء إيران؟

تواجه إيران اليوم اختباراً مزدوجاً: الحفاظ على نفوذها عبر أذرعها الإقليميّة، وفي الوقت نفسه التعامل مع الضغوط الداخليّة والخارجيّة التي أصبحت هذه الأذرع أحد أسبابها….

موسكو والحرب: الوجود الأميركيّ لم يحمِ الخليج

مثلما تورّطت إيران وإسرائيل في حرب روسيا مع أوكرانيا، بانحياز كلّ منهما تباعاً، الأولى لموسكو بتزويدها بالمسيّرات، والثانية بمنحها كييف أسلحة، تنظر القيادة الروسيّة إلى…

فخامة الرّئيس…. ” مش ماشي الحال”

قبل الدخول في حيثيّات الحكم الصادر عن المحكمة العسكريّة أمس بقضيّة عناصر “الحزب” الثلاثة الذين تمّ توقيفهم خلال نقلهم لأسلحة وصواريخ غير مرخّصة، والذي فرض…

برّي “يحفر” بالتراكم وسلام باستثنائية جرأته..

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس القرارات بالقدرة الفورية على تنفيذها، بل بما تُحدثه من تغيير معنوي وسياسي مؤكد وعميق. هكذا يمكن قراءة قرار الحكومة…